منصور حكمت

بصدد العلاقات الراسمالية


مقابلة اذاعة انترناسيونال –الاممي- مع منصور حكمت، 17 تشرين الثاني-اكتوبر 2000
ترجمة: فارس محمود
علي جوادي: اسمح لي ان ابدء بالسؤال التالي: يستند النظام الراسمالي الى ركنين، من جهة طبقة عاملة وعامل موجود يبيع قوة عمله، ومن جهة اخرى، وجود راسمالي مالكاً لوسائل الانتاج والتوزيع في المجتمع. ومن اجل ان يدير الاخير دورة الراسمال وانتاجه يحتاج الى شراء قوة عمل العامل. ان هذه الاسس العامة للنظام الاساسي للنظام الراسمالي. اذا نظرنا الى المعاملة ظاهرياً، سنرى ان العامل يبيع قوة عمله، يبيع مدة عمله لمدة معينة الى الراسمالي، وبالمقابل يتقاضى اجراً معيناً. اين هو الاشكال في الامر؟ ماهو نقدكم لهذه المعاملة ذاتها اجمالاً؟
منصور حكمت: من المحتمل بالنسبة لطالب في الصف الاول من قسم الاقتصاد ان يدرس ان ادوار مثل العامل والراسمال او المدير والمشرف وغيرها بوصفها اقسام من تقسيم عمل اجتماعي واقتصادي، اي ان المجتمع اصبح معقداً، وحل تقسيم العمل. احدهم حداد، الاخر نجار، مهندس، طبيب، راسمالي، عامل، واحدهم معلم، وظاهر الامر ان العلاقات الاجتماعية، وبالاخص السوق الحر، تحدد الصلة بينهم، وان هذا التبادل المتساوي الذي يقيمه ظاهرياً العامل مع الراسمالي هي جزء من هذا.
في الحقيقة ان العامل والراسمال ليسا ادوار اجتماعية وجدت نتيجة تعقد المجتمع وتوسع تقسيم العمل ومايصطلح عليه الصاق ادوار اقتصادية على الناس. انها مسلسل القصة القديمة للاستغلال والتربح والاستفادة من كدح الاخرين والتي هي قصة كل تاريخ المجتمع الطبقي، وليس الراسمالي فقط. ان مجمل القضية هو ان هذه الادوار، ذلك الاسلوب المحدد يجعل امراً ممكناً، في نظام راهن، في النظام الراسمالي، كدح اناس يقوموا بالانتاج من اجل قسم من المجتمع لادور له في الانتاج. العامل يبيع قوة عمله لراسمالي، حسناً، ومقابله يتقاضى اجراً.
ولكن قوة العمل تلك التي يبيعها العامل الى الراسمالي في معمل ما، وفي عملية الانتاج، ومثلما يقول ماركس يُستفاد منها، هي ليست بضاعة يستهلكها مثل الوقود، او مثل مقدار من المصادر المعدنية او او مقدار من معدن او خشب. اذ تُستَهلَكْ قوة العمل بشكل بحيث تعمل على بقية المواد الطبيعية، وتخلق منتجات جديدة. وان قيمة هذه المنتجات اكثر من ذلك المقدار الذي صُرِفَ في خلقها، اي اكثر من المقدار الذي اعطي الى العامل بالاضافة الى المواد الطبيعية التي استخدمت. ان قيمة المنتوج اكثر من جمع المصاريف التي انفقتها الطبقة الراسمالية، وان هذا فائض، فائض القيمة او القيمة المضافة كما يبينه ماركس، ثمرة سمة قوة العمل. قوة العمل هي احد تلك السلع التي تنتج قيمة جديدة عند استخدامها وتنتج اكثر من ذلك المقدار الذي اعطي للعامل.
