منصور حكمت

سياستنا التنظيمية بين العمال


ترجمة: فارس محمود

يمثل المقال الذي بين ايديكم خلاصة مناقشات المكتب السياسي للحزب بعد المؤتمر الثاني للحزب واستنادا الى تاكيدات المؤتمر على ضرورة التوضيح الاكثر لسياستنا التنظيمية العمالية. ان هذا المقال هو في الوقت ذاته خطوة اخرى على امتداد المناقشات التي جرت في السنوات المنصرمة حول مباديء ونمط العمل الشيوعي والجوانب المتنوعة للتنظيم الحزبي في المدن.

يتالف المقال من ثلاثة اقسام اساسية. في القسم الاول، سنتطرق الى بعض المسائل الاولية والعامة للبحث المذكور. تبين بعض الطروحات الواردة في هذا القسم بعض الاختلافات الاساسية بين نظراتنا التنظيمية مقارنة بنظرة اليسار التقليدي في ايران. لقد اكدنا مراراً على ان هدف الحزب ليس مجرد تمثيل وتنظيم "سياسة راديكالية" داخل المعارضة، بل ارساء شيوعية عمالية واصيلة في ايران وجذب الطبقة العاملة للميدان بوصفها قوة فاعلة للثورة الاشتراكية. من الناحية التاريخية، يمثل ثمرة حصيلة عملية تعميق راديكالية اجنحة من اليسار الثوري في خضم وجراء ثورة 1979.

بيد ان المسالة المهمة تتمثل بوجوب تواصل وادامة هذه الراديكالية لحد القطيعة التامة مع افكار وتقاليد اليسار غير العمالي في ايران. في الواقع، ينبغي ان تتشكل في قطب اخر، واستناداً الى اساس طبقي مختلف، شيوعية عمالية في ايران. لايمكن لهذه الشيوعية ان تقصر نفسها فقط على اجراء بعض الاصلاحات والتعديلات في الفكر السياسي والعمل النضالي لليسار التقليدي. ونظراً لكون هذا اليسار اجمالاُ الجناح اليساري للطبقات الاخرى، فانه ينهل افكاره، تصوراته السياسة واهدافه واساليبه العملية من الافق السياسي والوجود الاجتماعي للطبقات الاخرى. ينبغي ان تكون قطيعة الشيوعية مع هذا اليسار تامة وشاملة. يجب ان يزاح بعيداً وبصورة نهائية ارث اليسار غير العمالي، اي اليسار البرجوازي-الديمقراطي والبرجوازي الاصلاحي في ايران. لانتحدث هنا عن الافكار والعقائد فقط. ثمة في الحقيقة فاصل طويل مابين توضيح السمات العقائدية للماركسية الثورية وبين ارساء شيوعية عمالية كقوة اجتماعية في المجتمع.

اذ نتحدث هنا عن صياغة عمل اجتماعي مختلف من قبل طبقة اجتماعية مختلفة. لم يكن هدف مجمل مناقشات الاعوام الاخيرة فيما يخص مباديء اسلوب العمل الشيوعي ومجمل مساعينا العملية في ميدان العمل التنظيمي بين العمال، سوى ان صياغة عمل اجتماعي مختلف هو امر ممكن. ليس فقط تحديد كيفية واساليب الفعالية الشيوعية، بل توفير الادوات والاطار التنظيمي المناسب لابراز وجود الطبقة العاملة نفسها بوصفها قوة الثورة الاجتماعية. وحين نلقي نظرة على المعضلات والنواقص بهذا الخصوص، نلحظ فوراً مرة اخرى، وقبل اي شيء اخر، بقايا التقاليد والافكار نفسها التي تمثل بوصلة اليسار غير العمالي في ايران. وبهذا الصدد، لاتتمثل مهمتنا فقط بنقد تلك الافكار والتقاليد لليسار البرجوازي الصغير، بل التبيان والطرح الاثباتي لتلك الحقائق الاجتماعية والمباديء السياسية التي لم يدركها فكر هذا اليسار اساساً.

اشرنا في اطروحات المؤتمر الاول لاتحاد المناضلين الشيوعيين، فيما يخص اسلوب العمل الشيوعي، انه في تنظيمات اليسار الشعبوي في ايران، لقد تم اساساً تجاهل مسالة التنظيم الشيوعي للعمال وتنظيم الطبقة العاملة للثورة الشيوعية، ووفق هذا التصور، تم تقليص تنظيم العمال الى مجرد انعكاس وامتداد تنظيمي للنضال المعادي للاستبداد.

في الاطروحات التي اعرضها في القسم الاول من البحث الراهن، اشير الى فجوة اخرى في هذا التفكير وهي خصائص الطبقة العاملة نفسها بوصفها ظاهرة اجتماعية موضوعية ذات سمات وخصائص خاصة بها. ليس لليسار البرجوازي الصغير فهم وادراك صحيح للطبقة العاملة كما هي. فالعمال، طبقاً لهذا الطرز الفكري، اما "بروليتاريا" مجردة في الكتب النظرية او اصحاب"الايدي المتشققة" والكادحين والفقراء. ان ماهو غائب هو التصوير الموضوعي، العلمي والواقعي للطبقة العاملة بمثابة طبقة اجتماعية متمايزة. طبقة ثمرة الانتاج الكبير، بالياتها وعلاقاتها الداخلية الخاصة.

قبل هذا، تحدثنا في النقاشات الخاصة بالخلايا التي تؤسس استناداً الى مكان المعيشة والعمل، وبالاخص في بحث المتعلق بالمحرضين والقادة العماليين، الى زوايا من الخصائص الموضوعية للطبقة العاملة في حياتها ونضالها. ان الاطروحات التي تعرض في القسم الاول من هذا المقال هي اساساً ذات صلة بالمسالة هذه. ليست هذه الطروحات شاملة، بل تشمل نقاط يعتبر التاكيد عليها امرا ضروريا، والتي هي بمثابة ارضية عامة لبحث سياستنا التنظيمية في هذه المرحلة، وبمثابة بعض اوجه تمايزنا الجدية عن اليسار غير البروليتاري في ميدان العمل بين العمال.

يمثل القسم الثاني مرور عابر على فعاليتنا لحد الان ونقاط قدرتها وضعفها. في هذا القسم، سنركز ايضا على تلك النقاط التي يعد التعمق فيها امراَ ضروريا لفهم مهام مرحلتنا هذه. يشمل القسم الثالث خطوط سياستنا التنظيمية في المرحلة الراهنة. ان هدفنا من هذا المقال، وكذلك في الكتابات اللاحقة بهذا الخصوص تزويد فعالي الحزب بافق عملي مشترك وواضح فيما يخص اشكال واساليب وكذلك فيما يخص توسيع عملنا بين العمال. مثلما ذكرت، ان هذه المقالة هي خطوط عامة للمواضيع وان التوضيح الاكثر للجوانب المختلفة لسياستنا التنظيمية هي مهمة الكتابات اللاحقة الاخرى والبرامج الخاصة للاذاعة.



اسس العمل الشيوعي بين العمال

بعض الحقائق الاساسية

1) ليست الطبقة العاملة جمهور عديم الشكل يتالف من اناس منفردين، بل وحتى في اسوأ الاوضاع كذلك تتمتع باشكال معينة من التنظيم "التلقائي" والتفاعل والحالة التنظيمية. ان التنظيم الشيوعي للطبقة العاملة يستحيل دون الاقرار بهذه الاشكال، توسيعها والاستناد اليها.

2) ليست الطبقة العاملة صف بدون قيادة. بغض النظر عن وجود تنظيم عمالي حزبي او غير حزبي ام عدم وجوده، يتمتع العمال في كل الاوضاع بالية داخلية للقيادة وشبكة من القادة العمليين والمباشرين للعمال. على الحزب الشيوعي، بالمقام الاول، ان يكون الحزب المنظم للقادة العمليين للعمال.

3) حتى عند غياب الاحزاب السياسية العمالية، فان الطبقة العاملة دوماً ساحة لجملة من التيارات والخطوط الفكرية والسياسية الفعالة المؤلفة من صفوف متنوعة من العمال الطليعيين والمناضلين. تشكل هذه الخطوط والتيارات نفسها الاساس الموضوعي لنشاط الاحزاب السياسية داخل الطبقة العاملة. ومن هذا الجانب، فان محور واساس تنظيم الحزب الشيوعي داخل الطبقة العاملة ليس جذب العمال كأفراد الى شبكة التنظيم الحزبي، بل توسيع وتنظيم وخلق الانسجام في ذلك الميل والتيار الفعال داخل الطبقة العاملة والذي افقه وميوله ومطاليبه مشابهة وقريبة من الحزب الشيوعي الايراني. ان هذا الطيف المحدد، الطيف الراديكالي-الاشتراكي، طيف العمال الشيوعيين هو اليوم كذلك ميل مقتدر داخل العمال الطليعيين في ايران. ينبغي ان يتحول الحزب الشيوعي الايراني الى منظم هذا الطيف والى اطار فعاليته الحزبية.



ان هذه النقاط الثلاثة ذات صلة وثيقة ببعضها البعض، وينبغي هنا ان اوضحها. ان احد اركان الرؤية التنظيمية لليسار غير البروليتاري في ايران هي الثنائية القطبية الحزب-الجماهير. طبقاً لهذه الرؤية، من المقرر ان يقف الحزب او المنظمة، في طرف، بوصفهما تنظيم مُرَكَّزْ ومكثف، منضبط، مناضل وواعي للعمل الثوري، ويقف على الطرف الاخر، جماهير عمالية على شكل جمع عددي للعمال المنفردين، المتفرقين والذين يرسف بهم الظلم، سذج، عديمي الاطلاع على سر قهرهم ومعاناتهم، فيما يعرف التنظيم "شقاء" العمال، يوعيهم، يبين لهم ضرورة النضال ويجلبهم فرداً فرداً الى صفوفه، اي النضال التنظيمي المنضبط داخل المنظمة. قد يكون هذا تصوير مبسط ومغالى فيه لتفكير التنظيم اليساري التقليدي في ايران، ولكنه يوضح جوهر هذا التفكير على اية حال. لقد كانت الثائية القطبية، ثانية التنظيم-الجماهير، موضوعة الاف الكراريس، البلاغات والمقالات في جرائد اليسار الشعبوي في ايران. ان هذا الفهم للصلة بين الحزب والطبقة في الحقيقة تعميم وانعكاس يستند الى الوجود الاجتماعي والالية القيادية والنضال السياسي البرجوازي الصغير. طيف يبلغ ويدعوا ذلك اليسار على الصعيد السياسي مطاليبه كذلك باسم الشيوعية.

لفهم المباديء التنظيمية للحزب الشيوعي داخل الطبقة العامل، يجب وضع جانباً هذه الرؤية. ان الشرط المسبق للنجاح في التنظيم الشيوعي والثوري للطبقة العاملة هو فهم الخصائص الموضوعية لهذه الطبقة واليتها التنظيمية والنضالية.

ان الاطروحات المذكورة اعلاه تشير الى: اولاً، ان الطبقة العاملة حتى في اسوأ الاوضاع كذلك تتمتع بدرجات وباشكال مختلفة من اللحمة الداخلية. ان هذه السمة الذاتية لطبقة ثمرة الانتاج الكبير. ما ان يقبل المرء بان النضال العمالي لم يبدء مع نشوء الاحزاب العمالية، ما ان يقبل المرء بان مقاومة الاستغلال يومياً هو جزء من الهوية الطبقية للعمال، سيفهم عندها كذلك ان هذا النضال يخلق معه اشكال من الاتحاد والتضامن الطبقي. اشكال تحولت الى اجزاء دائمية للملامح الاجتماعية للطبقة العاملة. ان الخروج من حيز الفردية وتعريف النفس على انها جزء من كل اوسع بين العمال هو ليس عمل حصيلة طرح وخطط الاحزاب السياسية، رغم ان فعالية الاحزاب لها تاثيرات جدية على ابعاد وسمات هذا التنظيم.

ان التنظيم التلقائي للطبقة العاملة يتخذ اشكال متنوعة. ان العائلة العمالية التي هي مفهوم متمايز ويختلف بصورة تامة عن العائلة البرجوازية الاحادية النواة، عائلة لاتلتف حول الملكية وانما حول معيل حي وعمله اليومي، تمثل ابسط اشكال تمركز العمال. ان على من يبغي تنظيم العمال وتوعيتهم ان يعرف ان موضوع عمله ليس افراد منفردين بل عوائل عمالية واسعة قبل اي شيء اخر. ان هذه ليست سوى نقطة انطلاق في التمركز والتنظيم العمالي.

ان المعمل والتقسيم الانتاجي للعمل ذاتهما اساس للاتصال المشترك للعمال. اذ ان البرجوازية، ورغم مجمل مساعيها المدروسة، ليست بقادرة على ان تحول دون ان لايتحول التقسيم الانتاجي للعمال في اقسام وفروع الى نوع من التشكل السياسي والاجتماعي مابينهم. ان اناس يعملون لساعات طويلة في اوضاع مشتركة وبادوات عمل مشتركة تحت سقف واحد لكائن خارج عنهم ويقبضون منه اجرهم، لايمكن ان لايقتربوا من بعض ويقيموا صلات خاصة فيما بينهم. ان الفرع الانتاجي، وبعض النظر عن وجود نقابة او مجلس ام لا، هو نقطة انطلاق سلسلة اشكال تضامنية موضوعية بين العمال.

ان احد الاشكال الدائمية للتنظيم داخل الطبقة العاملة، والتي للصلات العائلية وصلات العمل دور جدي تلعبه، هو التنظيم على شكل حلقات عمالية. ان شبكة الحلقات العمالية نفسها ظاهرة متنوعة وواسعة. من الحلقات البسيطة التي تضم عدد من العمال فقط الذين تجمعهم صلة الرفاقة والزيارات البسيطة، وصولاً الى حلقات العمال الطليعيين الذين يتعقبون اهداف نضالية وسياسية محددة ال حد ما، هي نماذج من الشكل الحلقي لتنظيم العمال.

