منصور حكمت

حول النقابات العمالية

(بحث في ندوة الحزب الشيوعي الايراني)

ترجمة: فارس محمود

في الحقيقة اعتقد ان الثقل الاساسي للبحث في حديث الرفيق امير كان حول نقد الاقتصادوية والنزعة التريديونينية (النقابية). كذلك سعى الى فصل النضال الاقتصادي ذاته وحتى النقابة نفسها عن السياسة النقابية والسياسة الاقتصادوية. ولكن حين فكرت بمجمل البحث، رايت ان حداً من الاجحاف قد لحق بالنضال الاقتصادي واهميته. في الاحاديث الاخيرة على وجة الخصوص، للرفيق امير، اعتقد انه قلل من المكانة الحقيقية للنضال الاقتصادي الى حد كبير. زد على ذلك، نظراً للاشارات الى الانحرافات القائمة، بين اناس يعارضوننا، في منظمات رزمندكان (المليتانت) وراه كاركر (درب العامل) (منظمات يسارية شعبوية ايرانية-م) وانحرافاتهم، اعتقد ثمة انحراف اكثر حقيقية وخطراً يواجهنا قد تم تناوله بصورة مخففة تبعاً لذلك.

فيما يخص مسالة" هل ان النضال الاقتصادي هو الحجر الاساس للوعي العمالي او الحجر الاساس للنضال الطبقي ام لا" اعتقد ان ثمة ملاحظات ضرورية بهذا الصدد. ان النضال الاقتصادي هو الحجر الاساس للوعي العمالي برأيي. اي انه لامر صعب تصور ان بوسع الطبقة العاملة ان تبلغ فهماً اشتراكياً لارساء نظام جديد بمعزل عن فهم وادراك وجودها بوصفها بائعة قوة عمل. اعتقد ان العملية العفوية لانخراط العمال في اي شكل من اشكال النضال يمر عبر التفكير بوضعيتهم في المجتمع الراسمالي بوصفهم بائعي قوة عمل ومجمل الضغوطات والاجحافات التي تلحق بهم نتيجة لموقعهم هذا.

ثانياً، باعتقادي انه ليس بصدفة ان تقترن النزعة النقابية والاقتصادوية بالنضال الاقتصادي، ويقترن التخلي عن السياسة بالنضال الاقتصادي. كما انه ليس صدفة كذلك ان تظهر بصورة طبيعية ملامح قسم اكبر من العمال الطليعيين والناشطين في النضال الاقتصادي. ان سبب ذلك يتمثل بان المشاركة في النضال الاقتصادي هو امراً مبرراً من زاوية المجتمع البرجوازي. اي انه لامر طبيعي ان ينشد امرءاً ما التمتع بحقوقه كانسان، ان يتمتع بضمان بطالة، بصحة واجراً اعلى ولا ان يكون بالضرورة معارضاً للنظام القائم ومدافعاً عن قلبه. ان هذا يقبله المجتمع حتى في اكثر البلدان فاشية. حين تتحدث عن: ان اي نضال اقتصادي ستقمعه البرجوازية فوراً، اقول من ناحية اولى سيتم قمع النضال الشيوعي والاشتراكي بصورة اشد واسوأ مئات المرات. اذ يحتج في بعض الاحيان في اكثر البلدان فاشية على ساعات العمل، الضمان، الشروط الصحية للمعمل، وهو امر يمكن تحمله مقارنة بالنضال من اجل انهاء الديكتاتورية او الخلاص من الملكية الخاصة مثلاً. ما اود قوله هو انه لامر صحيح ان هذا النضال الاقتصادي للطبقة العاملة يؤول بسرعة، في مرحلة تاريخية معينة في بلد معين، الى نضال سياسي حول السلطة، او حرباً من اجل السلطة، سواء أكان عصياناً ام واعياً. ولكن واقع الامر هو ان في النموذج العام للمجتمع الراسمالي، ثمة مجال مفتوح دوماً للنضال الاقتصادي. والا ستجر الطبقة العاملة بصورة طبيعية للعصيان وتفنى اساساً. ذلك لان وجودها ذاته وصلتها بالراسمال مرهونان بهذا النضال. ولهذا، ما اود قوله هو ان مايهددنا من خطر لايتمثل بمجيء تيار يمثل الاقتصادوية والسنديكاليستية مقابلنا وبوجهنا.

في الحقيقة يكمن الخطر في ان نغمض اعيننا، اثناء فصل صفنا عن الاقتصادوية والنقابية، عن النضال الاقتصادي للطبقة العاملة ومكانته التاريخية عند هذه الطبقة ومكانته الدائمة لدى هذه الطبقة وكذلك مكانته التكتيكية بالنسبة للحزب الشيوعي الايراني. ان المكانة التاريخية للنضال الاقتصادي، استناداً الى المعنى الذي ذكرته، هو جزء من وعي الطبقة العاملة. وإن وضعنا هذه العملية تحت تاثير اوضاع القمع السياسي او الديكتاتورية، عندها سنبلغ تلك النتيجة الغريبة التي بلغها الرفيق امير، اذ يقول "لايمكن مقارنة عقلية العامل الايراني بعامل انكليزي متوسط". لا اشاطره هذا الراي. ان هذه (وقصده موضوعة امير-م) هي بحد ذاتها تحريض للعامل على الحكومة المركزية دون ان تشير الى اي بديل يرسمه هذا العامل بالضد من الحكومة المركزية، دون ان يشخص باي شيء يمكن تضليل وخداع هذا العامل المعين الذي تم تحريضه ضد الحكومة المركزية، ليس امتيازاً بذاته، لايبين بحد ذاته عن درجة اعلى من الوعي، وبالاخص لايدلل بحد ذاته على درجة اعلى من التجربة. انه دليل على الافتقار الى اي نوع من التجربة اساساً.