وعليه، يعود البحث لمسالة ان هذا النظام الذي يسير هذا المجتمع، المجتمع الراسمالي، ثمرة عمل اناس ينتجون، حصيلة ابداعات الانسان، وثمرة اناس تجلبهم طبقة مثل الطبقة الراسمالية. ان المنتوج الذي يُنتَجْ في عملية العمل وفي مسار العمل، في المعمل والمزرعة وغيرها، يعود الى امرء هو مالك ادوات الانتاج، مالك المزرعة، مالك المعمل، مالك تلك المؤسسة. اما ذلك الشخص الذي عمل، فمن الواضح انه تقاضى اجرته ومضى. ولكن الشيء الذي بقى، بالتالي، على شكل كمية كبيرة من السلع تعود الى ذلك الشخص الذي كان مالك الفرع الانتاجي. وان قيمة اكبر هي جملة السلع هذه التي انتجت، وهي بالتالي ظاهراً حصته من الانتاج. ولكن هذه ليست سوى ثمرة عمل اؤلئك الذين اتوا صباحاً وعملوا ومضوا، وبالتالي، ثمرة مجمل الطبقة الاجتماعية التي تعمل على صعيد عالمي.
ان هذا الاسلوب الذي يستولي فيه هذا المجتمع على الناتج الاضافي من المُنتج، في النظام العبودي، كان هو مالك العبد. يضع الاكل امامه (اي العبد-م) ويوفر له مهجع، وان اي عمل يقوم به يعود طبقا للتعريف لمالك العبد. او في النظام الاقطاعي، يعطي الفلاح بضاعته بصورة مباشرة الى الاقطاعي او يقوم الفلاح بعمل اجباري في قطعة ارض تعود للاقطاعي يعمل عليها الفلاح بصورة الزامية.
لقد كانت اساليب جنت منتوجاً اضافياً في الانظمة السابقة. في هذا النظام الراسمالي، من الواضح ان الشوق يسود، ويضفي على جميع الاشياء سمة تبادلية بين الناس. في هذا النظام، وبعد تبادل بين العمل والراسمال يحدث الامر ذاته بالضبط. اي ياتي جمع ما ليعمل، من الصباح للمساء، على امتداد عمرهم، وفي نهاية تلك العملية، وفي اخر العمر، يكون العامل قد قضى عمره كله يعمل ليحصل على المعيشة والملجأ، وان ذلك المرء الذي عمل له العامل، تلك الطبقة التي عملت لها الطبقة العاملة جمعت ثروة طائلة بين ايديها.
ان القدرة الاجتماعية لهذا الراسمال هي في الحقيقة ليست سوى قلب (ومفعولها مقلوب-م) القدرة التي خلقها العامل له. ان الثروة هي ثروة خلقها العامل له. بيد ان هذا النظام معقداً، ذا اليات اكثر عصرية وتعقيداً، يكون السوق محوره والنقد محوره، وان مركزه هو تسليع الظواهر ومن بينها قوة العمل. على النقيض من النظام العبودي الذي بوسعك ان تلتقط صورة لعملية الاستغلال وتقول: انظر انه يدفعه للعمل القسري، وبعدها يستولي على كل ماينتجه! في هذا النظام ليس بوسعك ان تلتقط صورة وتقول انظر الى الراسمالي، انه يصبح مالك ثمرة عمل ذلك الشخص! ولكن حين تنظر الى الاقتصاد ككل، ترى ان الالية هي نفسها بالضبط. عبر تسليع عمل الانسان للمجتمع، عبر تسليع قوة عمل الانسان، فان القوة الجسدية للانسان في هذا المجتمع هي تعمل عملياً لمالك نتاج هذه القوة.
ان اساس الامر هو الملكية البرجوازية لوسائل الانتاج، اي ان هناك جمع جعل وسائل الانتاج ملكاً له، واحتكرها وحرم الكثيرين من ان يستفيدوا من هذه الادوات لكي ينتجوا عبرها مايشاؤون ويستطيع المجتمع الاستفادة منها.