بوسع المرء اضافة اشكال متنوعة كثيرة الى ذلك. في الحقيقة ان هناك طيف واسع من الاشكال التنظيمية والتنظيم ابتداءاً من عامل فرد وصولاً الى حزب سياسي. ليست الاشكال التنظيمية للطبقة العاملة عائق امام التنظيم الحزبي للعمال. انها ليست بديل للتنظيم الحزبي، بل في الحقيقة ليس بوسع الحزب السياسي للطبقة العاملة ان يمضي قدماً دون هذه الاشكال التنظيمية ودون الاتكاء عليها وبدون تطويرها وتنميتها. اذ ان هذه الاشكال هي جزء من الهوية الطبقية للعمال والتي تجعل اساساً تحزب الطبقة العاملة امراً ممكناً. ان فئات مثل الفلاحين وصغار المنتجين في المدن الذين يفتقدون الى حد ما مثل هذا التنظيم الداخلي، تعجز تقليدياً عن عكس مصالحها في حزب سياسي عام.

ثانياً، ان الطبقة العاملة ليست جماهير هلامية الشكل. ان هذا هو تصور البرجوازية عن العمال والذي انتقل الى الاحزاب الاشتراكية البرجوازية الصغيرة. ان من جملة مايستلزمه هذا التصور هو لجوء الاحزاب الشعبوية الى لغة تناسب لغة الاطفال حين تخاطب العمال. ان الطبقة العاملة هي، وفي كل مرحلة، مكان التقاء تيارات وخطوط سياسية وفكرية وتقاليد نضالية متنوعة. من الفوضوية الى النقابية، من الاصلاحية الى الاشتراكية الراديكالية موجودة داخل العمال. لاتتعلق اشارتنا هذه صرفاً بالتمايلات الذهنية لهذا العامل او ذاك، بل اننا نتحدث عن خطوط فكرية وسياسية تعتلي هذه هذه الاشكال التنظيمية التلقائية والعفوية للطبقة وتترك، من خلال هذه الشبكات، تأثيرها على الوعي السياسي والحركة النضالية للطبقة العاملة.

ان هذه الميول والخطوط هي ظواهر مادية، معسكرات نضالية واحزاب سياسية غير رسمية وغير معلنة داخل العمال، لها خطها السياسي، اليتها للعمل التنظيمي، قيادتها العملية وشعاراتها الخاصة. ان وجود هذه الخطوط كذلك هي خاصية ذاتية ودائمة لطبقة مستغلة وانعكاس لمساعي طبقة على امتداد التاريخ لاستئصال او التخفيف من المآسي الناجمة عن هذه المكانة. ان هذه الميول "عفوية"، ليس بمعنى ان عنصر الوعي والنظرية والتفكير ليس له تاثير في ظهور هذه الميول، او ان التيارات المنظمة لم تسعى بصورة واعية لتقوية هذه الخطوط على امتداد حياة الطبقة العاملة، بل يرى الحزب الذي يعمل داخل الطبقة العاملة اليوم في نهاية القرن العشرين هذه الميول بوصفها سمات معطاة للطبقة العاملة، وبوصفها جزء من الملامح القائمة لهذه الطبقة وحصيلة تاريخ طويل من النضال العمالي. فلا النقابية فكرة وتقليد جديد وحديث داخل الطبقة العاملة ولا الشيوعية. ولا العامل النقابي ظاهرة نادرة وحديثة الوجود ولا العامل الشيوعي. انها اجزاء الطبقة العاملة وجزء دائم من العملية السياسية والنضالية. انها اجزاء يعاد انتاجها عبر الاليات الداخلية للطبقة ذاتها.

ان مجمل هذه الميول داخل الطبقة العاملة فكرت بـ"معاناة" العمال وتاسست اساساً رداً على هذه المعاناة. ان مجمل قضية هذه الميول تتعلق بتحريك الطبقة العاملة تطرحها كل منها حول مسائل العمال. تكمن اهمية هذه النقطة بان نعرف بانه، وبغض النظر عن وجود او عدم وجود الاحزاب السياسية في كل مرحلة معينة وبمعزل عن مدى نفوذها، فان وجود خطوط فكرية وسياسية متنوعة داخل الطبقة العاملة هو امر دائم ولايتوقف. انها ليست ثمرة العمل الحزبي بين العمال، بل نقطة انطلاقه. ان الحزب السياسي الذي يخاطب العمال، الحزب الذي ينشد تنظيمهم حول هذا التوجه او ذاك، في الوقت الذي لايواجه العمال بصورة منفردة، ولايجد امامه ورقة بيضاء واذهان خام. بل على العكس من هذا، ان نقطة انطلاق الفعالية الحزبية هو توجيه النداء وتوحيد الميل القريب من الحزب داخل العمال. ان النشاط التنظيمي لاي حزب داخل الطبقة العاملة هو امر ممكن اساساً استناداً الى وجود الميول الفكرية والعملية التي تميل والقريبة من سياسات ونظرات ذلك الحزب. حتى ان البيان الشيوعي كذلك لم يطرح الى طبقة عاملة ليس لها اي علم بالاشتراكية، بل كان مخاطبه الميل الاشتراكي الموجود فعلاً بين العمال. لم يكن الشيوعيين بمبتكري الاشتراكية في الحركة العمالية، بل قسم مناضل، طليعي وواعي لميل اشتراكي موجود داخل الطبقة.

ثالثاً، انه لمن البديهي ان لمثل هذه الطبقة العاملة تفاعلها السياسي الداخلي والتنظيمي التلقائي والعفوي. انها ليست صف بدون قادة. ان تجسم طبقة عاملة بدون قادة عماليين هو امر غير ممكن. ليس ثمة نضال يتبلور دون قادة، وان الطبقة العاملة بدون نضال، بدون مقاومة يومية تجاه البرجوازية امراً لايمكن تصوره. وان هذا هو الشيء الذي تتجاهله الثنائية القطبية "الحزب-الجماهير" بصورة تامة. وان هذا هو الشيء الذي يعجز اليسار الشعبوي عن فهمه، اذ يستنتج القيادة بصورة محض من مفاهيم "النظرية" و"الوعي". ان للعمال، وفي اي ظروف او اوضاع كانوا، قادتهم. قد يكون هؤلاء القادة جيدين او سيئين، ثوريين او اصلاحيين، قد يكون نطاق نفوذهم واقتدارهم واسع وكبير او محدود، ولكن يعملون بمثابة قادة على اية حال. ان هؤلاء القادة هم قادة المقاومة ذاتها التي لامناص منها والمتواصلة للعمال في المجابهة اليومية مع الراسمال والراسماليين. ان القادة الحاضرين والمحليين والمباشرين للجماهير العمالية. ليس بوسع اي حزب ان يحرك الطبقة بدون القادة المباشرين، بدون القادة المحليين او من وراء ظهرهم بالاتكاء بصورة محض على حقانية وصحة الشعارات و"رسالته التاريخية" في تحرير العمال.

في القسم الاخير من هذه المقالة، ساتطرق للنتائج العملية لهذه النقاط لسياستنا التنظيمية. وهنا ان هذا القدر كافي بان نذكر ان العمل الحزبي والشيوعي بين العمال يستلزم الاخذ بنظر الاعتبار مجمل هذه السمات الموضوعية للعامل. وفي الحقيقة، إن كان حزباً عمالياً، ليس له سبيل سوى هذا. ان التنظيم التلقائي والعفوي داخل طبقتنا هو جزء من حقيقة وحال هذه الطبقة. ان على التنظيم الحزبي والشيوعي، وباشكال مختلفه، ان يرتبط ويتطابق مع هذه العملية التنظيمية. ان القادة العمليين للعمال هم العمود الفقري للاحزاب العمالية. ان على الحزب الشيوعي العمالي، في المطاف الاول، ان يكون حزب القادة العمليين. واخيراً، ان الحزب الشيوعي سيستحق اسم حزب عمالي فقط حين يكون تجلي وتنظيم حزبي للميل الراديكالي-الاشتراكي، الميل الشيوعي داخل الطبقة العاملة، وان هذا الميل يقر بان الحزب الشيوعي بوصفه اطار مهم تنظيمي في نضاله الشامل. سنعود لتناول هذه المسائل.

4)يمثل النضال الاقتصادي للطبقة العاملة ركن اساسي وحياتي للنضال الطبقي والارضية السياسي لوعي الجماهير العريضة للطبقة بهويتهم الطبقية. بوسع فقط الحزب الذي اهل لان يطلق عليه "حزب العمال" ويتخذ المكانة القيادية للنضال الطبقي للعمال هو الحزب الذي عُجِنَ بالنضال الاقتصادي للعمال، وان يظهر في كل خندق من الخنادق اليومية للنضال بوصفه طليعي الطبقة العاملة، منظم ومرشد لها.

ان احد الخصال الاساسية لليسار غير البروليتاري في ايران هو الاستهانة والاستخفاف بالمطاليب والنضال الاقتصادي للعمال. من الملفت للانتباه هنا ان اشكال التعامل هذه يتم تبريرها تاريخياً تحت ستار النضال ضد "الاقتصادوية". اذ تفتخر اليوم تيارات ماوية من مثل اتحاد الشيوعيين باطلاق لقب "الاقتصادوية" على الحزب الشيوعي الايراني وذلك لطرحه مطاليب 40 ساعة عمل اسبوعياً وزيادة الاجور وضمان البطالة. في الحقيقة ان ما تتهمه الشعبوية، ولازالت، في اغلب الاحيان تحت ستار الاقتصادوية هو الوجود المستقل للطبقة العاملة نفسه واكثر اشكال ابراز وجودها السياسي اساسية ودائمية بوجه البرجوازية والراسمال.

وبرفضها للمطاليب الاقتصادية للعمال والتيارات النشطة في ميدان النضال الاقتصادي، تلجأ الشعبوية الى جدل البلاشفة مع الاقتصادويين في اوائل القرن. ليس ثمة مثال عديمة الصلة والربط اكثر من هذا. ففي روسيا بداية القرن العشرين ، انتقد القسم الشيوعي للطبقة العاملة، اي الطليعة والقادة العمليين للعمال الذين هم انفسهم في مقدمة صفوف النضال الاقتصادي، انتقد ذلك التيار داخل الطبقة العاملة الذي يبعد الافق الواسع للنضال من اجل تغيير السلطة السياسية. اذ كان يصر البلاشفة على ان على العمال، وبالاخص في اوضاع فيه المجتمع على اعتاب ثورة عظيمة على القيصرية والاستبداد، ان لاينكفئوا عن دورهم بوصفهم قائد النضال من اجل ديمقرطة كل المجتمع، ويعودوا حبيسة النضالات الاقتصادية ويحيلوا قيادة الجماهير العريضة في ميدان السياسة للبرجوازية. وعليه، كان هناك تيارين داخل الطبقة العاملة تجادلا حول اهمية ومكانة النضال السياسي. بذهن البرجوازية الصغيرة الساخطة في ايران، انها قد ربحت ورقة من هذه الجدل للاستهانة بالمطاليب والنضال الاقتصادي للعمل وتذويبه في النضال المناهض للنظام. ان النضال المناهض للاقتصادوية الذي يقوم به يسار استبدل اساساً سواء على الصعيد النظري او الاهداف السياسية او وجوده الاجتماعي الفعلي، الطبقة بالشعب ليس بوسعه سوى ان يكون ستار شبه ماركسي لرفض الهوية والمطاليب الستقلة للطبقة العاملة.

اننا نرفض "النضال ضد الاقتصادوية" هذا، وان اتهام هذا الطيف لنا بالاقتصادوية هو وثيقة اثبات على توجه وانتماء الحزب الشيوعي الايراني. ان النضال الاقتصادي هو ركن النضال الطبقي وجزء لايتجزأ من النضال الشيوعي. ان الحضور النشط في هذه الجبهة هو جزء من تعريفنا للشيوعية. اذ ماعدا المراحل الثورية، في القسم الاكبر من حياة الطبقة العاملة، تخصص اكثر الطاقات النضالية للعمال حوله. في رحم هذا النضال، يتربى القادة الثوريون للعمال وتدرك الطبقة العاملة هويتها المستقلة واقتدارها. ان تيار يدعي الشيوعية ويعجز عن ضم طليعي النضال الاقتصادي للعمال، جريان عاجز عن ان يكون مرشد، منظم وقائد في هذا الميدان من النضال، ليس بوسعه ان يكون تيار عمالي اطلاقاً. ينبغي على الشيوعية العمالية في ايران والحزب الشيوعي على وجه الخصوص تحويل النضال الاقتصادي الى محور اساسي من فعاليته.

5)ليس للشيوعيين اي مصلحة معزولة عن مصالح كل الطبقة العاملة. ان النضال من اجل وحدة الطبقة العاملة ودغم العمال باي شكل ممكن، وان التنظيم الحزبي لايتعدى سوى احدها، هو جزء لايتجزأ من العمل الشيوعي. ان الشرط الحياتي في التنظيم الشيوعي للعمال من قبل الحزب، هو الانفصال وفصل الحدود التام عن السكتارستية (الفئوية) لليسار البرجوازي الصغير في ايران.

ان سمة محددة لليسار الشعبوي في العمل التنظيمي هو السكتارستية (النزعة الفئوية). ولكن ماهي السكتارستية؟ ان الاصرار على الاختلافات السياسية والنظرية بين المنظمات. الايمان باحقية نظرات وسياسات ومواقف الحزب، الدعاية لها والدفاع المستميت عنها في صفوف الطبقة العاملة ليس بسكتارستية. ان السكتارستية تعني فصل مصالح الحزب والمنظمة الشيوعية عن مصالح الطبقة العاملة عموماً. السكتارستية تعني الظهور في الطبقة العاملة لا بوصفك عضو في طبقة، بل بصفتك عضو فئة خاصة ذات مصالح معزولة عن كل الطبقة وذات اولوية عليها.