يكمن الضعف الاساسي للطبقة العاملة الايرانية في ادراك انه ينبغي ان تكون موحدة. ان هذا الفهم تتحلى به الطبقة العاملة الانكليزية كتقليد. تشخص الطبقة العاملة الايرانية بكونها اداة طيعة للاحزاب البرجوازية. لقد نظمت الطبقة العاملة الانكليزية نفسها حزباً برجوازياً (وقصده حزب العمال البريطاني-م). ولكن اذا سألت: هل يمكن بسهولة وضع الطبقة العاملة الانكليزية تحت تاثير الفاشيين، المحافظين، الحزب الليبرالي او الشيوعية الاوربية (اوروكومنيزم)؟ لا، لايمكن وضعها. انها ملتزمة بتقاليدها ومعطياتها العقائدية المحددة داخل طبقتها. الطبقة العاملة الانكليزية اصلاحية بصورة اكثر وعياً. ان الطبقة العاملة الايرانية باقية ملحقاً دوماً للمجاهدين، خميني، الجبهة الوطنية، حزب توده وامثالهم. اي انه ونظراً لعدم اصرار الطبقة العاملة الايرانية على المطاليب الاقتصادية وعدم تمتعها بعقلية مرتبطة بنضالها الاقتصادي المشترك، كان اساساً لتنامي الشعبوية واساسا لتنامي الاحزاب البرجوازية الصغيرة واساساً للضعف التاريخي للشيوعية في ايران.

اذا تخيلت ان عامل النفط يشرع بالنضال بذلك الحد بوصفه صنف معين- بوصفه عامل نفط- وبعمله الاقتصادي الخاص- حتى اذا لم يقل ..... (كلمتان غير مفهومتان-م)، يساعد ذلك بالدرجة ذاتها الحركة الشيوعية امام الحركة الاسلامية، عندها سيلفت انتباهك اي دور مهم تلعبه العقلية الطبقية-الاقتصادية ذاتها للطبقة العاملة في تسهيل امر الشيوعيين امام معارضة لاتنشد سوى الاطاحة بالانظمة وتستبدل حكومات استبدادية باخرى غير استبدادية او بشكل اخر من الاستبداد. بوسع العامل الايراني اليوم بسهولة ان يكون اداة معارضة غير شيوعية، وان يمضي مرة اخرى في الثورة الايرانية صوب قضية تخدعه، وذلك لانه لا يتمتع بفهم وادراك واضحين لنضاله الاقتصادي.

ثمة نقطة اخرى مسجلة تاريخياً وهي ان النضال الاقتصادي للطبقة العاملة هو كذلك، محك للشيوعية نوعاً ما. خذ بولندا، في المطاف الاخير، بعد ثلاثين، اربعين او خمسين عام بلغنا وضعا ان عدة حضرت وتحدثت عن الاشتراكية وعن نظام جديد، فيما تحدثت عدة اخرى ايضاً عن الخبز وساعات العمل. من الناحية التاريخية، ان محك تلك الاشتراكية والنظام الجديد يعود، في المطاف الاخير، الى مسالة هل يتم تامين الطعام وساعات العمل بصورة مريحة اكثر؟ هل ان فكرة ان يكون المرء صباحاً صياد سمك، وفي المساء صباغاً، ولحام معدني بعد الظهر هي في طور التحقق والانجاز؟ اي ان المكانة الاقتصادية، الموضوعية والمادية للطبقة العاملة معيار نجاح الشيوعيين ونجاح حقانية اي فكر عمالي. اذا كان من المقرر التقليل من مكانة النضال الاقتصادي، يمكن برايي قولبة -هذه المطاليب الاقتصادية بوصفها محوراً واساساً للوجود الطبقي للطبقة العاملة- باي شيء ارادوي. "حسناً، هذه هي دولتك"، "اممنا" او مثلاً "انها حكومة اشتراكية" او"انها جبهة معادية للفاشية!". ( هل هذه افادة ام سؤال)؟

برايي ان درجة وقوف الطبقة العاملة على مصالحها الاقتصادية الخاصة ومطاليبها الاقتصادية الخاصة يساعد الشيوعيين على الاقتدار وليس الاحزاب الاصلاحية التي تقوم بمعاملة ومساومة بعضها البعض حول السلطة السياسية داخل البرجوازية. وذلك لانهم (اي الشيوعيين-م) وحدهم من يطرح للمجتمع نظاماً يتمتع بقدرة انجاز تلك المطاليب وتحقيقها. وان احد عناصر التشهير بالتحريفية والاصلاحية في احزاب مابعد الكومنترن كانت المطاليب الاقتصادية للطبقة العاملة على وجه الدقة( اي بعدها عن هذه المطاليب-م). اعتقد ان هذه النقطة كذلك قد تم تناولها بصورة مخففة ولم تعط حقها في هذا البحث.

فيما يخص ايران، ان مايهددنا برايي هو البعد عن الطبقة العاملة وليس الذيلية للطبقة العاملة. اذ لا اعتقد اساساً ان منظمات درب العامل ورزمندكان وغيرهم منهمكين بتاسيس تيار نقابي يكسب قوى منا. اعتقد ان الامر هو على العكس من ذلك. ان درب العامل ورزمندكان وامثالهم يريدون ان يبينوا مرة اخرى: في عشية الديمقراطية انهم عماليون ونحن مثقفون. اذا اردت الان ان تعرف اي تحريف يهدد الحزب الشيوعي فيما يخص صلته بالطبقة العاملة، اقول انها ليست النزعة الاقتصادوية والسنديكاليستية اساساً، بل مرة اخرى انها النزعة الارادوية والشعبوية والنزعة المثقفاتية. اذا نظرت بصورة واقعية، سترى ان حساسية حزبنا قليلة بما هو ذا صلة بالمطاليب الاقتصادية وبالوجود الموضوعي للطبقة العاملة ونضالها الواقعي اليومي، بما نجهله، و ليس لاحد، في صفوفنا، راي حوله، حيث جريدتنا واذاعتنا وغيرها لاتذكرانه.