علي جوادي: لقد اشرت الى هذه المسالة، ولكن ثمة امكانية ان يطرح المفكرون البرجوازيون بوجهك مايلي: حسناً، على اية حال ان العامل مخير، ليس مجبراً على بيع قوة عمله، عليه ان يبيعها تحت اوضاع طرحها الراسمالي وصاحب العمل. ولهذا، من الناحية الحقوقية، ليس هناك اجبار ظاهرياً. ماهو ردك؟
منصور حكمت: في الحقيقة ان اجباراً كبيراً كامناً هنا. علينا ان ننظر الى: اية خيارات اخرى يمكن ان تكون مطروحة هنا. اذا لم يبع قوة عمله، فماهي طريقة امرار معيشته؟
لقد ذكرت ان المجتمع معقد، ولكن اجمالاً ان اي مجتمع واي نظام اقتصادي هو اسلوب يستخرج الناس بصورة جماعية معيشتهم من الكرة الارضية ويلبوا حاجاتهم. قد تكون هذه الحاجات في اوائل التاريخ بسيطة ومتدنية مثل الغذاء، الملجأ، الملبس وغير ذلك، ولكن الان كل شيء موجود من الحاجات المادية والرفاهية وصولاً الى اعقد الحاجات المعنوية. ولكن على اية حال، الحقيقة هي ان هذا النظام الاقتصادي هو الطريقة والاسلوب الذي يؤمن الناس عبرهما معيشتهم.
ان اتى امرء ووضع وسائل توفير وتامين هذه المعيشة رهن اختياره، يضع المجتمع امام خيار: اما ان يزول او ان يعمل لهذه الفئة التي وسائل الانتاج رهن تحكمها. قد يكون للعامل خيار ان يقترض مالاً من ابن عمه ويفتح دكاناً، ولكن ليس بوسع الطبقة العاملة بوصفها مئات الملايين من الناس سبيل اخر سوى العمل لدى اصحاب المعامل او اصحاب الشركات ، لاندحة للطبقة العاملة من ان تمضي لبيع قوة عملها في السوق كي تعمل عبر هذا الطريق. لماذا؟ لان ليس لها صلة مباشرة بادوات العمل وتامين معيشتها. مجمل المسالة تعود الى ملكية وسائل الانتاج والملكية البرجوازية على وسائل الانتاج من قبل اقلية في المجتمع.
حين ترهن وسائل انتاج مجتمع ما، عندها يتحول بقية المجتمع بالضبط الى نقطة عكسك، يصبح قسماً فاقداً لوسائل الانتاج، فاقداً لاي نوع من ان تبلغ اياديه وسائل انتاج، مثل امرء يجب عليه ان يذهب للصيد، ولكن ليس بيديه سلاحاً لذلك او ان يحرث ارضاً وليس لديه وسائل القيام بهذا العمل. ان امرء بهذا الوضع يكون مجبراً على ان يعمل لدى ذلك القسم الذي بيده وسائل الانتاج. ولهذا، ان مايجعل بالضبط مركز الاشتراكية وعمودها الفقري هو ان وسائل الانتاج التي خلقها المجتمع على امتداد التاريخ، بمجمل تنوعها وتعقيداتها، كومبيوترها، سفنها، معاملها، ارضها والف شيء غير ذلك تنتج البشرية اليوم عبرها وسائل رفاهها وامانها، ينبغي ان تكون في متناول المجتمع كله. انه ليس شيئاً يمكن ان يملكه قسماً من المجتمع ويحتكره، فيما يُجبر بقية المجتمع على ان ينال قسماً عبر وضع قوى عمله بمليء ارادته، ونيل حصة له منها. ابداً.
برايي انها لمرائية جداً ادعاءات الاقتصاد البرجوازي المستندة الى ان تبادلاً ما يجري، ومايسمى باختيار ما في السوق. السوق ليس خياراً. فوراء حرية العامل الظاهرية في بيع قوة عمله او عدم بيعها، ثمة قسر اقتصادي يجبره على بيعها.
علي جوادي: اليس هذا القسر موجود بالنسبة للراسمالي، لانه على اية حال، لتدوير الراسمال، الراسمالي مجبر ايضاً نوعاً ما على تدوير راسماله واستخدام قوة العمل للحصول على الربحية؟
منصور حكمت: بالضبط تماماً، الراسمالي مجبر على ان يجد قوة عمل له من بين مئات الملايين من الناس. وبصورة واقعية ان ثمة وجود لمنافسة بين الطبقة العاملة، وبصورة واقعية هو ان على امتداد تطور الانتاج الراسمالي، يتقلص عدد العمال بصورة مستمرة جراء تقلص عدد الساعات اللازمة لانتاج كمية محددة من السلع، وذلك يعود للتطور التكنولوجي. ولهذا، لتوظيف راسمال من مليون تومان (عملة ايرانية-م) فان اي فرع راسمالي يكون كل مرة بحاجة الى عدد اقل من الناس للعمل له. اذا اخذنا مطبعة معينة بنظر الاعتبار، حيث بوسعها الان طبع مئات الجرائد ويديرها شخصين، في الوقت الذي من الممكن قبل عشرين عام، كان ينبغي ان يعمل اربعة اشخاص من اجل ان تطبع مطبعة ما نصف الكمية.