ان المصدر والاساس السياسي لسكتارستية اليسار البرجوازي الصغير جلية تماماً. بالنسبة للبرجوازية والبرجوازية الصغيرة، ينبغي ان يتنظم العمال في الميدان السياسي ويتحد بذاك الحد والشكل الذي تقتضيه سياسات البرجوازية ومصالح المجتمع البرجوازي. ان الاتحاد الشامل للطبقة العاملة ليس امراً عديم القيمة بالنسبة للبرجوازية، بل مضراً، وينبغي الحيلوله دونه. ان الذهنية الطبقية نفسها تجد انعكاسها في الممارسة الشعبوية. انه لامر بديهي ان ينظر البرجوازي الصغير الساخط، والذي ينشد اكثر ماينشد تحت اسم الاشتراكية اسقاط هذا النظام او ذاك، تاميم هذا البنك او تلك الصناعة، طرح هذا البديل البرجوازي او ذاك بدل الوضع القائم، ومن هذه الزاوية ينظر للطبقة العاملة بوصفها قوى تعينه في هذا الامر، اما وحدة العمال واتحادهم ليس هدف بذاته.

بالنسبة للاشتراكية البرجوازية الصغيرة لاترى في الاشكال المتنوعة لاتحاد ونضال العمال لتحسين اوضاعهم الاقتصادية، تاسيس منظماتهم المهنية، توسيع حقوقهم الاجتماعية وغيرها امراً زائداً ولاضرورة له، ليس هذا فحسب، بل انها تراه مكبل للايدي و"انحرافي". ان هذه الرؤية تبرز في الميدان التنظيمي على شكل مطلقية وقدسية مافوق طبقية لـ" المنظمة السياسية". بالنسبة للعامل، يعد الاتحاد في حلقات، صناديق مالية وتعاونيات، في لجان معملية، في الاتحادات والمجالس وامثال ذلك سبل حياتية لابراز الوجود المستقل بمثابة طبقة. بالنسبة للاشتراكي البرجوازي الصغير، ان اشكال اتحاد وتنظيم الطبقة العاملة هي في احسن الاحوال سلالم للانضمام لـ"المنظمة". حسب زعمهم، ا ن اي شكل غير حزبي من التنظيم والنضال العمالي هو بالضرورة شكل متخلف او انتقالي مقارنة بالاتحاد في "منظمة". ان "المنظمة" بديل ومنافس هذه الاشكال.

الى الحد الذي تمكنت فيه الشيوعية في ايران من التخلص من الرؤية السياسية والاسس الفكرية للاشتراكية البرجوازية الصغيرة، حققت نفس القدر من امكانية الخلاص من السكتارستية التنظيمية. ان الشرط المسبق للقطيعة النهائية مع هذه السكتارستية هو النقد العميق لبقايا هذه التصورات على شكل عادات واخلاقيات تنظيمية، والاهم من ذلك، النضال من اجل جعل الحزب الشيوعي اطار للعمل الموحد لطيف العمال الشيوعيين داخل الطبقة العاملة. وفي الحقيقة بالدرجة التي اوجد الحزب مكانه داخل الطيف الراديكالي-الاشتراكي للطبقة العاملة، تحولت السكتارستية الى عامل سلبي وهامشي وعديم التاثير. لانه على النقيض من "الاحزاب السياسية اليسارية"، ان العمال الشيوعيين في اغلب الاحيان بعيدين عن مثل هذه التيارات السكتارستية. اذ يدرك العامل الشيوعي قيمة اتحاد انسانين من هذه الطبقة وبقاءهم موحدين. فمن وحدة 3 عمال في حلقة الى تجمع الف عامل في اجتماع عام، من تضامن عوائل عمالية في محلة صغيرة الى تاسيس نقابات على عموم البلد، من تاسيس تعاونية الى تاسيس حزب سياسي، ان هذه جميعا اشكال من اتحاد العمال والتي يرى العامل الشيوعي فيها تحقيق حلمه الدائم: الوحدة الشاملة للطبقة العاملة، اندغام العمال وتحويلهم الى كل واحد بوجه البرجوازية. ان القسم الاكبر من العمال والذين انهمكوا على امتداد الثورة الايرانية 1979 في ذلك، نال على ايدي اليسار الشعبوي الايراني لقب "المتهربين من التنظيم" و"الاقتصادويين"، وهم في الحقيقة لم يكونوا سوى الطيف الشيوعي والراديكالي الاشتراكي للطبقة العاملة نفسه والذي لم يكن بوسعه ان يصطف الى جانب السكتاريستية المسلطة على اليسار الراديكالي.

ينبغي ان يتحول الحزب الشيوعي الى قوة مرشدة ومنظمة للطبقة العاملة وليس شكلها التنظيمي الوحيد. فالى الحد الذي تتحد فيه الطبقة العاملة باشكال متنوعة، والى الحد الذي تتمكن المنظمات العمالية المختلفة من جر الاقسام المختلفة للعمال من عزلتها والى الحد الذي تمكنت فيه الطبقة العاملة من ان تتخندق بطرق مختلفة وعبر اشكال تنظيمية مختلفة امام البرجوازية، تكبر الامكانية المادية للثورة الاشتراكية ولعب الحزب الشيوعي لدوره بوصفه القوة الطليعية في هذا النضال. ان الحزب الشيوعي ليس بديل سائر الاشكال التنظيمية للطبقة، ليس هذا وحسب، بل يسعى نفسه لتوسيع هذه الاشكال. ان اتحاد الطبقة العاملة بذاته هو هدف بذاته بالنسبة للحزب الشيوعي الايراني.

نظرة اجمالية على فعاليتنا حتى الان

ان اول مسالة انطرحت امامنا عند تاسيس الحزب كانت مسالة اعادة ترميم تنظيمات المدن. بهذا الخصوص، كانت لدينا ملاحظتين اساسيتين. ينبغي ان تستند سياستنا التنظيمية على المباديء التي توصلنا اليها في نقد نمط العمل البرجوازي الصغير. وثانيا، على تنظيماتنا ان تتنظم بشكل بحيث ان بوسعها صيانة ادامة عملها في الاوضاع الامنية غير المناسبة بشكل استثنائي وفي اجواء القمع البوليسي. ان مباديء نمط العمل الشيوعي، والى الحد الذي تمكنا فيه من تمحيصه، قد حددت بعض الخطوط الاساسية لتنظيمنا. كان هدفنا الاساسي بالدرجة الاولى هو بناء تنظيم عمالي. لم تكن مسالتنا تنظيم تنظيمات "مناصرين"، "طلبة" و"مليشيات"وحلقات توزيع البيانات والتراكتات وغيرها.

ان هدفنا هو تنظيم العمال الشيوعيين وتوحيدهم في الحزب الشيوعي. تمثل هدفنا بخلق وترسيخ اسس الحزب داخل العمال. ان بناء الخلايا الحزبية في اماكن عمل ومعيشة العمال ومحاطة بشبكات من حلقات العمال الشيوعيين المناصرين للحزب قد تم تحديده بوصفه الشكل الاساسي لتنظيمنا في المدن. زد على ذلك، وعبر تحديد وتوضيح العمل الشيوعي الروتيني داخل الطبقة العاملة، وهو العمل الذي يجب ان تكون كل خلية شيوعية قادرة على القيام به، سعينا الى زيادة وتوسيع الخلايا المرتبطة بالحزب. وفي الوقت ذاته، مساعدة كل خلية حزبية في نطاق نشاطها لتحقيق درجة عالية من "الكفائية الذاتية" كي تتمكن من القيام بمجمل اوجه النشاط عبر الارشاد العام للهيئات القيادية عبر الاذاعة والجرائد الحزبية. واجمالاً، وفقاً للنقد الجدي لاساليب ونمط العمل الشائع لليسار التقليدي في ايران وعبر التقييم الواقعي للاوضاع الامنية والقدرات والامكانيات الراهنة لقوى الحزب، رسمنا خطوط عامة لسياسة تنظيمية صحيحة وفعالة تتطابق مع الاهداف الشيوعية للحزب وخصائص الاوضاع الراهنة واعادة تنظيم منظمات الحزب في المدن على هذا الاساس.

ان للاوضاع الامنية من ناحيتها تاثير حاسم على اشكال تنظيم نشاطنا. كان مبدأ التنظيم المنفصل ردنا على هذه الاوضاع. فطبقاً لذلك الطرح، وللحيلولة دون تلقي الضربات المحتملة، منعنا الارتباط الافقي بين خلايا الحزب مع بعضها البعض، اقمنا اشكال مركبة من تنظيم الخلايا مثل المنظمات المحلية والمعملية واقامة هيئات قيادية على صعيد اعلى من الخلية. وينبغي على كل خلية ان تدفع بنشاطها الراهن في اوجهه المختلفة استناداً الى هويتها الشيوعية وكذلك التحديدات الواضحة للعمل الحزبي الروتيني. حيث يتم ارشاد جميع الخلايا بصورة مباشرة من قبل اعلى مرجع تنظيمي في الحزب. على قيادة الحزب ان تقوم بالدعاية والتحريض العام وارشاد الخلايا الحزبية عبر اذاعة الحزب الشيوعي الايراني وجرائد الحزب.

ينبغي احالة التقييم الشامل للمنجزات ونقاط قوة وضعف عملنا التنظيمي في السنوات القليلة المنصرمة الى فرصة ومناسبة اخرى. ولكن ما نستطيع قوله هنا هو ان سياستنا التنظيمية فيما يخص الاهداف المحددة التي تعقبناها هي موفقة اجمالاً. اذ تشكلت خلايا وشبكات متعددة من العمال والثوريين الشيوعيين في المحلات العمالية والمعامل. اقيمت صلة مباشرة وتنظيمية للحزب مع اقسام مختلفة من الطبقة العاملة. انخرط في صفوف الحزب طيف واضح من الفعالين والعمال الشيوعيين الذين يتحلون بقدرة التشخيص والثقة بالنفس والقدرة العملية والسياسية الكافية للدفع المستقل باعمال الحزب في ميادين نشاطه. ان اغلب تنظيمات الحزب والتي تشكلت في هذه الصيرورة والعملية هي ذات تركيبة عمالية. والى ذلك يجب ان نضيف جماعات وحلقات عمالية، ووفقاً لابتكاراتها الخاصة، نظمت نفسها تحت الارشاد العام لاذاعة الحزب الشيوعي. وعليه، خلال السنوات الثلاثة المنصرم، وهي اصعب مرحلة، تبعث ديمومة عمل الخلايا والرسوخ الامني على الرضا.

يمكن الحديث باسهاب عن اشكالات ونواقص اعمالنا كذلك. من الواضح ان هذا ليس مكانه الان. رغم ذلك، سنخصص مكان ما هنا للحديث عن نواقص اعمالنا حتى الان لانها توفر لنا فهم لخطواتنا واولوياتنا للمرحلة المقبلة. يمكن تصنيف اشكالات عملنا في ميدان التنظيم الى نوعين. اولاً، الاشكالات الناجمة عن كيفية تطبيق السياسة التنظيمية للحزب، الى الحد الذي فيه هذه السياسة والنقاط المحورية موضحة ومحددة. ثانياً، الاشكالات الناجمة عن الغموض والنواقص الحالية في سياستنا التنظيمية نفسها او النواقص الموجودة في شكل صياغة وطرح هذه السياسة.

فيما يخص اشكالات النوع الاول، اي الاشكالات التنفيذية، اكتفي فقط بذكر بعض النماذج. لقد اكدنا في سياستنا التنظيمية ووضعنا مكانة مهمة لمسالة توسيع طيف العمال المناصرين للحزب، العمال الشيوعيين وتنظيمهم باشكال مختلفة. عملياً، ان هذه المهمة لم تنل الاهتمام المناسب مقارنة بتنظيم الخلايا والحلقات العمالية المرتبطة بالحزب. ان رفع هذه النواقص تستلزم تدخل مؤثر اكثر من قبل الهيئات القيادية للحزب. في سياستنا التنظيمية، يعد تربية الفعالين بالعمل الشيوعي الاساسي، وبالتالي خلق استقلاليتهم، من التوصيات اليومية التي تؤكد عليها الهيئات "العليا"، ولكن لم يتم اتباع هذه السياسة لمرحلة بالشكل المتوخى. ان حجم تعليمنا في هذا المجال لم يكن كافياً، بل نرى حتى ميلاً معاكساً صوب اتكال الفعالين والخلايا الحزبية على التعليمات اليومية والجزئية المستمرة للاذاعة. وقد كان البعض الاخر من النواقص التنفيذية حصيلة محدوديات اسلوب التنظيم المنفصل. من بين ذلك، يمكن الاشارة الى اشكال ضعفنا الدعائية على الصعيد المحلي. في ظل غياب تنظيم حزبي متصل بوسعه تخصيص المحرضين ذوي الخبرة للعمل مع حلقات العمال الطليعيين، فان كل دعايتنا وحوارنا السياسي مع الحلقات العمالية تتم على جميع الاصعدة مباشرة عبر الخلايا في المحل نفسها. في حالات تعاني خلايانا نقص في التجربة والقدرة في هذا الميدان. كقاعدة، ينبغي ملي هذا الفراغ عبر الارتقاء بمستوى برامج الاذاعة، المقالات الدعائية في الجرائد الحزبية وبالاخص الكراريس الاساسية فيما يخص مباديء الشيوعية والخطوط العامة للمواضيع المحورية للحزب. ان العمل الذي انجز في هذا الميدان لم يكن بكاف. كما تستلزم المسائل الامنية المتعلقة باسلوب العمل المنفصل ايضاً، والتي اشرنا اليها سابقاً في جريدة كومونيست، انتباه جدي ومستمر اكثر.

ان هذه هي نماذج من المشكلات القائمة ابان الدفع وتنفيذ سياستنا التنظيمية. بيد ان الاشكالات من النوع الثاني اكثر اهمية، وان السعي من اجل رفعها هي المهمة الاساسية للمقال الراهن. كي نتمكن من التعامل بصورة اكثر منهجية مع اوجه الضعف والابهام في سياستنا التنظيمية لحد الان، من الافضل ان نجعل الطروحات التي ذكرناها في القسم السابق بوصفها اساس للبحث. فالى اي حد ان سياستنا التنظيمية كانت واضحة فيما يتعلق باهمية هذه النقاط او تم التاكيد عليها بشكل كافي.