اعتقد في عشية اشتداد الازمة الثورية في ايران، فان ذلك التيار الذي سيُسحَبْ خارج الطبقة العاملة ويبتعد عن الطبقة العاملة هو تيارنا وليس رزمندكان. ان هذه الذيلية التي يبين عنها رزمندكان او درب العامل ليست ناجمة عن اقتصادويتهم. لايساورني شك في ذلك. انه ينبع من سعيهم لكسب الطبقة العاملة. انه ليس كما لو ان التحريفية الروسية فجأة ظهرت اقتصادوية في ايران، اي فكرت بوجوب تحقيق المطاليب الاقتصادية للعمال، فكرت بان تحقق ذلك بقواها، او فكرت ان هذا هدفاً اساسياً! كلا، ليس الامر كذلك. تدافع منظمة درب العامل عن المطاليب الاقتصادية والمنظمات العفوية للعمال كي تكسب ودهم . لماذا؟ وذلك لكي تدفع بالسياسة من فوق وبصورة ارادية وغير عمالية ومناهضة للعمال تماماً وضد مطاليبهم الاقتصادية نفسها بعد غد. تنشد ان تكون عمالية. انها جزء من عملية تحول منظمة رزمندكان الى منظمة عمالية. ينبغي النظر الى هذه الظاهرة في هذا الاطار. وان هذا شكل من تبيان احساس هذه التيارات بقضايا الطبقة العامل نفسها.

حين ننتقدهم، واذا لانرى هذا الجانب ونشن عليهم النقد تحت عنوان "اقتصادويين"، نكون قد لعبنا في ساحتهم. صحيح ان عقائدهم اقتصادوية، بيد ان هذه الدعايات الاقتصاوية تتمتع بسمة تقريب هذه المنظمات بالبنية العمالية لمجتمع ايران، وهو مانغفله.

ان التخفيف من شأن النضال الاقتصادي في هذه المرحلة، التخفيف من مكانته في مجمل وعي الطبقة العاملة، التخفيف من صلة هذه بالحزب، العمال والثورة الاشتراكية، وان نتيجته هو التحول مرة اخرى الى منظمة بيكار او رزمندكان المرحلة القديمة. منظمة تفتقد صلة ووجود ملموس عند الطبقة.

لاصيغ بحثي بالشكل التالي: النضال الاقتصادي هو احد اجزاء النضال الطبقي. ان هذا قد ورد بصورة مخففة في بحث الرفيق امير. صحيح انه سعى في اماكن عدة الى فصل حساب النضال الاقتصادي عن الاقتصادوية وغيرها، ولكن حين بلغنا نهاية الابحاث، تترائى لنا نوع من التاكيدات والوقفات التي تهضم حق النضال الاقتصادي نفسه. برايي، انه لامر ليس حياتياً فحسب، بل ليس خاطئاً اذا قلنا انه الخطوة الاولى في تنظيم الطبقة. ليس خطاً ان قلنا انه الخطوة الاولى في وعي الطبقة. ان وضع الحدود الفاصلة القوية معه، قد يطيح بنا من تلك الجهة، الا وهو عدم رؤية هذه العملية الحياتية – التي هي مهمة برايي.

اذا نظرنا في الاطار التاريخي الواقعي لايران ايضاً، سنرى ان الاحزاب اليسارية الايرانية، تقليدياً، ومن فوق الطبقة العاملة من اجل الاستفادة من الطبقة العاملة بوصفها "ديمقراطية حازمة المسعى" ومن اجل تغيير نظام باخر، اتت بصورة منفصلة عن التقليد العمالي، سواء وجهت النداء للطبقة العاملة ام لم توجهه اساساً. من بين هذه المنظمات على سبيل المثال الخط والنهج الفدائي.

من اية نقطة نسعى للاقتراب من الطبقة العاملة ومن الاقتصادوية؟ حين واجه لينين هذه المسالة، لم تكن هناك حركة مثقفين. ان حركة العمال الروس التي هي اقتصادوية وتراوح في الاقتصادوية و كانوا هم انفسهم اشتراكيين ديمقراطيين كذلك. اي لايمكن فصل جسد الاشتراكية الديمقراطية عن جسد الحركة الاقتصادوية في اعوام 1903-1905. لقد بدأت الاشتراكية الديمقراطية الروسية بوصفها حركة شيوعية العمال الروس. فيما شرعت شيوعية ايران كجناح يساري لحركة المثقفين- ليبرالية وحركة دينية- برجوازية صغيرة، وليس لها اي جذور في النضال الاقتصادي للطبقة العاملة واجواء ذلك النضال، ولهذا فانها منفصلة بابعد الحدود عن هذه الطبقة وقادتها العمليين.

ان القدرة التاريخية لحزب توده، اكثريت(الاغلبية، منظمة يسارية شعبوية-م) ودرب العامل للاقتراب من القادة العمليين وذلك لانهم لم ينطلقوا من هذا التقليد، اي التقليد الشعبوي. بل انهم يشرعون من التقليد الروسي، التقليد الذي يعطي مكانة معينة كبيرة للنضال الاقتصادي للطبقة العاملة. طالما انهم في المعارضة يثيرون الضجيج حول هذه المطاليب، ولكن ما ان يستلموا السلطة حتى يتنكرون لها! انهم يقومون بالعمل ذاته، وفهمهم واضح. في حين اذا نظرت الى خلفية الحزب الشيوعي الايراني، تجده انه قدم كمنتقد لتيارات المثقفين ما فوق العمالية وليس بوصفه تيار راديكالي داخل الطبقة العاملة نفسها ومن داخل تقليد النضال الاقتصادي والسياسي للطبقة العاملة في ايران. انه ليس امتداداً للحزب الشيوعي الايراني الاول (الذي تاسس في اوائل القرن العشرين، وكان له حضور داخل الطبقة العاملة-م)-بالشكل الذي يقوله تقي- ليس امتداداً طبيعياً وكلاسيكياً له. انه يقترب للظاهرة من قطب اخر.