ولهذا، فان ميل ونزوع المجتمع الراسمالي هو صوب خلق عمال فائضين، وبالتالي توجد منافسة داخل الطبقة العاملة. ليس الامر كما لو ان الراسمالي يتجابه بكتلة وقطعة واحد او فرد واحد بوسعه ان لايبيعه سلعته. ليس بوسع العامل ان لايعطي سلعته الى الراسمالي بذلك الشكل، الا في اوضاع، وهذه الاوضاع افتراضية جداً. ساوضح الان كيف ان قسم من الاقتصاد قد سار على هذه الشاكلة مع افتراض ان الاوضاع هي اوضاع اقتصاد نيوكلاسيكية. ولكن بصورة واقعية، العامل ليس بوضع بحيث يتلاسن بصورة اساسية مع طبقة الراسمال ويقول اترك العمل.
علي جوادي: لماذا ان مسالة التنظيم ومسالة الاتحاد ومسالة التجمع والتلاسن ....
منصور حكمت: ينبغي ان ناخذ بنظر الاعتبار هذا بدقة. ان الاقتصاد الكلاسيكي بني على اساس العرض اللامحدود، ومايطلق عليه العمل اللامحدود ولاسقف له للراسمال، اقتصاد ادم سميث وحتى الاقتصاد الذي تحدث عنه ماركس كان قد افترض ان ليس بوسع العامل اجمالاً ان يتحدث اكثر بكثير من مستوى معيشته وفقاً للمستوى الثقافي الذي بلغه المجتمع، او مايسمى معيار اي عصر. يفترض الاقتصاد الكلاسيكي ان العمل وقوة العمل مثل اي سلعة اخرى بوسعها ان تكون شيئاً نادراً، وبالتالي يمكن رفع قيمتها، وهو الشيء الذي نطلق عليه اجر.
ان الامر الذي لايأخذه هذا الاقتصاد النيوكلاسيكي بنظر الاعتبار هو ان المجتمع يضخ بصورة مستمرة اناس جدد، وان حاجة كل فرع راسمال تقل الى العمل نسبياً. اي ينشأ شيء باسم جيش احتياطي العمل، اي الذي يتبدى على شكل بطالة، هو قسم من الطبقة العاملة يفتقد الى عمل. ان القسم من الطبقة العاملة الذي لايعمل هو العاطلين، ولكن خذ بنظر الاعتبار النساء او الذي يعيشون على زراعة الارض في الارياف، ومن الواضح انهم يعملون في الزراعة، ولكن في الواقع هم موجودين في الارياف جراء عدم وجود العمل في المدن. في اي مكان من المدينة يتحسن فيه وضع العمل، اي تزداد الاجور ولو ذرة، يستل المرء قدماه من هناك ويذهب الى المدينة.
وان هذه جميعاً اشكال مختلفة في المجتمع الواقعي، ثمة جيش احتياطي للعمل يمارس الضغط على مستوى اجور الطبقة العاملة. اولاً، ان قسم منه يدفع مصاريفه العامل نفسه، اي عوائلهم انفسهم. في الطبقة نفسها، قسم من الطبقة لايستلم اجراً، ولكنه يعيش ويعمل، ويعمل بعضهم في المنزل. ومن جهة اخرى، متى توسع الراسمال بحيث يحتاج الى قوة عمل جديدة، يُدخِل قسم فقط من هذا الجيش الاحتياطي للعمل. وعليه، فان فكرة التشغيل التام، حيث يكون هناك تشغيل تام بحيث يكون العمال في وضع ومكانة قوية ومقتدرة للتلاسن مع الراسمالية على صعيد عالمي هي فكرة خيالية في الراسمالية. ليس الامر هكذا.