1-ان كراس "الخلايا" نفسه هو دليل ومؤشر على ادراكنا من البدء لاهمية الاشكال المتنوعة لتنظيم الطبقة العاملة. بيد ان تمحيص ابحاثنا في السنوات الثلاثة المنصرمة تدلل على اننا لم نتمكن من ابراز والتربية بالدور المحوري للاشكال التلقائية لتنظيم الطبقة العاملة، وبالاخص التنظيم الحلقي للعمال بوصفه نقطة انطلاق اساسية للعمل التنظيمي الشيوعي للعمال بالشكل الذي ينبغي ان يكون عليه. لم يلتفت رفاقنا وبصورة احادية الجانب الى تنظيم الخلايا والشبكات المحيطة بها وحسب، بل حتى في حالة ادراكهم لضرورة تقوية الاشكال الاخرى من تنظيم العمال، لم يولوا اهمية للوجود الموضوعي لهذه الاشكال داخل صفوف العمال المناضلين ودورها النضالي في المرحلة الراهنة. يمكن القول ان في تفكير عدد كبير من رفاقنا، ان توسيع العلاقات والمعارف والصداقات العمالية وتاسيس الحلقات على الاصعدة والمستويات المختلفة، ربط العمال الطليعيين والشيوعيين في صلات "فضفاضة " نوعا ما وغير ذلك لا يعتبر عملاً "تنظيمياً" طالما لم يجد له انعكاس مباشر على صعيد الخلايا والشبكات العمالية المرتبطة بالحزب. اذ بالنسبة للعديد من رفاقنا، لازال الامر يتعلق بتنظيم "قوانا او رفاقنا"، وليس تقوية الاشكال المتنوعة لتنظيم الطبقة وتحويل تلك الاشكال الى قناة وشريط نقال لنشر الافكار والسياسات الشيوعية وترويج اشكال النضال التي هي نصب عين الحزب الشيوعي. ان جانب اخر من هذه المشكلة يكمن في قلة احساس بعض رفاقنا تجاه مساعي العمال الطليعيين لتنظيم الطبقة العاملة في تنظيمات غير حزبية مثل صناديق جمع الامكانات المالية، التعاونيات والنقابات. في سياستنا المقبلة، ينبغي تخصيص مكانة اكثر جدية للاشكال المتنوعة من تنظيم الطبقة.

2- تحدثنا في البداية حول توسيع فئة العمال الشيوعيين بصورة عامة، وبالاخص العمال الذين يعدون انفسهم مناصرين وقريبين من الحزب. لم تنل الفئة الشيوعية داخل الطبقة العاملة الاهتمام اللازم من الزاوية التي نطرحها اليوم. يمكن القول اننا تحدثنا عن مكانة ودور هذا الفئة في نضال الحزب اكثر من مكانة الحزب في نضال هذه الفئة. ينبغي اليوم تصوير وفهم الحزب الشيوعي وفئة العمال الشيوعيين بوصفهما مؤسسة لايمكن فصلهما عن بعض، على الشيوعية العمالية في ايران ان ترسى استناداً اليها. ينبغي ان يكون الحزب الشيوعي العمالي تنظيماً سياسياً وتجسيداً تنظيمياً لهذه الفئة الواسعة. ان اقتدار الحزب الشيوعي في اي مرحلة بقدر اقتدار هذه الفئة. يرتهن اقتدار هذا الفئة من ناحيتها بوضوح ارائها وتصوراتها، انسجامها الداخلي، التسلح بالسياسات العمالية المؤثرة والفعالة في النضالات الراهنة، رسوخ صلتها بالجماهير العمالية، قدرتها على نقد سياسات التيارات والميول غير الشيوعية وغير الثورية داخل الطبقة العاملة وغير ذلك. ان مسالتنا بالتنظيم العمالي لاتبدء من تنظيم العمال الشيوعيين في الحزب، بل من خلق الانسجام بين العمال الشيوعيين وتنظيمهم في ميدان النضال الطبقي. ان التنظيم الحزبي لهذا الطيف هو حصيلة عملية للتقدم في هذه العملية والصيرورة. في سياستنا للمرحلة المقبلة، ينبغي ايلاء اهتمام اكبر لهذا الجانب من الامر.

3- لدينا المشكلة ذاتها تقريبا فيما يخص اهمية القادة العمليين. على الصعيد العام، وبالاخص فيما يتعلق بمسالة توسيع نفوذ الحزب، تم التاكيد من البداية على اهمية القادة العمليين للعمال (على سبيل المثال، يمكن الرجوع الى جريدة كمونيست، العدد الثاتي)، بيد ان توضيح دور ومكانة القادة العمليين، سواء في حياة الحزب او في الية النضال اليومي للطبقة، بوصفه جزء عضوي من تفكيرنا التنظيمي، هو في الحقيقة امر قد شرعنا به بصورة جدية من الابحاث المتعلقة بالمحرض الشيوعي ( وقصده بحث الخلايا الحزبية والاكسيونات (الحركات) العمالية، حول اهمية المحرض والمحرض العلني، منصور حكمت مترجم للغة العربية-م). ان ادراكنا الحالي للمكانة الحاسمة لهذه الفئة، ينبغي ان يوصلنا الى استنتاجات عملية واسعة اكثر.

4- ينبغي الارتقاء بنشاطنا واحساسنا تجاه النضال الاقتصادي اكثر من هذا بكثير. ان هذا الجانب هو احد نقاط الضعف الاساسية في عملنا لحد الان- لا لانه لم ندرك ونؤكد على "اهمية" الامر، بل وذلك لانه لم يتم ابراز الدور الحياتي والحاسم لهذا الميدان من النشاط في عمالية الحزب وفي تحويل الحزب الى حزب القادة العمليين للعمال بدرجة كافية. ان توسيع تدخل الحزب ومشاركته في النضال الاقتصادي، وكذلك الارتقاء بالاحساس العام ووعي مجمل الحزب تجاه هذا الميدان هو احد المحاور الاساسية لسياستنا التنظيمية العمالية في المرحلة المقبلة.

5- ان الوثائق الدعائية والتحريضية للحزب في المرحلة المنصرمة تدلل على وعينا في توضيح قيمة اتحاد الطبقة ومن زاوية التمايز عن الفئوية (السكتاريستية) السائدة على اليسار التقليدي. ولكن يمكن رؤية في صفوفنا تبديات اكثر تحديداً من الفئوية، بالاخص فيما يتعلق بالتعامل مع الحلقات العمالية التي لها اختلاف مع حزبنا. في المرحلة المقبلة، ينبغي القيام بنشاط اكبر وبذل طاقات اكبر كثيرا لنقد ارث الاشتراكية البرجوازية الصغيرة وتوسيع الصلات المتبادلة، تبادل الاراء، توحيد الرؤى والتعاون بين التنظيمات الحزبية مع الاقسام المختلفة للحركة العمالية.

6- حققنا منجزات جدية فيما يتعلق بتطابق اشكال التنظيم الحزبي مع السمات الموضوعية لحياة الطبقة العاملة ونضالها مع الاوضاع السياسية العامة للمجتمع. ان خلايا محل السكن والعمل والتنظيم المنفصل هما نماذج من هذه المنجزات. ولكنها ليست كافية اطلاقاً. اذ لايمكن القول لحد الان ان التنظيم في الحزب الشيوعي هو امراً بسيطاً بحد كاف لدى العمال المناضلين. كما لايمكن القول لحد الان ايضاً ان الاشكال التنظيمية التي اوجدها الحزب الشيوعي، هيئته والعلاقات السائدة على تنظيماته، الحزب الشيوعي وهيكله التنظيمي لم تتحول الى اطار طبيعي ومناسب لابراز الواجود السياسي والنضالي للعمال الطليعيين. كما ينبغي ان نشير الى غياب الاهتمام اللازم بمسالة تنظيم العمال باشكال اكثر "انفتاحاً" ولارسمية، وبالاخص تنظيم الشبكات الحلقية. سيكون لهذا اولوية قصوى في المرحلة المقبلة.



الخطوط العامة لسياستنا التنظيمية للمرحلة المقبلة





ان سياستنا التنظيمية هي امتداد معدل لاسلوب اتبعناه لحد الان. ان المحاور الاساسية لسياستنا حتى الان مثل عمالية الحزب، عقد الصلات مع القادة العمليين، عمل الخلايا، التنظيم المنفصل وغيرها ستبقى على حالها بوصفها اسس عملنا. ان النقاط التي اطرحها هنا ينبغي لها ،اولاً، ان تمد يد العون لتثبيت فهم اكثر شمولية واكثر "سياسية" لاهدافنا واساليبنا التنظيمة بين رفاق الحزب. ثانياً، لفت انتباه الرفاق للخطوات والتوجهات التي نظر لها بفتور او تم تناسيها في عملنا لحد الان. وثالثاً، لتوضيح المسار والمراحل المقبلة لفعاليتنا التنظيمية وان يوفر افق واحد لعملنا بين فعالي الحزب. من الواضح ان ليس بوسع هذا المقال ان يتطرق الى جزئيات الخطوات المطروحة على دستور عملنا في هذه المرحلة. من هذا الجانب، نورد بدءاً النقاط الاساسية لسياستنا التنظيمية في المرحلة الراهنة، وبعدها نوضح بعض الخطوط الاساسية فيما يخص هذه النقاط. ينبغي احالة البحث المحدد فيما يخص الجوانب العملية للعمل الى مقالات اخرى.



اسس سياستنا التنظيمية في هذه المرحلة هي:

1- يستلزم التنظيم الحزبي بالمرتبة الاولى ان يكون بوسع الحزب الشيوعي توحيد الجناح الراديكالي والاشتراكي بين العمال الطليعيين والقادة العمليين للحركة العمالية، وان يبث فيهم الحركة. ان هذا الطيف هو الاساس المادي المباشر للحزب الشيوعي الايراني داخل الطبقة العاملة وحلقة ربط الحزب بالجماهير العريضة للطبقة.

2- نظراً للاوضاع الحالية، ان الشكل المناسب لتنظيم هذا الطيف هو شكل شبكة الحلقات العمالية. ينبغي على الخلايا والتنظيم الحزبي بين العمال ان تعمل بمثابة مراكز طليعية داخل هذه الشبكات.

3- مع توسع الاتحاد الداخلي وتنمية تدخل هذا الطيف في مصير الحركة العمالية وفي قيادة الاحتجاجات والنضالات الحالية، سيكون لشعارات الحزب الشيوعي تاثيرات كبيرة جدا فعلاً على الحركة العمالية وسيجعل التدخل المؤثر للحزب في ارشاد النضال الحالي امرا ممكناً.

4- مع تقدم وتنامي الحركة العمالية، وبالاخص مع تغير تناسب القوى بصالح الطبقة العاملة والحركة الجماهيرية في المستقبل، يجعل الاشكال الجديدة والاكثر جدية للتنظيم الحزبي لهذا الطيف امراً ممكناً. في هذه المرحلة، بمقدار تمكن الحزب الشيوعي من الارتقاء بالاتحاد والوعي السياسي لهذا الطيف، العمال الشيوعيين، وتثبيت مكانته على راس الحركة الاحتجاجية، ستصبح بالدرجة ذاتها الصلة التنظيمية والعملية للاغلبية العظيمة من العمال في هذا الطيف بالحزب الشيوعي في المستقبل اسهل واسرع.

5- يسعى الحزب الشيوعي، ومن الان، لجلب اكثر قادة هذا الطيف نشاطاً ووعيا الى صفوف تنظيمه الحزبي ويحول التنظيم الحزبي الى منظمة القادة العمليين الشيوعيين للعمال، الى تنظيم العمال الشيوعيين.



1- توسيع وخلق الانسجام وتوحيد طيف العمال الشيوعيين



مثلما ذكرنا سابقاً، لايبدأ الحزب الشيوعي من الصفر داخل الطبقة العاملة، لايواجه فراغ، بل يجد امتداده الاجتماعي داخل العمال امامه. ثمة طيف شيوعي، طيف راديكالي-اشتراكي مباشرة داخل الطبقة العاملة الايرانية، والذي على الحزب الشيوعي ان يقوم قبل أي شيء اخر بالارتباط به وان يتحول الى اطار حياته الحزبية.

ماهي خصائص هذا الطيف؟ حين نتحدث عن الميل الشيوعي او الراديكالي-الاشتراكي داخل العمال، ميل قريب من الحزب الشيوعي الايراني، ليس قصدنا مجرد فئة ترى الامور والمسائل بالدقة والحذافير المطروحة في جرائد الحزب. ليس قصدنا فقط العمال المؤيدين للحزب. اننا نتحدث عن تيار اوسع واشمل في صفوف العمال الطليعيين، والذي يمكن تشخيصه بالخصائص الاساسية التالية.

1) عمال يعدون انفسهم شيوعيين او اشتراكيين بغض النظر عن تفسيرهم لهما او معرفتهم النظرية. عمال يؤمنون بضرورة انهاء عمر الراسمالية بوصفها اساس مصائب العمال ومآسيهم، ويعتقدون بان انهاء عمر الراسمالية لايتم سوى عبر الثورة العمالية وارساء حكومة العمال.

2) عمال يتحلون بتصور يدعو الى الاشتراكية والحكومة العمالية دون اي تخفيف. ولهذا، فهم ليسوا على استعداد للقبول بان مايجري في الاتحاد السوفيتي والصين وامثالهما وذلك التفكير والممارسة التي يمثلها امثال حزب تودة ومن على شاكلته بوصفها نماذج اشتراكية.