ثمة نقطة مهمة اخرى اشرت لها، ولكن تركتها دون ان استنتج منها. الا وهي ان النضال الاقتصادي ميدان تتربى في الطبقة العاملة، تفهم اشكالها القيادية والتحدث عن نفسها. زد على ذلك، انه ميدان يمكن فيه النضال قانونياً- وان يكن بصورة صعبة ايضاً-. ان كان ثمة ميدان يمكن، قانونياً، للعامل النضال فيه، فهو ميدان النضال الاقتصادي. والا ينبغي حذف دور النضال القانوني اساساً والذهاب لتربية الفدائيين والمجيء من القرى لاحتلال المدن. ولكن ان امكن الحديث عن تنسيق العمل القانوني مع العمل غير القانوني، ينبغي القبول بان ذلك الميدان القانوني في ايران هو النضال الاقتصادي، النضالات المهنية، او النضال الذي له صلة بفئة محددة من الطبقة العاملة، مثلاً قسم النساء، القسم المديني او قسم الشباب من الطبقة العاملة.

اذا اراد حزبنا ان يكون عمالياً، ينبغي عليه، ان يتمكن في هذه المرحلة من ان يقوم بالعمل القانوني، وان تمكن من القيام بالعمل القانوني، ينبغي ان يكون قائداً للنضال الاقتصادي ايضاً. اريد ان اربط من هنا هذه النقاط سوية. اي ان اتصالنا بالعمال الطليعيين والارتباط بالقسم الطليعي من الطبقة العاملة في ايران، بالنسبة للحزب الشيوعي الايراني اليوم، هو المضي صوب الطبقة العاملة والتحلي بالاحساس بالنضال الاقتصادي لتلك الطبقة. لقد عبر الرفيق امير في بحثه هذه النقطة، واعتقد ان الاستنتاج الذي يخلص له المرء في نهاية البحث كان التاكيد مرة اخرى على ان "العمال سياسيون" وان اي امرء يمكن ان ينطق بالنضال الاقتصادي او يطرح تنظيم خاص بالنضال الاقتصادي، او يعد بتنظيم النضال الاقتصادي اليوم امراً عاجلاً للشيوعيين، يمكن ان يتهم بالاقتصادوية. لا اعد ذلك صحيحاً.

لا اعتقد ان هناك اختلاف كبير في الراي بيننا. اعتقد ان سبب ذلك هو ان الرفيق امير صاغ بحثه بالجدل مع الاقتصادويين. برايي الى الحد الذي يرتبط الامر بالحركة العمالية، فان اساس جدلنا مع الارادويين والمثقفين. في الحقيقة ليس لدينا اقتصادويين في ايران. برايي، وبنفس الدلائل التي ذكرتم، ليس لدينا اقتصادوية اساساً. ان كل امرء هناك هو من اجل هدف . ان كل امرء يتحدث عن النضال الاقتصادي لان لديه علة اخرى. عامل اتى ليقول اريد ثمان ساعات عمل ولا اعتقد انهم خمسة اشخاص هم كذلك( يرفعون هذا المطلب-م)، وان فكر وارتباط كل واحد فيهم بمكان. بيد انها محاكاة الاقتصادوية، من زاوية ورؤية ان "العامل، كامر تقليدي، اقتصادي النزوع"، فان الطرف مجبر على محاكاة الاقتصادوية كي يجذب القوى.

اعتقد ان اقتصادوي روسيا عام 1905-1906 لم يكون بدرجة من السذاجة كي يعتقد بـ "احيل الان السياسة الى البرجوازيين الليبراليين، واقوم انا عمليا بنضالي الاقتصادي". كان تصوره ان هذا سبيلاً يمكن من خلاله الابقاء على العمال، يكسب نفوذاً بينهم.... وعمليا كسب نفوذاً. كان عدد المناشفة في ثورة 1917 اكثر ويمتلكون قادة عمليين. ولان البلاشفة يتعاملون بطريقة اخرى، لم يتمتعوا بذلك النفوذ. ان حركة اللجان المعملية هي التي كانت تربط البلاشفة بالعمال، والا فان تعاملهم نفسه مع الحركة الاقتصادية لم تمد لهم، الى ذلك الوقت، يد عون تذكر لصلة البلاشفة بالطبقة العاملة.

اذا اردنا فعلاً ان نمضي لكسب القسم الطليعي من الحركة العمالية في ايران، ينبغي ان نرتقي باحساسنا بالنضال الاقتصادي للطبقة العاملة واهميته، لا ان نحط منه. استنتاجي هو ان هذا الشكل من الصيغة( صيغة وبحث الرفيق امير-م) يقلل من هذا الاحساس.

اعتقد ان مجموعة من الاحاديث مثل انك ذكرت "الاتحادات رجعية" وانا قلت "الامر ليس كذلك" وغير ذلك، من الممكن ان تخفف من اساس البحث. اذ لا ارى ذلك الحد من الاختلاف في الراي بحيث يقول احدهما غض النظر عن النضال الاقتصادي والاتحادات رجعية، فيما يقول الطرف الاخر: لا، الامر ليس كذلك. اعتقد ان البحث في مكان اخر. البحث حول طريقة التاكيدات التي طرحت. برايي، طرح سولماز المسالة في ابحاثه بصورة اوضح نوعاً ما، وسعى الى ان يقول الامر ذاته.

تتمثل المسالة بما يلي: حين يمضي الشعبويون صوب حركة الطبقة العاملة، وذلك لانهم لايعطون على وجه الدقة قيمة للنضال الاقتصادي. هكذا تعاملوا. فلو اعطو قيمة، لدخلوا الميدان بفكرة تنظيمية معينة، وبدرجة من تفاني تنظيمي معين، وبدرجة من فهم المصالح الاقتصادية المشتركة للطبقة العاملة، وهو العمل الذي لم يقوموا به.