وعليه، تتمتع الاتحادات العمالية بقابلية محدودة من الناحية التاريخية. ليس ثمة اتحاد عمالي مقتدر في الاوضاع التاريخية اعلاه، وذلك لان بوسع الراسمال ان يخلق منافسة بين العمال. لان الطبقة العاملة مرهقة وجائعة والمنافسة بين العمال شديدة. ان تصاعد عمل الاتحادات العمالية على سبيل المثال في السبعينات، اواخر الستينات والسبعينات على صعيد عالمي، كان يعود الى درجة تنامي التشغيل في تلك المجتمعات، ولهذا تمتعت الاتحادات بهذه الدرجة من الاقتدار. في الثمانينات، شهدنا زوال الحركة النقابية وذلك نظراً لتنامي البطالة، نظراً لان الطبقة الراسمالية بوسعها ان تخلق التفرقة بين العمال. ان النقابات هي اداة صراع العامل مع صاحب العمل وتحسين اوضاع العمال، ولكن حين تتصاعد البطالة في المجتمع بنسبة عالية، لايبقى بوسعها ان تقوم بعمل كثير وتكون مجبرة على الرضوخ لامر الواقع. تسعى الاتحادات دوماً الى تحسين اوضاع اعضائها، ويحالف النجاح بعضها، بيد ان هذا التصور الذي يرى ان بوسع الاتحادات العمالية بحد ذاتها ان ترد على هوة الراسمال-العمل ومسالة العمل الماجور واستغلال العامل استناداً الى سلعية قوة العمل، لهو تصور ساذج برايي.
علي جوادي: ان اول سؤال يطرح امام الشيوعيين من قبل المدافعين عن البرجوازية هو: اذا انتزعت حافز الربح من الراسمال، واذا حذفت الملكية الخاصة من المجتمع، سيحل عملياً ركوداً في الانتاج والتكنولوجيا، واساساً تامين حاجات الانسان، سيزول حافز تحسين اساليب الانتاج في المجتمع، وستزول قدرة تنامي وتيرة العمل التكنولوجي عملياً، ماهو ردكم على هذا النقد؟
منصور حكمت: اعتقد ان هذه الصورة قد تم استنباطها استناداً الى ازلية الراسمالية وابديتها. اذا حلنا دون المنافسة في المجتمع الراسمالي، وحلنا دون القسم او القطاع الخاص، قد يكون الامر عليه هكذا في المجتمع الراسمالي (اي يغيب الحافز-م). اي مثل راسمالية على النمط الروسي الذي يطلقوا عليه الاشتراكية الروسية. يوردون المجتمع السوفيتي كمثال او اقتصاد الدولة الذي لم تتحقق فيه تلك الدرجة من التطور التكنولوجي او تلك الابداعات والابتكارات والثورة المعلوماتية والالكترونية التي جرت في الغرب المستند على السوق. نعم، اذا ازحت الراسمالية ويمضي تدخل الدولة في الراسمالية الى حد يلجم منافسة الرساميل وتريد تطبيق البرمجة المركزية، قد تكون نتيجة هذا هو ان لايتقدم التكنيك في مثل هذه البلدان المغلقة بالدرجة ذاتها مقارنة بسوق حر لرساميل تتنافس مع بعضها وتتسابق مع بعض في تطوير التقنية والتقدم.
ولكن لايصح هذا على مجتمع اشتراكي الذي اساس عمله هو ليس المنافسة، بل هو التعاون والتفكير المشترك للبشر. وعليه، يمكن ان يكون السؤال المفترض كالتالي: أليس الفقر والعوز والمرض مبرراً وحافزاً كافياً لان يدفع الانسان للبحث عن سبيل حل لها؟ طبعاً ذلك، ان مجتمع ليس اساسه المنافسة وعبادة النفس يفكر بشكل اخر فيما يتعلق بالتكنيك مقارنة بمجتمع يعد فيه، اولاً، التكنيك تتمة للراسمال، جزء من الراسمال واسلوب يبين فيه الراسمال عن نفسه، وثانياً، مجتمع يكون فيه ذلك التكنيك في صالح وخدمة ربحية الراسمال.