3) عمال مرهفي الحس ومتدخلين فيما يخص اوضاع الطبقة العاملة والنضال العمالي في كل الجبهات. يقفون على راس اي احتجاج داعي لحقوق العمال ويتصدون لاي سياسة تتضمن الدوس على حقوق العمال او المس بكرامتهم الاجتماعية والانسانية، عمال يعد تحسين وضع الطبقة العاملة والارتقاء بالكرامة والمكانة الاجتماعية للعمال واقتداره بوصلة حركتهم.

4) عمال يعانون من التفرقة في صفوف العمال. ويسعون في حياتهم ونضالهم بدون كلل من اجل ايجاد سبيل ومنافذ لتوحيد اكثر مايمكن من العمال، تقليص وانهاء المنافسة فيما بينهم وشدّهم لبعض وتوعيتهم بمصالحهم الطبقية.

ان هذه هي الخصائص العامة والاساسية للطيف الراديكالي-الاشتراكي داخل الطبقة العاملة. ان اي جانب من هذه الخصائص يميز نفسه عن الميول الاخرى، عن الاصلاحية، الفوضوية والمساومة والميول المتوهمة بالاجنحة البرجوازية المختلفة. من الواضح ان هذه الخصائص هي عامة ومخططاتية وبوسعها ان تبين فقط نقاط من الملامح العامة لفئة راديكالية داخل الطبقة العاملة. ولكن هذه الخصائص كافية على اية حال لرسم الخصائص العامة لهذا الطيف.

هل ان مثل هذا الطيف موجود فعلاً؟ اليس هذا الكائن من بنات تصوراتنا وخيالنا؟ ان هذا الطيف موجود وواسع كذلك. تعد الاشتراكية الراديكالية اليوم احد التيارات الحية والنشطة داخل الطبقة العاملة في ايران. اذ كانوا يتداولون كتابات ماركس ولينين بين الحلقات العمالية قبل وقت طويل من ظهور بعض المنظمات اليسارية. عمال مناضلين قادوا الجماهير العمالية في ثورتها على النظام الملكي، وفي الايام الاولى من سلطة الجمهورية الاسلامية، وعلى الرغم من التوهمات الشعبوية السائدة على اليسار الراديكالي، عبئوا وحشدوا العمال من اجل نيل مطاليبهم المستقلة. تنامى هذا الطيف على امتداد ثورة 1979 بسرعة وضم في صفوفه اكثر العمال نشاطاً. كان هذا الطيف هو من وقف بوجه السياسات التودهية (نسبة لحزب تودة-الشعب) المدافعة عن النظام وتصدى بالحركه المجالسية وبالاضرابات والاعتصامات للجمهورية الاسلامية ومبرري وجودها والمدافعين "المشروطين" و"غير المشروطين" عنها. تقرب هذا الطيف من الخط الثالث، ومن ضمن دعمه لراديكاليته، انتقد سكتاريستيته (فئويته) ونزعته المغامراتية وانهماكاته البرجوازية الصغيرة. انهم العمال الذي تعلموا درس ثورة 1979، عمقوا فهمهم للماركسية، جربوا البرجوازية والبرجوازية الصغيرة واحزابها في ميدان العمل السياسي وعرفوها. انه الطيف الذي تحول قسم صغير جدا منه مقارنة بابعاده العريضة الى مؤيد ومدافع عن الحزب الشيوعي. ان هذا الطيف ليس فقط حصيلة الدروس العميقة لثورة1979 فحسب، ليس فقط حصيلة النفوذ الجدي للافكار الشيوعية بين العمال المناضلين في السنوات الاخيرة، بل حصيلة التداخل التاريخي للافكار والامال الشيوعية بالطبقة العاملة على صعيد عالمي. اذ ان عدد العمال اليوم الذين يعتبرون انفسهم شيوعيين، والذين يفكرون بانهاء الراسمالية وبالحكومة العمالية ويسعون الى الدفع بهذه الافكار والامال الى داخل صفوف العمال، وان لم يكونوا اكثر من العمال النقابيين او الفراكسيونات والتيارات الاخرى داخل العمال، فانهم ليسوا باقل قط. ان طيف الراديكاليين الاشتراكيين، طيف الشيوعيين داخل الطبقة العاملة في ايران هو حقيقة وواقع موضوعي وملموس.

ان خلق الانسجام وتوحيد هذا الطيف هو صلب العمل الشيوعي. ان الشيوعية في ايران هي حتى اليوم حصيلة تعميق راديكالية "الحركة اليسارية" وكانت مؤشر وتدلل على التفاعلات الجارية على صعيد الفعالين السياسيين. بيد ان هدف هذه الشيوعية هو التحول الى قوة اجتماعية. ان الاساس الاجتماعي لهذه الشيوعية هو الطبقة العاملة عموما، بيد ان صلة هذه الشيوعية بالطبقة العاملة على العموم ليس بوسعها ان تقام سوى عبر الجناح الراديكالي داخل الطبقة العاملة نفسها. اي ان طيف العمال الشيوعيين يمثل ركن اساسي وحياتي في ارساء وصياغة شيوعية عمالية في ايران. ان هذه الفئة هي التتمة والمعادل الطبقي المباشر للماركسية الثورية في ايران، وينبغي ان تجد مكانها في سير تكامل الشيوعية في ايران. في اوضاع تتمتع الشيوعية في ايران على الصعيد النظري، البرنامج والتكتيك بخطوات طليعية جدية؛ في اوضاع، طوى اليسار الايراني مساره في التغيير والتحولات الداخلية الى حد تاسيس حزب شيوعي ثوري، يتمتع الاساس الطبقي المباشر لهذه الشيوعية، اكثر الاجنحة راديكالية داخل الطبقة العاملة بانسجام ضعيف جدا وصلة عملية ضعيفة مع السير التكاملي لحد الان في ايران. يجب ردم هذا الشق والهوة. اي ان الخطوة اللاحقة في مسار تقوية الحزب الشيوعي الايراني تتمثل بالارتقاء بالاساس الاجتماعي الحقيقي للحزب، اي الطيف الراديكالي والشيوعي داخل الطبقة العاملة. ان اقتدار هذا الطيف هو اقتدار الشيوعية والحزب الشيوعي، حتى لو في هذه المرحلة، ولمراحل طويلة نوعاً ما، انظمت اقلية من العناصر النشطة لهذا الطيف للحزب. ان الصلة التنظيمية الواسعة للحزب بالعمال الشيوعيين هو امر يتخذ سرعة عملية في اوضاع اخرى في المستقبل. ان مايجب القيام به اليوم، وجراء وجود حزب شيوعي قادر على القيام بذلك على صعيد واسع، هو ارساء وخلق الانسجام في هذه الاسس المادية للشيوعية والحزب الشيوعي العمالي داخل الطبقة العاملة. ثمة مهام محددة تقع على عاتقنا فيما يخص تقوية وتنظيم طيف العمال الشيوعيين.

1-ينبغي خلق الانسجام في الهوية النظرية والسياسية لهذا الطيف. ان هذا محور عملنا الدعائي لنا. ان مآل وحصيلة عملنا يجب ان تتمثل بادراك العمال الشيوعيين باوسع مايمكن لهويتهم السياسية والفكرية تمايزاً عن التيارات النقابية والفوضوية والموالية لحزب تودة ، الالمام بنظرية الثورة البروليتارية ودروس وتجارب نضال الطبقة العاملة العالمية. ينبغي للفكر الماركسي لهذا الجمع من العمال ان يكتسب صفاء وشفافية اكبر بكثير. واذا ما اخذنا بنظر الاعتبار التربية السيئة للتحريفية، ينبغي بوجه خاص على هذا الطيف ان يشخص بوضوح اكبر السمة الاممية للطبقة العاملة (تمايزاً عن التمايلات القومية) واهدافها الاشتراكية الطبقية (تمايزاً عن الشعبوية والفكر المرحلي الشائع لليسار الايراني في العقد الاخير). ينبغي على العمال الشيوعيين التحلي برد سياسي ونظري على التيارات الاخرى داخل الطبقة العاملة وبالاخص التيارات الاصلاحية والتحريفية. وجراء فعاليتنا، على العمال الشيوعيين ان يتمكنوا من ان يروا بوضوح اكبر افق الثورة العمالية، مراحله وجبهاته المختلفة ويوضحوه بشكل اجلى للجماهير العمالية. بايجاز، اي بمعنى الدفع بالماركسية والمسائل الاساسية في صراع الماركسية والتحريفية وتجربة الثورة العمالية على صعيد عالمي وسط هذا الطيف وتثبيتها.

في خطوات لاحقة، اي في مراحل اكثر تقدماً، يتخذ انسجام هذا الطيف ووعيه خصائص اكثر تحديداً. ينبغي على هذا الطيف تدريجياً وبصورة واعية ان يقترن بالحزب الشيوعي ويقترن الحزب الشيوعي به، ينظر الى الحزب على انه احد بناه الداخلية، اداته ومنجز له وان يتدخل فعلاً وعملاً في مصيره. ويعد الجرائد الحزبية امر يتعلق به ويتابع بحساسية سياسات الحزب الشيوعي وشعاراته.

2- ينبغي الارتقاء بقدرة هذا الطيف وامكانياته في النضالات العمالية. ان هذا يعني، من الناحية السياسية، تسليح العمال الشيوعيين بالشعارات والسياسات والمواقف الواضحة تجاه المسائل المتنوعة للنضال الطبقي والثوري في الميادين المختلفة. ينبغي ان يشعر العامل الشيوعي انه يتحلى برد على القضايا الراهنة للنضال. ستكون حساسية وسرعة استجابة الحزب الى تحليل مسائل الحركة العمالية والاوضاع السياسية والمواقف الفورية للحزب تجاه قضايا النضال الراهن تاثير جدي على الارتقاء بالمكانة السياسية والعملية للعمال الشيوعيين وسط العمال في النضالات العمالية. من الناحية العملية، ان اقتدار طيف العمال الشيوعيين للوهلة الاولى مرهون باتحاده وتعامله بصورة موحدة مع النضالات الراهنة (سنتطرق الى هذا الامر لاحقاً). ثانياً، ينبغي تقييم الاساليب العملية للتنظيم الجماهيري للعمال، سواء في التحركات العمالية او في حياتهم او عملهم اليومي، وان يُصار الى جزء من تربية العمال الشيوعيين. وفق السياق هذا، سيكون لتجارب العمال الطليعيين وكذلك نقل تجارب الاقسام المختلفة للطبقة العاملة العالمية دور مهم. ثالثاً، ينبغي على العمال الشيوعيين ان يبادروا الى اقامة صلات متبادلة، تبادل وجهات النظر والتعاون والقيام باتحاد عمل مع التيارات المناضلة الاخرى، وبالاخص الميل النقابي.

3- ينبغي ان تكون للاشكال التنظيمية لهذا الطيف سمات محددة. ليس بوسع، وينبغي ان لايبقى بصورة محض واساسي على شكل ميل سياسي يستند الى تقاليده العفوية ونوع من الاتحاد الداخلي العرضي، المرحلي والهاوي. ان التنظيم في الحزب الشيوعي هو احد اشكال تحقيق هذا الامر. بيد ان هذا ليس كل القضية من جهة، ومن جهة اخرى لايتحقق فوراً. المسالة تتعلق باختيار تلك الاشكال التنظيمية غير الحزبية لهذا الطيف والتي تتناغم مع المكانة الفكرية، القدرة النضالية وتقاليد العمل التنظيمية من جهة، ومع توازن القوى السياسية الراهن على صعيد المجتمع وابعاد الضغوطات البوليسية للنظام البرجوازي الحاكم من جهة اخرى. ان اهم الاشكال التتنظيمية الواسعة لطيف العمال الشيوعيين واكثرها تاثيراً في هذه المرحلة هي براينا تنظيم العمال على شكل حلقات عمالية. يجب ان نشكل شبكة حلقات العمال الشيوعيين. سنتناول هذه النقطة في قسم منفصل.

2- شبكة العلاقات الحلقية هي انسب اشكال التنظيم الواسعة للعمال الشيوعيين في الاوضاع الراهنة.

يمكن لتوحيد طيف العمال الشيوعيين ان يتخذ اشكال متنوعة. ان تنظيمهم في الحزب والصلات التي تحيط الحزب هي احد الاشكال الممكنة والضرورية . ولكن في هذه المرحلة، وحيث ان مايراود ذهننا هو التنظيم الاوسع لهذا الطيف، ينبغي ان ينصب اهتمامنا الاساسي على تنظيم الحلقات العمالية. فقط استناداً الى ارساء تيار موحد للعمال الشيوعيين في الشبكات الحلقية الواسعة، يمكن ايجاد اشكال نضالية اكثر تقدماً وتحديداً.

مثلما ذكرنا ان التنظيم الحلقي هو شكل "عفوي" لتنظيم العمال الطليعيين. ان هذا الشكل "العفوي" بمعنى انه ليس ثمرة الطرح التنظيمي للاحزاب السياسية، بل تقليد راسخ داخل العمال وجزء من العلاقات الطبيعية داخل الطبقة العاملة. بيد ان لفظ "عفوي" لايعني قط ان تنظيم العمال في الحلقات هو امر اوتوماتيكي والي. في الحقيقة انه شكل اتخذه العمال الطليعيين في ايران، رفاق يرزحون لعقود تحت اقسى الاوضاع البوليسية ومحرومين من المنظمات العلنية والقانونية، لتوحيد العمال وتنظيمهم. خلقوه بصورة واعية داخل الطبقة العاملة ورسخوه. اذا كان الاطار والقالب التنظيمي المالوف لنشاط وابراز الوجود النضالي للعامل الاوربي هو النقابة، فان هذا الاطار في ايران هو الحلقات والشبكات الحلقية. ليس لهذه الحلقات موازين وضوابط مدونة، سلسلة مراتبية وهرمية وتوضيح مهام الاعلى والادنى، بل تتشكل من شبكة من العمال المنسجمين في طريقة تفكيرهم يلتفون حول بعض استنادا الى الرفاقة، الثقة المتبادلة ومبدأ القيادة الطبيعية للعناصر الطليعية والمجربة، ويدفعون اجمالاً بجملة واسعة نسبيا من المهام النضالية، من تربية العمال الحديثي العهد والارتقاء بمستوى المعلومات السياسية والوعي الطبقي لافراد المحفل وصولاً الى لعب دور قيادي في الاحتجاجات والاضرابات العمالية.