تمثلت حركة الشعبويين داخل الطبقة العاملة بتكييف تنظيمهم السياسي لنفسه بين العمال، ان ذلك التيار الذي يفكر بالنضال الاقتصادي للطبقة العاملة، عليه، كقاعدة، ان يستفيد من تلك الديمقراطية لبناء منظمات غير حزبية، منظمات عمالية بوسعها ان تدافع عن المستوى المعيشي للطبقة العاملة وعن مكانتها الحقوقية في ذلك المجتمع او تحسنها. لم يقم احد بذلك. اني اعتقد كذلك ان منظمات بيكار، رزمندكان والوحدة الثورية وغيرها من منظمات يسارية كان يهمها النضال الاقتصادي للطبقة العاملة بنفس الدرجة التي كانت منظمة وحدت كومنيستي يهمها النضال من اجل الاشتراكية، اي لايهمها اطلاقاً. انهم يتحدثون عنه فقط. لانه اذا يهم احد ما شيئا ما فعلاً سيشرع بتنظيمه وتسييره وممارسته. لاتمارس وحدت كومونيستي او تطبق اشتراكيتها تلك، ولاتتعقب بصورة جدية حركة عمالية غير حزبية تستند الى قائمة من المطاليب الاقتصادية او الاقتصادية-الحقوقية. لقد كان كسب القوى من العمال هدف عملها التنظيمي في اغلب الاحيان. انها، ومثلما يقول سولماز، تضفي على نفسها صبغة اقتصادوية لانها مجبرة على ان تمضي هناك حيث تقتضي مصلحتها (الارتباط بالعامل-م). ان هذه هي ذيلية. اي ان هذه الذيلية هي بالضبط انعكاساً لشعبويتهم وفئويتهم واساساً عدم اعطاء قيمة لنضال الطبقة العاملة-بوصفها طبقة عاملة في وضع ومكانة بائعة قوة عمل. انها لاتعطي اهمية لهذا العمل اطلاقاً، وحتى انها لاتعمق اطلاقاً من مثل هذا الوعي ايضاً.



ان بحثي، وهو ما قد تم تناوله بصورة مخففة في بحث الرفيق امير- هو ان وعي الطبقة العاملة بنفسها بمثابة بائعة قوة عمل هو عمل يسبق وعيها بنفسها بمثابة حاكم جديد للمجتمع وغير ذلك. انه يسبق برايي، لابصورة تاريخية فحسب، بل يسبق في كل مقطع ومرحلة ايضاً. اي لا استطيع ان اتصور عامل لم يفهم ويدرك مفهوم "طبقة بذاتها"، اي "انا وذلك العامل نوع معين من الناس"، "انا وحسن وتقي، نوع معين من الناس" ولم يفهم ان العمال امام البرجوازية، امام اصحاب العمل، امام الدولة، شكل واحد، نوع واحد، ظاهرة واحدة، ولكنه يفهم انتزاع السلطة والاطاحة بالملكية، ويفهم السياسة الاشتراكية، وفوق هذا نوع محدد من النموذج الاشتراكي، من نوع ماركسيتها الثورية.



وهنا، ان تلك السياسة التي اولاها اهمية رفيق امير برايي- وامام الوعي الذاتي والاقتصادي للطبقة هي سياسة ديمقراطية. انها بحث لينين نفسه في "مالعمل؟". في "مالعمل؟"، يطرح لينين بحث النضال الاقتصادي. لم نرى يوما ما قط امرء يقول لاتضخم بهذا الحد النضال الاقتصادي والمطاليب الاقتصادية للطبقة العاملة، والتصق بالنضال من اجل الاشتراكية! اذ يطلق لينين، في بحث "مالعمل؟" ذاته، على هذا النمط من النضال بالاشتراكي، مع درجة من التسامح، اي نضالات تقوم بها الطبقة العاملة لنفسها فقط. يقول للعامل لاتلتصق فقط بهذا النوع من النضال، عليك ان تقوم بنضال من اجل المجتمع عموماً، من اجل التحرر من الاستبداد القيصري. انظر الى هذا الامر ايضاً! هكذا افهم بحث "مالعمل؟". ان هذا امراً طبيعياً وذلك لان هذا التيار هو السائد في تلك الحركة. اننا نريد ان نطرح انفسنا من جانب اخر من هذه الحركة. اذ لم تقل الطبقة العاملة و لمرة واحدة على امتداد تاريخها ماذا اريد انا، و لم نستطيع حتى متابعة ماتريده لثلاث سنوات متتالية. ليس للطبقة العاملة تنظيمها، ولاحزبها ولا المناخ السياسي الذي تستطيع ان تقول بسهولة وبراحة بال: بوصفي عامل لن ادخر جهدا عن هذا الكلام- ولايهمني اي نوع من الدولة في الحكم.



ماهي احد مشكلاتنا التحريضية اليوم؟ ان توضيح اننا نريد هذه الحقوق الان، مهما كانت عليه نوع الحكومة في السلطة.... لايفهم هذا احد منا. الجميع يقول: حسناً، في المطاف الاخير، ليس ثمة سبيل سوى الاطاحة بهم! اي معنى لبحث ثمان ساعات عمل واربعين ساعة في الاسبوع او ضمان البطالة؟ هل يمكن نيلها دون الاطاحة بالنظام؟! ترد فوراً ايضاً بالقول:"كلا، لايمكن نيلها، وهو يستنتج فورا: اذن اترك هذه المسالة، وتمسك ببحث اسقاط النظام!".

اقول اذا اخذنا بنظر الاعتبار بدلاً من ذلك، هذا النضال الاقتصادي للطبقة العاملة، النضال الطبقي، وبهذا المعنى، النضال السياسي للسلطة والاقتدار البروليتاري، عندها لا يناقض بعضهما البعض اساساً، بل لايمكن ان يكونا بدون بعض اساساً. كيف يمكن جر طبقة عاملة للثورة الاشتراكية، طبقة لاتستطيع ان تعرف نفسها بصورة عامة نفسها كبائعة لقوة عمل وتعبر عن مطاليبها بحدودها الادنى. يصعب علي تصور هذا. ان هذا الوعي داخل الطبقة العاملة الايرانية ضعيف الى ابعد الحدود برايي. حين نقارن هذا بالطبقة العاملة الانكليزية، اقول لم يصبح"مناهضة الامبريالية" وعياً طبقياً بالنسبة لنا، لم يصبح "مناهضة الاستبداد" وعياً طبقياً عندنا.