من الواضح ان الراسمال يوسع هذا التكنيك من اجل تعاظم ربحه ويغيره (اي التكنيك-م) ويربطه بالميادين المختلفة للعمل. ولكن في مجتمع اشتراكي، اساسه وفلسفته الاجتماعية هي شيء اخر، يكون الناس في بحث عن الاختراعات والابداعات جراء حوافز اخرى. ليس ثمة شك في ان الحاجة هي ام الاختراع دوما، بيد ان هذه الحاجات تختلف في المجتمع الراسمالي. ومهما نفكر انا وانتم، من هم في هذا المجتمع، بما ينبغي ان يكون عليه، فانه نظرا لكون هناك تكنولوجيا، بوسع العالم ان يضع حد للامراض المعدية، ومن الطبيعي بالنسبة لنا ان نفكر ان هذا امراً ممكناً. بيد ان المجتمع لايقوم بهذا العمل. لماذا؟ لانه ليس من اولوياته. في كل عام يموت 40 مليون طفل من امراض قابلة للدرء، ولكن المجتمع ليس بمجتمع قرر وضع تقنيته وامكاناته واختراعاته وابداعاته من اجل انهاء هذا. لكن واقع وجود امراض سارية ويمكن درئها هي بالنسبة لمجتمع اشتراكي حافز للتحرك، حافز للابداع والاختراع بالنسبة للانسان، واعتقد ان سعادة الانسان وفرحه هي حافز اكبر بمراتب من الربح في السوق.
ولهذا، فان التكنيك في مجتمع اشتراكي حقيقي سينمو بسرعة وبدرجات، ليس نموا كمياً من الناحية التكنولوجية فقط، بل في ميادين استخدامه. لاحظ انهم يصنعوا صاروخ الان ينفجر ما ان يستخدم زعيم الشيشان هاتفه الجوال، يبلغ الصاروخ غرفته. ان هذا العمل قد قاموا به كذلك. ولكن كيف في مجتمع مثل هذا، مجتمع بلغ هذه الدرجة من التخصص في ارشاد صاروخ بوسعه وبدون سائق يصل للمكان الفلاني وينفجر ليس بوسعه على سبيل المثال ان ينقذ اطفال زمبابوي او اطفال انغولا او الهند او مكان اخر من شر فايروس حل عليهم ودوائه متوفر كذلك؟ ذلك لانه ليس في اولوية هذا المجتمع.
وعليه، ينبغي ان لاننظر الى التكنيك فقط بوصفه ذلك الاختراع الاولي مثل اختراع الكهرباء او التلفاز، بل ينبغي ان ننظر الى استخدام وتوظيف ذلك التكنيك كذلك. كيف نستهلك الكهرباء؟ على اي ميادين نستهلك الكهرباء؟ على اي شيء نستهلك التلفزيون؟ على اي شيء نستهلك الكومبيوتر؟ سينظر مجتمع اشتراكي لكل هذه الاسئلة من زاوية اخرى، وتضع البشرية مجمل فضولها وسعيها العلمي ومايسمى بطاقتها للرد على مسائل من المحتمل حين تاخذ جوابها، تجد مردودية النشاط اكبر بكثير من على سبيل المثال شركة اي بي ام او مايكروسوفت. حسناً قد يكون هذا حافز مهم جداً لمالك مايكروسوفت، ولكن لايكون حافزاً بالنسبة لي ولكم، نحن الذين ليس لنا اسهم في هذه الشركات ولانجني ربحاً منها. ولكن حين يضع مجتمعاً التقنية في متناول الجميع، والجميع يكون ملماً بها، يطلق العنان للتعليم للاستفادة منه، وبعدها يطرح شعار امام نفسه ان يرد على مشكلات البشر الواحدة تلو الاخرى عبر توظيف التقنية، عندها سنشهد برايي ابتكارات وابداعات لم تكن مطروحة على جدول اعمال الراسمال.