يتمثل حديثنا بوجوب ان نوحد هذا الطيف الخاص الذي ذكرنا اليوم وفوراً بهذه الالية. ينبغي الانتباه الى اننا لانتحدث بالضرورة عن ايجاد الحلقات العمالية الموالية رسميا للحزب. ان هذا هو جزء من اللوحة فقط. الحديث يتعلق بتنظيم العمال الشيوعيين والراديكاليين، العمال القريبين من الحزب، في الحلقات العمالية. قد تكون كل شبكة حلقية قريبة او بعيدة من الحزب بدرجات مختلفة. في كل شبكة او محفل في شبكة، من الممكن ان يكون هناك عمال اعضاء حزب، وعمال لازالوا يشعرون ان لديهم بعض الاختلافات مع الحزب. ان ماهو مهم هو ان هذه الحلقات هي اطار نشاط واتحاد العمال الشيوعيين ذات منطلق ورؤية راديكالية واشتراكية وتنشد تبني سياسات طليعية في الحركة العمالية. ان الانضمام العملي المتعاظم لهذه الحلقات او العناصر داخلها الى الحزب هو امر سيكون مرهون بنشاطنا التوعوي والتنظيمي داخل هذه الحلقات. ولهذا فان التقرب الفعلي لهذه الحلقات من الحزب، بالمعنى التنظيمي للكلمة، ليس نقطة منطلقنا، بل ان مايلفت انتباهنا سمتهم الشيوعية وحقيقة ان مثل هذه الشبكات الحلقية تجعل العمال الشيوعيين اكثر اتحاداً وتسهل من سبيلهم للتدخل في مصير الحركة العمالية والطبقة العاملة.

ان تنظيم حلقات العمال الشيوعيين هو مركز ثقل عملنا التنظيمي في المرحلة الراهنة. حول تلك الفعالية الاساسية، يجد سياستنا التنظيمية الحزبية، تشكيل الخلايا الحزبية للعمال في اماكن المعيشة والمحلات، التدخل في النضالات الجارية وغير ذلك. فيما يخص الاساليب العملية لتشكيل وتوسيع هذه الحلقات وخصوصياتها، ينبغي احالة الحديث عنها تفصيلياً الى فرصة اخرى. فيما يخص هذه المقالة المذكورة، ان درج النقاط ادناه هو امر ضروري:

1- لاقامة هذه الحلقات، ينبغي الاستناد وبدرجات كبيرة للتقاليد الموجودة داخل العمال الطليعيين. من اجل اقامة هذه الحلقات ليس ثمة حاجة الى بلاتفورم (برنامج عمل) ونظام داخلي سلفاً. لقد ذكرنا الخطوط التي توضح الهوية السياسية للعمال الشيوعيين القريبين من الحزب، وهي ليست شروط لدخول هذه الحلقات او الانتماء اليها، بل انها بالاحرى الملامح التي تتحلى بها حلقات العمال الشيوعيين في مسار تشكلها وتناميها ونشاطنا التوعوي. اذ يرتبط في الحياة الواقعية العمال المناضلين مع بعضهم البعض، عمال يعتبرون انفسهم شيوعيين على الرغم من تباينهم من حيث درجة وعيهم السياسي والايديولوجي. ا ن اول مهمة هي يجب اقامة هذه العلاقات بوعي ونضفي عليها طابع الديمومة والاستمرارية. ان ابراز الهوية الشيوعية المتمايزة لهدا الطيف سيكون ثمرة وحصيلة العمل الذي نقوم بدفعه داخل هده المحافل. اد في كل كل شبكة حلقات، هناك عمال بمستويات متفاوتة من الوعي الطبقي والسياسي. بعضهم يكون في مركز هده الحلقات والبعض الاخر في اطرافها. ان النضال الفكري داخل هذه الحلقات سيتواصل ويستمر بهدف الارتقاء بالعناصر المحيطة ليصبحوا شيوعيين واعين وواضحي الرؤية.

2- ان هذه الحلقات هي رسمياً ليست جزء من تنظيمات الحزب بغض النظر عن كيف تشعر بمدى قربها من الحزب. في الحقيقة ان ابقاء هذه العلاقة غير الرسمية بين هذه الحلقات والحزب في الاوضاع الراهنة هو امرا فيه فائدة كذلك، حيث انه يسهل من ديمومة واستمرارية هذه الحلقات وتكون اياديها طليقة في العمل مع العمال المختلفين والتدخل في النضالات الجارية. ستنضم نسبة قليلة فقط من اكثر عناصر هذه الحلقات فعالية واستعدادا في الحزب. لاتعلن هذه الحلقات عن وجودها علنياً. حتى في داخلها ايضاً ًيكون وعي وادراك السمة الهادفة والملتزمة للحلقة بمستوى وعلى نطاق معين ارتباطاً بالمستوى السياسي والعمالي للرفاق النشطاء في الحلقة. ينبغي السعي باكبر مايمكن لجعل هذه الحلقات تنموا وتتطور استناداً الى العلاقات الطبيعية للعمال ببعضهم البعض. وان مايميز هذه الحلقات عن اشكال الارتباط العفوي للعمال الطليعيين مع بعضهم البعض هو ليس ظهورها او صلاتها، بل الماهية السياسية التي يقوم بضخها الرفاق الحزبيين والعناصر النشطة والمحورية في هذه المحافل.

3- لاتقتصر هذه الحلقات على اماكن العمل والمعيشة. في الحقيقة ينبغي السعي باقصى حد ممكن من اجل تطور وتنامي الشبكات الحلقية وتوسعها. ومن البديهي ان التمركز في هذه الحلقات سيكون بصورة عفوية استناداً الى اماكن العمل والسكن. بيد ان شبكة حلقية محددة تتضمن العديد من المراكز بحد ترتبط فيها هذه الحلقات مع بعض بصلات دائمة ومستمرة نسبياً.

4- ان قدرة الحزب في ارشاد هذه الحلقات سيكون مرهون تماماً بالنفوذ المعنوي والقدرات السياسية للحزب وليس النفوذ التنظيمي- الذي ليس له اهمية كبيرة في ها الاطار. في الحقيقة، ينبغي ان تكون شبكة الحلقات العمالية الارضية والمسار العام لنشاط محرضينا ودعاتنا.

5- من الواضح ان الشكل التنظيمي الحلقي لايزال شكل بسيط، اولي ومحدود مقارنة بالاشكال الاخرى لتوحيد العمال الشيوعيين. اما في الاوضاع الراهنة، ان ها الشكل هو السبيل والمجرى الواقعي للتنظيم الشيوعي للطبقة العاملة على صعيد واسع. ان الشبكات الحلقية هي نقطة انطلاق حياتية. من الناحية العملية، ان العمال الايرانيين، الذين يرزحون تحت محدوديات سياسية قائمة وفي ظل غياب تقاليد عمل نقابي وتحزب داخل الطبقة العاملة الايرانية، سيكونوا مع القيام ببعض الجهد قادرين على اقامة وديمومة هذه الحلقات. ان هذا الشكل يعطي رد مناسب على الحاجات الفورية لتنظيم العمال الشيوعيين. بالاضافة الى ذلك، من الناحية الامنية، ان التنظيم الحلقي للعمال، وبسبب من استناده الى العلاقات الطبيعية –وفي الحقيقة نظرا لكونها من الصلات الطبيعية داخل الطبقة- يتمتع بقدرة على مقاومة الضغوطات البوليسية اكثر من الاشكال التنظيمية المركبة الاخرى. وبعجزهم عن اقامة هذا الحد الادنى من التنظيم في صفوفهم، لن يكون العمال الشيوعيين قادرين على ارساء منظمات اكثر تركيبية على صعيد واسع وصيانة ديمومة عملها. زد على ذلك، ان هذا الشكل يناسب اكثر ذهنية العمال الشيوعيين الذين لم تتوضح وتترسخ بعد مع الحزب الشيوعي اليوم. ان الاشكال الاكثر رسوخاً، تقدماً وحرفية من التنظيم العمالي تستلزم تقاليد اكثر تجذراً من العمل الحزبي والشيوعي المنظم داخل الطبقة. واخيراً، ان هذا الشكل مناسب جدا لابراز وجود طيف العمال الشيوعيين على راس الحركة الاحتجاجية للعمال في اقصر مدة ممكنة. ان بناء مثل هذه الشبكات سيخلق قيادة شيوعية غير رسمية للحركة العمالية.

3) التنظيم الحزبي، الخلايا والحلقات

ان السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل ان التاكيد على التنظيم الحلقي للعمال الشيوعيين، بوصفه محور عملنا التنظيمي، يعني جعل التنظيم الحزبي، بالمعنى الخاص للكلمة، امراً فرعياً وتقليص تنامي بنية الحزب، ووضع جانبا مسالة تشكيل الخلايا الحزبية في اماكن العمل والمعيشة؟ براينا، كلا. المسالة على العكس من ذلك تماماً. بوضع تنظيم طيف العمال الشيوعيين باشكال اكثر انفتاحاً، وبالاخص على شكل شبكات الحلقات كاولوية، فاننا في الحقيقة نخلق اسس واقعية للتنامي والتوسع الاسرع للحزب بالمعنى الخاص للكلمة. اذ بوسع عمل خلايانا ان يرتقي عن المستوى الراهن بالمعنى الواقعي للكلمة، وفي ابعاد اوسع كثيراً، عبر التركيز على هذا الجانب من تنظيم العمال الشيوعيين.

ان التنظيم الحزبي للعمال الطليعيين هو امر تابع لدرجة النفوذ العام للحزب الشيوعي والانسجام والتحرك النضالي لطيف داخل الطبقة العاملة، وهو الطيف الذي ينتمي مباشرة مع الحزب الشيوعي الى تيار واحد. ان تنظيم وتوسيع حلقات العمال الشيوعيين يخدم الامر الثاني هذا، اي الحزب الشيوعي. ليس بوسعنا، في خضم ركود وتشتت وفرقة يشهدها طيف العمال الراديكاليين، خلق تنظيم حزبي عمالي واسع ومحكم. يضم الحزب، في كل مرحلة، بصورة مباشرة، نسبة معينة من هذا الطيف في بنيته التنظيمية، اي القادة والنشطاء الفعالين والمفعمين بالحركة من هذا الطيف. ان احد اشكالات عملنا لحد الان هي قلة العمل الاساسي للوحدة العامة لطيف العمال الشيوعيين، والذي لاتكون نتيجته سوى استمرار محدودية التنظيم الحزبي والانزواء النسبي لخلايانا عن الجماهير العريضة للعمال.

بيد ان المسالة الاهم هي ان التركيز على بناء وتوسيع حلقات العمال الشيوعيين لايخلق تطور كمي، بل ارتقاء نوعي في عمل خلايانا. اذ تكسب خلايانا خصائص وامكانيات جديدة، وتقربنا من هيئة خلية متنوعة الامكانات وشاملة. من البديهي دوماً، يجب تنظيم الرفاق العمال الذي يشعرون بضرورة الارتباط بالحزب وبوسعهم العمل كاعضاء في الحزب، في خلايا حزبية في اماكن العمل والمعيشة. ان هذه الخلايا هي البنية الاساسية والمكونة للحزب الشيوعي الايراني. اخذين النقاط التي ذكرنا بنظر الاعتبار، ينبغي ان يكون بوسع الخلايا الحزبية او ان تسعى للعب دورها بوصفها عنصر منظم ومرشد في الشبكات الحلقية للعمال الشيوعيين. تحدثنا سابقاً عن "احاطة" الخلايا بطيف اوسع كثيرا من العمال اصدقاء الحزب. اذ نتحدث الان عن تواجد الخلايا في وسط حلقات وشبكات العمال الشيوعيين القريبة نوعا ما من الحزب. ان بناء هذه الشبكات هو امر حياتي بقدر بناء الخلايا الحزبية نفسها. ان تركيبة وخليط من الشبكات والخلايا سوية تجعل امكانية العمل الشيوعي الواسع للحزب امراً ممكناً. بغياب سلسلة حلقات العمال الشيوعيين القريبة من الحزب، ستكون الخلايا منزوية وقليلة التاثير وتفتقد الارضية مناسبة لنشاطها. اذ بدون هذه الخلايا، يغدوا اولاً بناء شبكات الحلقات من قبل الحزب امراً غير عملياً، وثانيا في حالة وجود مثل هذه الشبكات، فان جرها لسياسات شيوعية واضحة وتقريبها من الممارسة الحزبية امراً غير ممكن. في السياسة التنظيمية التي في خلدنا، تعد الخلايا نفسها مراكز داخل شبكة الحلقات العمالية. الخلية هي وحدة حزبية، وفي الوقت ذاته، مركز طليعي داخل الحلقة. ان اعضاء الخلايا هم اعضاء هذه الشبكات، ولكن تقع على عاتقهم مهام اوسع واكثر حساسة من العمال غير الحزبيين. ان الخلايا الحزبية هي مراكز للتقريب السياسي والعملي لهذه الشبكات للحزب وتقريب الحزب لها. مراكز تسعى بصورة واعية لتوسيع هذه الحلقات، تنشيطها في النضالات العمالية وخلق الشفافية السياسية والنظرية داخل الحلقات. اننا ننشد ان تشرع الخلايا الحزبية نفسها ببناء هذه الحلقات وترتقي بنوعيتها بحد ان تعمل كمركز نفوذ معنوي وسياسي في هذه الحلقات.