اذا اردت الحديث عن الوعي الطبقي فقط، العامل الانكليزي متقدم بعشرات الخطوات مقارنة بالعامل الايراني برايي. وذلك لانه، على الاقل، يعرف ان نفسه نوعاً معيناً من البشر في المجتمع الانكليزي. انه يعرف هذا. ولكنه يعتقد ان على هذا الانسان المحدد ان يقوم فقط بهذا النوع من التدخل المعين في هذا المجتمع، الدولة هي مديرة المجتمع او انها كل شيء. اذ يعرف، على الاقل، ماذا يعني ان يكون عاملاً، يعرف ماذا يعني ان يكون المرء عاملاً ومساواة العامل. يعرف ماذا يعني تقليل الاجور جنيهين في المكان الفلاني، يعرف ماذا يعني وصول هذا او ذاك للسلطة. يعرف صلة الرفاه وصلة الصحة باجره. انه يعرف هذه. ان ذلك الوعي الطبقي بذاته للطبقة العاملة الايرانية ضعيف. مقابل ذلك، ان وعيه العام-الشعبي، السياسي-الديمقراطي قوي. اني اتفق مع هذا. نهجم ونطيح بالحكومات الاستبدادية، ولكن اي شيء نحله محلها؟ ان طبقة ليس بوسعها ان تصون خندقها عشية الثورة، ولا تتمكن تاريخيا من صيانته كذلك..... ستمضي نحو مصدق*. يهجموا عليها، تذهب خلف خميني، ينكل بها، تمضي نحو المجاهدين، تمضي وراء كل امرء يطرح تحولاً سياسياً-ديمقراطياً. تغط في توهم كما لو ان المشكلة في الاستبداد، والا فان المجتمع برمته يفهم انه يجب ان يكون وضع العامل جيداً! لايفهم العمال ان الامر ليس كذلك. ولان تصورهم عن البرجوازية ضعيف، فان تصورهم عن طبقيتهم ضعيف بالقدر ذاته.

لماذا لايزال قسم من نضالنا موجه ضد الثورية السطحية المناهضة للنظام (اي مناهضة النظام كنظام بمعزل عن اساسه الطبقي-م)؟ وذلك لان الطبقة العاملة تفكر هكذا ايضاً. اذا لم يعبر العمال عن انفسهم عن ثورية سطحية ضد النظام، سيعرفوا البرجوازية افضل، اذا كان المجاهدون فقط يبدون ثورية سطحية ضد النظام، لاتكون لدينا مشكلة تذكر. مسالتنا هي خروج العامل والهتاف بعاش خميني او يمضي خلف معارضة تقوم باعمال تفجيرية.

ان كلام سولماز صائباً برايي. ان الحزب الذي يولي اهتمام للنضال الاقتصادي، يرسم مجموعة من مؤسسة فكرية-عملية للمطاليب الاقتصادية. سيضغط علينا الاسفل، ولم نقل يوماً ما ان هذه ليست مشكلتنا. يضغط علينا من تحت، نحن لانقدر ايضاً ... ان هذا هو حال الحزب. يقول الذين في القاعدة: "الربح الخاص"، "قانون العمل"، "طرح تصنيف المهن"، ونحن باقين نتلعثم. الا "الاسفل" نفسه يكتب شيئاً بهذا الخصوص، ونرتشه نحن وننشره في جرائدنا.

ينبغي ان يساور الحزب القلق على هذه الوضعية. والا سينفصل عن قاعدته. دعني اقول الامر بالشكل التالي: اذا استمر هذا الوضع، سيقف قسمنا العمالي داخل البلد بوجه لجنة التنظيم وقيادتنا. يقول القسم العمالي: انا مع عمالي، انا باندغام معهم، انشد تحويل نضالهم الى نضال اشتراكي، في حالة غياب اي خط وتوجه عندك، لاتعرف كيف تمضي للمجالس، لاتعرف كيف تتدخل في النضال القانوني، لاتعرف كيف ينبغي التعامل مع جمع يريد تاسيس نقابة. انك لاتقول لنا اي منها؟ من الواضح سانفصل عنكم، وسامضي خلف من يرد على هذه القضايا.

ان بحثي هو هنا ايضاً. ان دعوانا مع اي تيار هي حول نوع الرد الذي بوسعنا ان نقدمه حول اية مسالة، وليس حول اختلاف مسائلنا عن بعض. اذا قبلنا بان قضية النضال الاقتصادي هي قضيتنا، عندها دعوانا على الاقتصادوية تجد لها معنى ما. وعليه، ان تمايزنا مع الاقتصادوية ليس حول من هو الاهم: السياسة ام الاقتصاد؟ بل حول كيف يمكن الدفع بالاقتصاد. انها الاقتصادوية الروسية من كانت دعواها حول ايهما اهم السياسة ام الاقتصاد. ليس بوسع دعوانا على الاقتصادوية الايرانية ان تكون حول هذا. ان الاقتصادوية في ايران، وطبقاً للتعريف، وعلى قول امير نفسه، هي سياسية جداً كذلك. اي ليس لدينا اقتصادوي مثل اقتصادويو روسيا. ان دعوانا على الاقتصادوي الايراني، على درب العامل ورزمندكان وغيرهم هو بالضبط حول: في الحقيقة، اي نوع من التنظيم غير الحزبي ينبغي ارسائه والشروع بارسائه. ان القيمة نفسها التي يعطوها للنضال الاقتصادي او العفوي ليس بوسعها ان ترسم حدودنا.