علي جوادي، ساطرح الان سؤالاً اخراً، في الية المجتمع الراسمالي، السوق هو بشكل ما الية تحديد حاجات المجتمع المتنامية. يتم انتاج السلع، تباع وتجلب ارباحاً. في المجتمع الاشتراكي، باي شكل يتم تامين هذا الشيء او الجهاز الذي يحدد حاجات المجتمع المتنامية؟
منصور حكمت: لتحديد 80% من الحاجات، ليس هناك حاجة لعالم او فيلسوف او سوق. الجميع يريد ان يكون معافى، وبالتالي فان الحاجات الطبية ستكون معروفة. الجميع ينشد العيش بامان، مصانين من الظروف الطبيعية، وبالتالي، يصبح معروفاً ما ينبغي ان يكون عليه المسكن. الغذاء معلوماً بوصفه احد حاجات الانسان، التربية والتعليم ايضاً معلومة كجزء من حاجات الانسان، ومعلومة كذلك اي الحاجات تقتضيها الاشكال الاولية لمايسمى الاستفادة من ثقافة المجتمع مثل الموسيقى والفن. وعليه، ليست معقدة كثيراً المقولة الاساسية، وهي اية اعمال ينبغي ان يتوجه لها الانسان او ماذا تخدم قوى الانتاج.
وحيث نبلغ تعقيد تنوع حاجات اكثر فرعية على هامش الحاجات الاساسية. قد ارغب بالرسم، وقد ترغب بالصيد او السباحة او اي شيء .... ماذا يحل بحاجاتنا هذه؟ هل نبني مسبحاً او معرضاً فنياً او اشياء اخرى؟ أينبغي ان ننتج اكثر ادوات موسيقية ام ادوات رياضة؟ هنا نبلغ مسالة الاختيار، والا اجمالاً ينبغي بناء مساكن مناسبة للجميع، ينبغي توفير وسائل نقل امينة ويمكن الاعتماد عليها بحيث بوسع اي امرء ان ينتقل نفسه وينقل حاجاته، وفي سياق هذا ينبغي ان تكون الادوية في متناول الجميع، المستشفيات كذلك، وان تتوفر المعدات الرياضية للجميع. ليس في هذا شك. ونبلغ المسائل الهامشية، وبالاخص حين تتعاظم ثروة المجتمع، يتم توسيع هذا الهامش، وذلك لان الجميع تمتع بالاشياء الاساسية، وهناك قوى كثيرة موجودة يمكن صرفها على انتاج الحاجات الاكثر جانبية، اي بمعنى ما حاجات اكثر فردية وجماعية للانسان.
ان المستوى التقني للانسان اليوم يبين كيف ان بوسع الجميع المساهمة في هذه المسالة برايي. على سبيل المثال، اذا سأل امرء ما قبل خمسة عشر عاماً، لم نخبر مثل اليوم شيئاً باسم كومبيوتر وانترنيت بهذا الحد والحجم. ولكن بوسع الجميع اليوم ان يرتبط سوية عبر شبكة كومبيوترية، وبوسع كل انسان بهويته المحددة والمشخصة ان يساهم في عملية اتخاذ القرار ويعلن حاجاته. بوسعه ان يقول ان هذا ما اريده.
وبعدها، ان هؤلاء الناس انفسهم، وبهيئة منتجين، بوسعهم ان تكون لديهم لائحة وقائمة بهذه الحاجات ويعرفوا كم تحتاج هذه المدينة من احذية بمقياس 42، في هذه المدينة هناك نقص في كرات القدم، في هذه المدينة هناك اناس كثر يعتقدون بحاجة الى بناء مسرح. ان هذه الحاجات يمكن تحديدها اكثر وابسط. بالاخص اذا ما اخذت بنظر الاعتبار ان ليس ثمة مصلحة تحكم المجتمع سوى الرد على الحاجات. ليس من المقرر في هذه المسالة ان قوة خارجية تتعقب مصلحتها وتريد ان تغتني عبر هذا السبيل. المبدأ الاساس هو ان القوى المنتجة تهدف الى تلبية حاجات الانسان صرفاً.
ملاحظة المترجم : النص الاصلي منقول عن تسجيل صوتي ومقابلة صوتية.في الحوار وبالتالي لهو امر واضح على الترجمة هذا الطابع الحواري الشفهي. اذ اوردت نصاً ولم يعيد تدوينها منصور حكمت.

مقالات