اذا اردنا اعطاء تصوير عام للمكانة المنشودة في الاوضاع الراهنة، ستكون بالشكل التالي: عدد كبير من العمال الشيوعيين، بالخصوصيات الفكرية والتوجهات التي تحدثت عنها سابقاً، يرتبطون ببعضهم البعض كمجموعة من الحلقات الراديكالية بين العمال. وستفسح شبكة الحلقات المجال لتحول شيوعية راديكالية داخل العمال، على الاقل في المدن الصناعية والصناعات الاساسية، الى تيار نضالي نشط وصاحب حضور نضالي، وينشط العمال الطليعيون والشيوعيون بدرجة اكبر، وبصورة واعية، وفي تنسيق وصلة اوسع للتخندق في الصف القيادي للاحتجاجات العمالية.

تناقش هذه الحلقات قضايا النضال الطبقي عموماً وقضايا الحركة العمالية والنضال الراهن على وجه الاخص. ستخلق تفاعلات فكرية حية في هذه الحلقات. ستكون هذه الشبكات ميدان للتربية السياسية والفكرية للعمال. حيث يشارك، وبمستويات متفاوتة، في هذه الحلقات من اعضاء الحزب الى العمال الشيوعيين الذين ليست لديهم معرفة كافية بالحزب، او، في حالات خاصة، يحسوا اختلاف ما في مواقفهم مع الحزب او لديهم ارتباط به. اذ تتناقش النظرات المختلفة داخل هذه الحلقات وتحتل بالطبع اراء الحزب الشيوعي العمالي بوصفه تيار شيوعي لديه تشابه وتقارب مع الخط السياسي والنظري لهذه الحلقات مكانة خاصة في هذه المناقشات وتكون موضع دفاع الرفاق المختلفين او تاييدهم او نقدهم بدرجات متفاوتة. في الوقت ذاته، تخلق هذه الحلقات اطار وشبكة ارتباطات لاتحاد عمل العمال الشيوعيين في النضالات الراهنة. اذ تزيد من عدد الاحتجاجات والاضرابات التي يلعب فيها هذا التيار ومراكزه المختلفة في الفروع المختلفة دور طليعي وقيادي. وتدريجياً تعي شبكة حلقات العمال الشيوعيين نفسها بوصفها فعالي خط ونهج واحد، بوصفها قسم طليعي ونشط للميول الراديكالية للطبقة العاملة وتقترب من الحزب الشيوعي بوصفه التنظيم الحزبي لهذا الطيف.

وبهذا السياق، يقوم رفاق الخلايا الحزبية بدور نشر وتعميم وتوضيح اراء الحزب ومواقفه. ينبغي ان يؤمن رفاقنا اطلاع هذه الحلقات على اراء الحزب وسياساته. ينبغي ان تقوم خلايانا بما من شأنه ان تتداول جرائد الحزب الشيوعي داخل هذه الحلقات وتتحول الى مركز ومحور مناقشاتها. ينبغي ان تؤمن خلايانا تقييم واستخلاص توجهات هذا الطيف من العمال وملاحظات وارائهم وتطرحها امام الحزب. عليهم ان يعملوا بشكل خاص ويولوا اهمية اكبر للعمل مع رفاق العمال الاكثر طليعية وقرباً من الحزب.

من البديهي ان خلايا بمثل هذا السياق، واتخذت لها مكانة وسط طيف العمال الشيوعيين، من الطبيعي ان تتعدى مجرد خلايا محل العمل والمعيشة بالمعنى الضيق والخاص للكلمة. قد يكون بوسع بعض الخلايا ان تلعب مثل هذا الدور، وقد لاتتمكن اخرى من ذلك. على اية حال، لن تكون الخلايا شيء يقف على هامش الحلقات، بل مراكز منظمة وحزبية داخل هذه الشبكات، تسعى من ناحيتها لدفع مجمل هذا الطيف نحو تبني سياسات الحزب وتوسيع نفوذ الحزب داخل هذا الطيف. ان المهام التي بوسع خلية ما ان تدفع بها في اوضاع منشودة في هذا الطرح يمكن ايجازها بالتالي:

1- خلق وتعميم الشبكات الحلقية للعمال الشيوعيين. توحيد وربط العمال الطليعيين والراديكاليين داخل هذه الحلقات.

2- ابراز وترسيخ الملامح السياسية الخاصة لهذا الطيف، اي اشتراكية راديكالية وثورية عبر العمل الدعائي والتوعوي الدائم. تعليم مباديء واسس الماركسية والممارسة الشيوعية.

3- السعي لتعميم وتوسيع نفوذ العمال الشيوعيين بين الجماهير العمالية وترسيخ مكانتهم في مقدمة النضالات الجارية للعمال.

4- زيادة حساسية هذا الطيف تجاه الحزب وارائه، الدعاية والتوضيح المستمر لمواقف الحزب وسياساته فيما يخص المسائل المتنوعة للنضال الطبقي، التقريب السياسي، النظري والعملي لهذا الطيف بالحزب.

5- ايصال الادبيات الحزبية لحلقات العمال الشيوعيين وتنظيم البحث وتبادل الاراء حولها.

6- اطلاع الحزب بالميول، الاتجاهات ومعضلات العمال الشيوعيين وحلقاتهم.

7- السعي لاعداد العناصر الفعالة والطليعية في هذه الحلقات للتنظيم المباشر في الحزب الشيوعي.

4) التنظيم المنفصل، الخلايا والحلقات

في هذه المرحلة كذلك، يسري مبدأ التنظيم المنفصل فيما يخص الصلة بتنظيمات الحزب بالمعنى الخاص للكلمة، اي الخلايا والشبكات الحزبية كذلك. طالما ان الاوضاع الامنية لنشاطنا هي على هذه الحالة، سيبقى التنظيم المنفصل بوصفه اسلوب صيانة ديمومة وامان العمال والناشطين اعضاء الحزب. ينبغي ان تراعي الخلايا الحزبية مبدأ الانفصال.

لايسري التنظيم المنفصل على الشبكات الحلقية للعمال الشيوعيين. ينبغي توسيع هذه الشبكات استناداً الى الصلات الطبيعية داخل الطبقة العاملة، واستناداً الى تلك الدرجة من السرية التي هي اليوم تقليد عميق بين العمال الطليعيين. ليس ثمة محدوديات امام الشبكات الحلقية للعمال في توسيع نفسها. من البديهي ان لايعني هذا ان بوسع كل شخص الارتباط بها او حتى ان يطلع على وجودها، بل ان هذه الحلقات لاتقتصر على اماكن المعيشة والعمل وليس ثمة حدود محددة مسبقة لتوسعها. ان هذه الحلقات لاتتحدد بالضرورة بمدينة او صناعة خاصة. اذ من الممكن ان يشكل جمع من العمال الموسميين مع اناس من هذا المعمل اوذاك شبكة حلقية للعمال.

في الحقيقة تمضي هذه الشبكة نحو الترحيب بصلات جديدة في ميادين جديدة. اذ يسعى اي عضو في الحلقة، واستناداً الى معارفه في الميادين الاخرى، ان يربط عمال شيوعيين جدد بهذا التيار. في اي مرحلة، ليس بوسع احد، سواء اكان حلقة ام فرد، ان يكون لديه معلومات دقيقة ومحددة حول مدى الشبكة وحجمها في المعامل والمحلات والمناطق الاخرى. من الممكن ان يعرف عدد من العناصر الاكثر طليعية ونشاطاً في الشبكة، على سبيل المثال، عدد الرفاق في المعمل الفلاني او المدينة الفلانية، بيد ان الاطلاع الحضوري والمباشر لكل حلقة على عدد اعضاء الحلقات الاخرى وهويتهم الحقيقية هو امراً محدوداً وخاضعاً لمتطلبات النضال الجاري. اذ ترتبط اي حلقة بالحلقات الاخرى عبر رفاق نظموا معارفهم وصلاتهم في ميادين اخرى. لاتعقد الحلقات "عقد تنظيمي" فيما بينها. بل بالاحرى تواصل صلاتها استناداً الى الصداقات الطبيعية بين العمال. ان ماهو مهم هو ان هذه الصلات بحد من الحيوية والنشاط بحيث بوسعها ان تخلق حراك سياسي وكذلك نظري واتحاد عمل حقيقي بين التجمعات الحلقية المختلفة للعمال. ان هذه الحلقات لاتمثل "تنظيم"، وان يكن محتوى نشاطها هو حركة سياسية منظمة. ينبغي ان لايعد اي عامل ذا صلة بهذه الحلقات نفسه ينتمي رسميا الى منظمة او حزب، بل ان يرى نفسه كجزء من تقليد، تيار صداقات ومعارف عمالية وميل. وخصوصاً ان حلقات العمال الشيوعيين في هذه المرحلة ليس لها اي انتماء حزبي (انتماء للحزب الشيوعي)، وينبغي ان لاتعطي مثل هذا الانطباع عن نفسها. ان ضمانة ادامة العمل الامن لهذه الشبكات هو ان يُعْجَنْ بالصلات والصداقات الطبيعية، واستنادها الى الاخلاقيات النضالية للطبقة العاملة. وما ان يتغير ميزان القوى في المجتمع لصالح الطبقة العاملة، وما ان تشتد الحركة الاحتجاجية وتبلغ الازمة الثورية اوجها، ستتحول هذه الشبكات بصورة طبيعية الى جناح وتيار راديكالي-اشتراكي منظم داخل الطبقة العاملة ذا ميل جدي للحزب الشيوعي، وستولج الميدان.

وبدلاً من تعبير وتفسير تنظيمي ورسمي لشبكات الحلقات هذه، ينبغي تبني تعبيراً سياسياً ونضالياً. وتبني هذه الشبكات تقليد نضالي خاص بين العمال. ينبغي على العامل الذي ينظم الى هذا التيار ان يعرف انه ملتزم بوصفه عامل ثوري ومناضل بتقليد ومهام خاصة. وتتمثل بعض مساعي تقليد هذا التيار التي ينبغي ترسيخها بوعي بالسعي لزيادة وعيها السياسي والوعي السياسي للاخرين، السعي لتوحيد الطبقة، والسعي لتحقيق النضالات العمالية مبتغاها، النضال ضد التيارات الاسلامية المناهضة للعمال او احباط التوجهات الانتهازية التحريفية لامثال حزب توده (حزب الشعب الموالي للاتحاد السوفيتي في حينه-م)، النضال ضد النزعات الفردية التشاؤمية، السلبية داخل صفوف العمال.

يمكن ان تتضمن مثل هذه الشبكة من الحلقات عدد من الخلايا الحزبية في المعامل والمحلات المختلفة. ان هذه لاتنفي مبدأ انفصال الخلايا الحزبية. ان الانفصال هو مبدأ تنظيمي-معلوماتي وليس نموذج للحياة والمعيشة والنشاط الاجتماعي. فالان تتفاعل الخلايا الحزبية مع بعض في قلب النضالات العمالية. ففي رحم شبكة حلقات العمال الشيوعيين، بوسع الخلايا الحزبية، وينبغي عليها ان تتقيد بمبدأ الانفصال التنظيمي. ان الانتماء الحزبي لاي رفيق والخلايا الحزبية هي جزء من الاسرار التي لاينبغي اعلانها حتى على الرفاق الذين هم في الشبكة ذاتها (ماعدا حالات يعد اعلان الانتماء الحزبي لرفيق لنا شرطاً لازماً للدفع اكثر بالصلة السياسية والتنظيمة لرفاق عمال اثناء وفي صيرورة وعملية انضمامهم للحزب). ففي الشبكات، تبرز الخلايا نفسها على هيئة اعضاء ومراكز في الشبكة. ان مساندة الحزب داخل شبكات حلقات العمال الشيوعيين هو امراً متوقعاً، ولايعكس، بذاته، شيء عن عضوية هذا الرفيق العامل او ذاك في خلية حزبية. ينبغي على رفاقنا الحزبيين ان يحافظوا على العلاقات بينهم بهذا المستوى والدرجة. فعلى كل عضو حزب حين يلتقي رفيقاً من خلية اخرى، ان يتصرف مثل عامل مناضل نصير للحزب، لا اكثر. ليس لديهم مسؤوليات والتزامات تجاه بعض اكثر من عناصر طليعية داخل تلك الحلقات. ليس ثمة داع لاقامة صلة خاصة تتخطى صلة نصير حزب. ليس على اي خلية حزبية ان تنظر للحلقات على انها "شبكاتها وصلاتها الخاصة" حتى لو كانت نفسها قائد وعنصر فعال في تاسيس هذه الشبكات الحلقية وتوسيعها. لتامين ادامة عمل هذه الحلقات، ينبغي استنادها الى الصلات الطبيعية وتقاليد التنظيم العمالي التلقائية. اذا ادركت خلايانا مباديء التنظيم هذا بصورة صحيحة وتقيدت بها، ستقل المخاطر التي تهدد هذه الحلقات الى اقل حد ممكن.

5) حلقات العمال الشيوعيين وتدخل الحزب في النضالات الجارية.

ان توسيع حلقات العمال الشيوعيين يخلق مسار واقعي ومناسب لتدخل الحزب الشيوعي بصورة مؤثرة في النضالات الاحتجاجية الجارية للعمال. في ابحاثنا حول صلة الحزب بالنضالات الجارية للعمال، اشرنا الى حلقة اساسية الا وهي اهمية القادة العمليين والموجودين في صفوف العمال للعمال. اذ ان فقط التيار الذي بوسعه ان يامل بان يكون له تدخل فعال وقيادي في النضال الاحتجاجي هو الذي يضم في صفوفه فعلا القادة العمليين والمحرضين العماليين. ليس بوسع اي خلية سرية او مركز غيبي ان يقود بدون قادة عمليين للاحتجاج. ولهذا السبب، فان القسم الاغلب، وفي كل الحالات تقريبا، لاتتم قيادة الاحتجاجات العمالية وهدايتها عبر التنظيمات السياسية واعضائهم السريين، بل عبر العناصر المستقلة وذات النفوذ داخل العمال. من الممكن ان يكون لهذه العناصر ميل وتوجه معين لهذا الحزب السياسي او ذاك، ولكن من النادر ان تستند ممارستهم للعمل القيادي على التنظيم. وان للحلقات العمالية اليوم ايضاً دور اساسي في تامين الحد الادنى من القيادة العملية للحركات الاحتجاجية. ينبغي الاقرار بهذه الحقيقة واعتمادها اساس ومنطلق للعمل. ان العمال الشيوعيين الذين نتحدث عنهم هم الان عناصر طليعية في النضالات الاحتجاجية. بيد ان هذا العمل يقام به الى حد كبير استنادا الى المبادرة الفردية والحكمة في العلاقات الحلقية المحدودة. ان تنظيم تيار من العمال الشيوعيين على هيئة شبكات حلقية، الارتقاء بهذه الحلقات، تفعيلها، وفيما يخص اساليب هداية وقيادة الحركة العمالية، خلق اتحادات عمل اوسع فيما بينها هي السبيل الحقيقي لتقوية السياسة الشيوعية في النضالات الجارية.