لا اقصد ان اغض الطرف عن ذلك الشكل الظاهري-ليس الشكل فقط، بل ذلك المحتوى الاقتصادوي الذي لنشاطهم في الطبقة العاملة، واقول انه ليس مهماً. اني اتفق مع ذلك. ولكن اود ان اقول انه ليس جواباً كافياً. اي ان توجيه سياط النقد لكلامك بانه، وطبقاً لـ"مالعمل؟" اقتصادوياً تماماً، لايرد على الامر. يقول الطرف المقابل:"حسناً، اذهب واطرح ارائك، ان القادة العمليين هم متفقين مع ما اقوله". مهما تحاول ان تطلق الشتائم على الاقتصادوي! لا اسميه اقتصادوية، ولا هو كرئيس عمال ناشطين في المطابع! يقولون علينا بروليتاريا، واطلق عليه اسم مثقف داخل الطبقة! وهو العنوان الذي يلتصق بك. برايي اذا لم نتحلى برد على هذه المسالة، سيُلصق هذا الوصف والادعاء بنا.

فيما يخص السمة الرجعية او غير الرجعية للنقابات، وهو الموضوع الذي تم تناوله هنا، ان هذا البحث غير صحيح من طرفيه. بحث يقول انها رجعية، واخر يقول انها غير رجعية اساساً. انها رجعية في اماكن كثيرة برايي. حتى ان الحركة النقابية التي هي غير صفراء كذلك هي رجعية. ان هذا يعتمد على قياسها بممارسة اجتماعية موجودة فعلاً. اذا قال امرء ما ان الحركة النقابية في بريطانيا رجعية، سارد عليه بالقول ان تطلق كلامك من فراغ. حيث عليك ان تقول: حين انتزع هذه العصا من يد الطبقة العاملة، اي عصا كنت قد وضعتها في يدها؟ ينبغي ان تنظر لمايلي: امام اية حركة اخرى للطبقة العاملة تجد الحركة النقابية نفسها؟ اذ لا تقيم الحركة النقابية في بريطانيا نفسها امام اية حركة اخرى. وعليه، فان كل امرؤ اتي حاملاً مطلب دمقرطة هذه النقابة- اسست الان مجموعة في نوتنكهام شاير نقابة واعتراضهم هو ان نقابة المعادن غير ديمقراطية-على خط ماركريت تاتشر، انا اقول ذلك ايضاً، النقابات غير ديمقراطية. ولكن، وبصورة واقعية، حين لاتكون منهمكاً بتاسيس اي نقابة ديمقراطية وثورية، وحين تكون الحركة الشيوعية غير منهمكة بقيادة ديمقراطية-اقتصادية للطبقة العاملة، فان النضال نفسه ضد الاتحادات العمالية حول مسالة "الديمقراطية" اليوم يعني تاتشرية.

ما اريد قوله هنا هو ان على المرء ان يعرف دوماً هو انه امام اية ممارسة موجودة فعلاً يقيس ظاهرة ما ويصنفها تحت طائلة "رجعية" او "لاثورية" او غير ذلك؟ اي اذا اردنا الحديث على هذا المنوال، اي استناداً الى النظرية و بصورة مبدئية، واستناداً الى ما ينبغي ان يقول الناس المبدئيون، فان اشياء كثيرة رجعية. من جملة ذلك، ان مجمل حركة جنوب افريقيا هي رجعية تماماً. مجمل حركة ايرلندا هي رجعية حتى نخاع العظم، مجمل حركات النقابات في بريطانيا هي رجعية استناداً لذلك. أليست القومية رجعية؟ قومية، وفي بريطانيا؟ ولتلك النقابات جذر قومي. الا تعد الاصلاحية والبرلمانية ظواهر رجعية؟ انها كذلك ايضاً.

ولكن تتمثل القضية في: اذا من المقرر ان ناخذ بنظر الاعتبار الرجعية، مناهضة الرجعية، الثورة، مناهضة الثورة، استناداً الى صيغ اهداف الطبقات في مستوى محدد في المجتمع، وان لاننظر الى هذه الطبقات والاصطفاف الطبقي خلف هذه الصيغ، ستواجهنا مشكلات كثيرة. من بين ذلك، تصبح الثورة الايرانية نفسها، مع صيغة "ينبغي اقامة دولة اسلامية"، حركة رجعية .

اقول طالما ان تلك الصيغة الرجعية، على الاقل غير ثورية، الاصلاحية، البرلمانية هي الشكل الوحيد لبروز احتجاج طبقتنا، عندها لايمكن اطلاق كلمة رجعي تجاهها برايي. ان مجمل المأخذ الذي بوسع المرء ان يأخذه على اليسار في اوربا انه بمنظومة تناوله هذه يسمح بالابقاء على هذا الشكل فقط من بروز احتجاج الطبقة العاملة في اوربا. والا بوسعنا ان نقول: لا للنقابات، ولكن نعم لحركة الاجتماع العام مثلاً او حركة مسؤولي الفروع. ولكننا لانستطيع ان نقول شيئاً مثل هذا. اذا استطعنا في ايران ان نسير حركة الاجتماع العام او الحركة المجالسية، عندها نستطيع القول بوضوح ان الحركة النقابية رجعية-اي اذا قمنا بهذا العمل. اي اذا نهضت حركة الاجتماع العام في ايران ومورست الديمقراطية المباشرة للعمال في الاجتماعات العامة، حين يؤسس قادة حركة الاجتماع العام على صعيد عام حركة مجالس ويتخذون مواقف سياسية، ولايتناولون الاقتصاد فقط ويعجنوا انفسهم بالاحزاب ويعملوا فيها، اذا اتي امرء في تلك الاوضاع وقال اريد ان اقيم في طهران نقابة عمال النسيج، سنرد عليه بالقول: ان العمل الذي تنوي القيام به هو عمل رجعي! كن منطقياً!