نحن لانرغب بطبع ختم ورمز الحزب على الاحتجاجات العمالية، اننا ننشد ان تتمتع الاحتجاجات العمالية في الحياة الواقعية بقيادة شيوعية بصورة متزايدة. اننا ننشد ان يكون لسياسات وشعارات الحزب الشيوعي اوسع مكان داخل قادة الحركة الاحتجاجية. اننا نريد ان يجد العمال المشاطرين لنا في افكارنا وخطنا، بغض النظر عن كونهم اعضاء حزب او لهم صلة ما بالحزب ام لا، لهم مكانا في مقدمة الاحتجاجات العمالية. اذ قبل ان نتحدث عن قيادة الحزب للنضالات الجارية، ينبغي الحديث عن قيادة طيف الاشتراكيين الراديكاليين، طيف العمال الشيوعيين لهذه الاحتجاجات. انها الخطوة الاولى. ان تحويل هذين الشيئين الى امر واحد، اي خلق اوضاع تكون القيادة الشيوعية فيها للحركة العمالية لاتعني سوى القيادة بسياق الحزب الشيوعي والقيادة طبق تعاليم وشعارات وسياسات الحزب الشيوعي. وان هذا يستلزم النضال لتقريب طيف العمال الشيوعيين من الحزب. ليس ثمة سبيل اخر للتدخل في النضالات الحالية على صعيد اوسع تتغاضى عن هذا الطيف. الى الحد الذي يكون فيه تنظيم الحزب، الخلايا والصلات المحيطة بها تتضمن فعلا قادة عمليين شيوعيين، سيكون تدخلنا مباشراً ومئة بالمئة. والى الحد الذي لايكون للعمال الشيوعيين ربط بنا، ووفق رؤيتهم وتصورهم لسياساتنا وشعاراتنا في القيادة، يكون تدخلنا غير مباشر، معنوي وسياسي.

ان الحزب الشيوعي يخاطب في تعليماته تجاه النضالات الحالية كل طيف العمال الشيوعيين. يسعى الحزب الى جعل كل عامل شيوعي تطأ اقدامه ميدان قيادة النضالات العمالية مطلعاً على اراء ومواقف الحزب بصورة جيدة. ويسعى الحزب الى اقناع اوسع قسم ممكن من العمال بصحة هذه السياسات والشعارات واعتمادها اساساً للعمل. في الوقت ذاته، يسعى الحزب، الى الحد الذي يتمتع بصورة مباشرة بالقدرة المادية والقدرة الاجتماعية، الى تامين القيادة الشيوعية للحركات الاحتجاجية. في الاوضاع الراهنة، ان هذا الامر ليس محتملاً. ان الحالة الاعتيادية والاكثر احتمالا هي ان يبادر العمال الشيوعيين المتعاطفين بشكل عام مع الحزب، ولكن تحت التوصيات العامة والسياسية للحزب، الى المشاركة في الحركة. ينبغي تقوية هذا وتنظيم هذه الحالة بشكل مبرمج. ان هذا الامر سيتم مد يد العون اليه عبر توسيع الشبكات الحلقية للعمال الشيوعيين بالدرجة الاولى وعبر تقوية العمل المشترك الداخلي للعمال الشيوعيين وتقوية تقاربهم السياسي مع الحزب. عندها لن يبقى مجال للقلق من الاكسيونية التنظيمية والخلايا الحزبية قليلة النفوذ. ان رفاقنا العمال في هذه الحلقات هم اناس يعدون التدخل في النضال الجاري وتقدم الصفوف في الميدان هو امرهم اليومي والحياتي. يعرفون كل فنون ودروب واسرار العمل العلني. ان مانضيفه الى هذه القدرات والامكانيات هو الخط السياسي، الشفافية النظرية والقدرة العملية عبر ربط هؤلاء الرفاق في شبكات حلقية تسهل من امكانية عمل الحزب بصورة مكثفة معهم. في سياق هذه العملية، تغدوا تنظيمات الحزب اكثر عمالية، ومن الناحية النضالية، ستكون اكثر تاثيراً وتجعل من العمال الشيوعيين اكثر حزبية ويتحلون بتوجه اكبر. ان تدخل الحزب بوصفه حزب في مقدمة احتجاجات الطبقة العاملة هو نقطة امتداد لهذا المسار.

6- توسيع تنظيم الحزب

مثلما ذكرت، لاتعني سياستنا المستندة الى ايلاء الاولوية لارساء الحلقات غير الحزبية من العمال الشيوعيين تقليص التنظيم الحزبي او التقليل من مسالة تنمية تنظيم الخلايا الحزبية. على العكس من ذلك، اننا نبحث عن سبيل واقعي وحقيقي لتوسيع التنظيم الحزبي. وطالما ان تنظيماتنا منهمكة بالعمل على الصلات المتبعثرة والفردية داخل الطبقة العاملة، وان تجعل من العامل بوصفه فرد مادة عملها الاساسية، سيكون توسعنا ونمونا سلحفاتي. والاهم من هذا، لن يكون بالضرورة معادلاً لانضمام اكثر القادة العمليين للعمال طليعية للحزب. اننا لانرفض اطلاقا العمل مع العمال كافراد على اي صعيد سياسي او عملي. على العكس من هذا، اننا نؤمن ان السبيل الواقعي الوحيد لجلب كل عامل في هذه المحلة اوذاك المعمل للحزب هو ربطهم بتيار نضالي داخل الطبقة نفسها وتفعيله بوصفه جزء من حركة عمالية حية.

في صلاتنا واتصالاتنا اليومية في المعامل والمحلات العمالية، نقيم صلات وتعارفات متعددة مع العمال حديثي العهد، قليلوا الفعالية، بيد انهم مفعمين بالحيوية وجادين في البحث. ان اساس عملنا هو ليس الارتقاء بفرد فرد من هؤلاء الرفاق عبر صلة فردية والارتقاء بهم لحد العضوية في الحزب. ان شبكة حلقات العمال الشيوعيين هي مسار تربية ونضال مثل هؤلاء الرفاق العمال. ان على الحزب الشيوعي في المطاف الاخير ان يكون حصالة هذا التيار، ان يجذب له اكثر المناضلين السياسيين للطبقة نشاطاً وطليعية واكثرهم تربية، وبالتالي، ان اتساعنا التنظيمي تابع لاتساع طيفنا. اننا نجذب، وعبر عمل واعي ويومي مع كل رفيق عامل في معمل او محلة، اعضاء جدد لهذا الطيف. وبهذه الطريقة، سنتحلى بامكانية اكبر واكبر لتنظيم العمال على الاصعدة المختلفة. سيكون الحزب بالمعنى الخاص للكلمة حزب القادة العمليين، اما في المعنى الخاص، بمعنى التجسيد السياسي لطيف العمال الشيوعيين، منظمة كل العمال والذين، بشكل من الاشكال، تحت تاثير اراء وسياسات شيوعية. سيجد اي رفيق عمالي مكانه في النشاط التنظيمي.

على هذا الاساس، ان النشط التنظيمي لخلايانا هو نشاط متنوع وواسع. من جذب العمال الحديثين وقليلي التجربة الى الحلقة وصولا الى جذب القادة اصحاب النفوذ والاعتبار للحزب، من تنظيم النشاط الروتيني للحلقات، اتحاد العمل بين قادة الاحتجاجات العمالية في المعامل المختلفة، الى تنظيم الفعالية الجارية لاعضاء الحزب داخل هذه الشبكات، كلها اجزاء عمل تنظيمي لخلايانا. ان مَعْلَّم نجاح خلايانا في المسالة التنظيمية ليس صرفاً توسيع التنظيم الحزبي، بل كذلك توسيع طيف المرتقى به من العمال الشيوعيين، تنظيم وترسيخ عمل الحلقات، تقريب صلاتهم السياسية والعملية بالحزب.

7) نقاط حول مسائل المرحلة الانتقالية

ستواجه الخلايا والتنظيمات القائمة ابان الانتقال الى هذا الاسلوب مسائل محددة. لاتتمتع بعض الخلايا بالقدرة الكافية للعب دور مرشد في هذه الشبكات. بعض اخر من الخلايا الان تتمتع بهذا النطاق من النشاط. ان خلق الصلة السليمة بين توسيع سلسلة الحلقات والعمل المنفصل للخلايا يستلزم طروحات انتقالية ممحصة. ستكون هناك حاجة لاعادة تنظيم في بعض الوحدات او الفروع. ينبغي حل هذه المشاكل عبر الصلة المباشرة لرفاق الحزب بالهيئات القيادية. لايتمثل هدف هذه المقالة بطرح عليمات تنظيمية محددة تجاه هذه المسائل. ولكن من الضروري الاشارة الى بعض النقاط العامة:

1- بوسع الخلايا ذات القابليات المحدودة، ومن ضمن عملها الروتيني في المحلة او المعمل، ان تعمل في هذه الشبكات كتجمع حلقي بسيط. ينبغي ان تكون اقامة الصلات الحلقية الواسعة امراً مطروحاً على جدول اعمال الخلايا التي تسمح تركيبتها ومكانتها لمثل هذا النشاط.

2- لاتكون خلايانا بالضرورة مراكز هداية هذه الشبكات في احيان كثيرة. قد يكون العمال اصحاب النفوذ والمجربين، ناهيك عن ان شبكات عملياً تحت قيادة عمال غير حزبيين ذوي نفوذ وتجربة او تتحول تركيبة من الرفاق الحزبيين وغير الحزبيين الى مركز لارشاد هذه الشبكة او تلك. ليس في هذا اي مأخذ، ليس هذا وحسب، بل انه جزء من الالية الطبيعية والضرورية لاسلوب عملنا هذا. ينبغي ان يتمثل سعينا بان يطلع وباعمق الاشكال الرفاق غير الحزبيين ذوي النفوذ والتاثير على اراء الحزب وان يقتنعوا بصحتها عبر عملنا الدعائي وابحاثنا. ان كسب رفاق بهذا المستوى وانضمامهم للحزب هو امر ذا قيمة الى حد كبير. ولكن ينبغي التاكيد على مسالة الا وهي: ينبغي ان لا تخفف العضوية في الحزب ولو ذرة من الامكانية العملية لنشاط هؤلاء الرفاق بوصفهم قادة عمليين.

3- ان المراكز القيادية لهذه الحلقات هي في الحقيقة خلايا من طراز جديد تختلف عن خلايا اماكن المعيشة والعمل في الحزب. انها في الحقيقة اشكال جنينية للجان القيادية التنظيمية للحزب على صعيد المناطق، الاقسام والمعامل. ينبغي ان نسعى لتشكيل وصياغة هذه المراكز. وبصورة اكثر تحديداً، ينبغي ان تكون هذه المراكز، سواء اكانت حزبية او غير حزبية، او توليفه من الاثنين، بصلة واتصال وثيق بقيادة الحزب. ان لاراء وملاحظات هؤلاء الرفاق مكانة خاصة للحزب، وستجد انعكاس لها في الهيئات الحزبية المختلفة دون شك.

4- ينبغي على مجمل رفاق الحزب في المدن ان يسعوا لفهم المباديء والاسس التنظيمية والتنظيم الحلقي للعمال على وجه الخصوص. ستسعى جريدة "كومونيست" واذاعة الحزب الشيوعي ان تقيّم حد المقدور التجارب الراهنة وان تضعها في متناول الرفاق. بيد ان قسماً مهما من هذه التربية ينبغي نيله في ميدان العمل والمطالعة والتعمق في اسلوب عمل القادة العمليين المجربين للحركة العمالية. ان مايتعلمه ناشطوا الحزب من العناصر الطليعية للفئة الشيوعية من العمال ليس اقلاً مما ينبغي ان يتعلموه منها.

***

ان الاشكال التنظيمية التي نطرحها ونتابعها اليوم ارتباطاً بفئة العمال الشيوعيين هي اشكال اولية وانتقالية دون شك. ينبغي ان يُجذب العمال الشيوعيين في مسار صيرورة عمل عميقة ومنظمة للحزب داخل الطبقة او ينتظموا بالاخص في منظماته الحزبية. بيد ان هذه الخطوات الاولية والانتقالية حياتية لتحقيق هذا الافق. اذا استطعنا رسم وتمحيص الهوية السياسية للفئة الراديكالية من الطبقة العاملة، اذا استطعنا توحيد هذا الطيف باي حد ممكن، اذا استطعنا ترسيخ الصلة السياسية والعملية لهذه الفئة بالحزب، سيغدوا عندها، في مراحل مقبلة، وبالاخص مع التغير النسبي في الاوضاع السياسية، الخطو نحو التنظيم الواسع للجان وعلى اشكال مناطقية، معملية ومحلية للحزب، وبالاستناد الى النفوذ السياسي والعملي الفعلي للحزب في هذه الفئة من العمال سهلاً جدا وعملياً. ان ماهو محور سياستنا التنظيمية في هذه المرحلة والنقطة الاساسية في بحثنا الحالي هو ضرورة ترسيخ الاسس المادية لشيوعية راديكالية وثورية داخل الطبقة على شكل فئة منظمة الى حد ما من العمال الشيوعيين بوصفه الشرط المسبق لاي نوع من تنظيم حزبي واسع.

مقالات