برايي، بخصوص النقابات، لايمكن اطلاق حكم رجعيتها من عدمه استناداً فقط الى شكلها او استناداً الى تعريفها الكلاسيكي. في الحديث الاخير للرفيق امير، يبدوا ان هذا الجانب من البحث مخففاً. انه جواب حركة. وفق هذا المعيار، يمكن اطلاق كلمة رجعي على النقابات، من بينها الحركة النقابية في امريكا نفسها اليوم. اي ان حركة النقابات العمالية في امريكا هي قوة رجعية مقارنة بحركة مناهضة حرب فيتنام. الحركة النقابية في امريكا الان هي حركة رجعية-عصاباتية مقارنة باي تيار يدافع عن حقوق الانسان. ولكن الامر ليس كذلك في بريطانيا. واقل من ذلك في فرنسا. ان الحركة النقابية في بولندا غير رجعية اساساً برايي، في الوقت الذي مجمل صيغ اهدافها رجعية، مقارنة بالاشياء نفسها التي تجري في بولندا.

لماذا اقول هذا؟ وذلك لانه الشكل الممكن نظرياً لبروز احتجاج طبقتنا. لا استطيع ان اطلق عليها رجعية باستسهال. ولكن اذا كان هناك شيئاً اخر، وبوسعك ان تشير اليه ان هذا الشكل من التبدي والظهور هو امام ذلك الشكل من البروز، بديلاً للاخر، عندها ينبغي التحدث بصراحة على انها حركة رجعية ومن قبل البرجوازية حتى لو لم تكن صفراء ايضاً، وحتى لو لم تكن زاباتوفية، حتى لو لم تكن خط خامس وحسنة النية كثيرا كذلك. وفي الحقيقة، ستنال هذه الحركة دعم البرجوازية كذلك في تلك المراحل.

على اية حال، لا ارى اختلافا يذكر مع بحث الرفيق امير، ولا ادفع البحث الى تلك الحالة الاستقطابية مثل الرفيق رضا كي اشتكي مثلاً من ان حملة شنت على المطاليب الاقتصادية للطبقة العاملة او على ضرورة العمل في حركة الطبقة العاملة او على اهمية المطاليب الاقتصادية. بيد ان صيغة بحثنا نفسها حول المنظمات الحزبية وبوجه الاقتصادوية تضعنا بصورة طبيعية في احضان التيارات البعيدة عن الطبقة العاملة والمفصولة عن الطبقة العاملة. في هذه المرحلة، ينبغي ان يضعنا اي بحث شامل حول المنظمات غير الحزبية جوار تلك القوى التي تنشد تنظيم الطبقة العاملة بطرق غير حزبية، لا العكس. ان استنتاجي العام من البحث-البحث الذي طرحه الرفيق امير هنا وليس في الجريدة- حسناً، مع سكوتنا على مانقوله حول المجالس وغيرها، بالاضافة الى توجيه النقد للنضال النقابي، لم يترك شيئاً حول هذه المسالة. سيهددنا هذا الخطر اكثر بصورة واقعية.

اود ان اشير الى نقطة اخرى، ينبغي ان لانأخذ التاكيد على ضرورة العمل غير الحزبي بين العمال من باتاليا ، الا اذا اردنا ان يكون نصب اعيننا اطار اوربا تحديداً. لماذا اقول هذا؟ وذلك لان باتاليا لاترفض الحركة المهنية من زاوية حركة شعبوية-ديمقراطية، بل ترفض الحركة العمالية من زاوية برنامج الحد الاعلى. في "مالعمل؟"، يطرح لينين امام الحركة العمالية خصوصاً اهداف برنامج الحد الادنى بوصفها الحركة السياسية للطبقة، وان هذه نفسها عممها تيار الفدائيين والخط الثالث وغيره امام حركة الطبقة. اي ان بعد الحركة الشيوعية في ايران عن الحركة العمالية ليس بسبب انها اشتراكية جدا، انها بدرجة من الاشتراكية بحيث لاترغب ان تتناول هذه الاعمال- بل انها ولشدة معاداتها للديكتاتورية وحركتها العامة (الشعبية-م)- الديمقراطية لاتعطي قيمة للانسجام الداخلي للطبقة العاملة، وان هذا يثقل مهمتنا كذلك.

اذا اردت ان تناقش مع باتاليا، فان النقاش يتمركز حول التدخل، حول ممارسة تنظيمات الحزب. في وقت ان النقاش مع الشعبوية الايرانية هو حول الهوية العامة (الشعبية-م) والهوية المستقلة للطبقة العاملة. يبدو انه مستوى اخر من التجريد. انه خطر لازال يهددنا برايي.

من الممكن ان يُفهَمْ ان الحزب الشيوعي مضى في مرحلة صوب الطبقة العاملة، والان مع اندلاع الثورة، يمضي بقواه التنظيمية صوب الجميع. من الواضح، لاينبغي عندها الانزلاق لموقف الاقتصادوية التي هي ملحق لشعبوية تلك المرحلة. في الوقت ذاته لاينبغي الانزلاق الى درجة عدم الحاجة الى الطبقة العاملة وابراز وجودها غير الحزبي والجماهيري في النضال.

ملاحظات المدون والمدقق:

1- الخط الخامس، تيار (كاركر كاركري)-عامل عامل- تيار يلهج باسم العامل، ذا سمة خاصة بالاستهزاء بالمثقف، اهانة النظرية واطراء "تشقق يد" العامل

2- باتاليا، اشير لها عدة مرات في البحث، لم نحصل على معلومات خاصة بشانه/ها.

البحث شفهي، دونه دنيس ازاد عن ملف صوتي ودققه خسرو داور مسؤول صفحة منصور حكمت.

ملاحظات المترجم:

*محمد مصدق: رئيس وزراء ايران اطاح به انقلاب مدعوم من المخابرات المركزية والامريكية والبريطانية في اب 1953 وذلك لاهدافه في تاميم النفط وغيرها حوكم على اثره بالاعدام ثم خفف الى 3 اعوام وبعدها فرضت عليه اقامة جبرية مدى الحياة.

تمت الترجمة عن النص المنشور في سايت منصور حكمت. الندوة جرت في اواخر اب 1985.

مقالات