منصور حكمت

بصدد النضال ضد الدين


ترجمة: فارس محمود
اذر ماجدي: اجريت لك مقابلة منشورة في مجلة برسش (سؤال) بصدد تنامي وافول الاسلام السياسي. هناك نقاط كثيرة في هذه المقابلة اود ان اتحدث معك حولها. ولان الوقت لايسعفنا ارغب بتوجيه بعض الاسئلة فقط لك حول بعض النقاط الواردة فيها. ان احد المسائل التي طرحتها، وانقل هنا نص مباشرة حيث تقول "ان العلمانية هي مجموعة اوضاع الحد الادنى" وتسترسل "اني لاانشد العلمانية فقط، بل النضال الواعي للمجتمع بوجه الدين"، اود ان اعرف ماهي عناصر وخصائص هذا النضال؟

منصور حكمت: حين نتحدث عن الدين وبالاخص الاسلام في هذه المرحلة، ينبغي ان نضع في حسباننا ان هذا الظاهرة التي يمكن الاشارة لها هي مبعث مصاعب والام للبشر. مبعث قمع وانعدام الكرامة، مبعث اهانة الانسان. وعليه، اننا نواجه بلاء وقضية ينبغي تخفيفها. مثلما لاتعتبرون على سبيل المثال ان الادمان على المخدرات هو امر شخصي فقط، وتسعون الى استئصال الادمان من الاساس. حتى لوكان مجازاً للانسان ان يتعاطى المخدرات ايضاً، لانعتبر ان ذلك امراً كافيا، ونعتقد ان من الواجب القيام بعمل ما من شانه استئصال هذه العادة عند الانسان، الامر يصح على الدين كذلك. ان الدين هو ايضاً ظاهرة مهما كان المرء حراً في تبني أي فكر او عقيدة تجاه أي شيء، فان الاعتقاد والايمان بمثل هذه المجموعة الفكرية والسياسية والمدنية التي اسمها الدين ودين الاسلام هو مصدر ماسي الجماهير، وعليه، يجب النضال ضده مثل أي بلاء اخر. ان احالته بذاته الى امر خاص وشخصي للناس ليس كافياً برايي. ينبغي ان يقوم المجتمع بعمل ما يزيل الاسلام معه. بقول بسيط، ينبغي القيام بعمل من شانه ان يضحمل الدين بصورة حرة وطوعية من قبل الناس. لايكون الناس اسرى له بعد، ان لايقعوا تحت تاثيره بعد، وان لايقمعوا جراءه، لايعانون المصاعب وتكبلهم الخرافة. ماهو سبيل ذلك؟ التربية والتعليم. انه دولة وحكومة حرة تعلم المواطنين الحقائق السياسية، الاجتماعية، المدنية، التاريخية، البيولوجية، والفيزيائية والطبيعية، تصون بقوانين مدنية الناس من تطاولات المؤسسات الدينية وصناعة الدين. ينبغي النظر الى الدين على غرار صناعة التدخين برايي. مثلما ان بوسع كل شخص ان يتعاطى السكائر، تصيغ قوانين بحيث ان لاتستغل شركات السكائر او تستفيد من ادمان الناس، وان تخلق لهم الامراض اكثر من الطبيعي، وان لايكون لها القدرة على اطلاق اياديها في جر الاطفال والفتيان لادمانها و... الخ، ويجب ان تكون هناك القوانين ذاتها فيما يتعلق بالدين. يجب ان تكون هناك قوانين لاتسمح لصناعة الدين التي لها دكانها ايضا ان تدمر حياة الناس. يمكن القيام بعمل ما على امتداد جيل ان تخلق مجتمع حر يستاصل فيه الدين مثل الملاريا، مثل الادمان على المخدرات.

اذر ماجدي: لقد ارسلت البحث بالتحديد الى حيث ماكنت اود ان اسالك عنه. لقد تحدثت عن الصناعات الدينية وصناعة الدين وقارنتها بصناعة الدخان. اود ان اسال ماذا تقصد بالصنائع الدينية وصناعة الدين؟ هل كان مزحة ان تقارن صناعة الدين بصناعة التدخين؟

منصور حكمت: اطلاقاً! ليس الامر مزحة قط. اني اطلق عليها صناعة وذلك لان هناك العديد من يعتقد ان الدين هو عقائد الناس. ليس الامر كذلك! ان الدين صناعة. لها اناس اصحاب... لمصلحة عدة ومصدر لثروة مادية وقدرة سياسية لطيف معين في المجتمع وتخدم سلطة سياسية وطبقية في المجتمع. الدين صناعة توظف وتتناقل فيها مليارات الدولارات. اذ من هذه الاموال يتم سداد كلفة دعايتها. ان هذه الاموال تستل من جيوب الناس سواء بالحيلة اوالاحتيال. في ايران، تستل الحكومة هذه الاموال من جيوب الناس. انه مؤسسة اشاعة الاكاذيب. امرار الكذب للجماهير. ارعاب الناس. ارعاب الناس في هذه الدنيا بالعنف، وفي تلك الدنيا بالعقوبة. انه مثل مافيا بالضبط. ان المؤسسة الدينية، سواء أكانت المسيحية ام الاسلامية ام اليهودية، وقبل ان تكون مجموعة من المعتقدات الاجتماعية، فانها بناية وعمارة اجتماعية ضخمة تقف على اقدامها، تجني الضرائب، تستلم الاموال وتصرف لبقائها وسلطتها وحكمها. وعليه، فان صناعة الدين هي ظاهرة ضخمة في العالم. اذا اضفت الاموال التي تنفق على الاسلام الى الاموال التي تنفق على الكنيسة المسيحية، سترى انه يمكن مقارنتها بثروة اكبر الشركات العالمية. يمكن مقارنتها بالميزانية العسكرية لعشرات البلدان سوية. ولهذا، يجب النظر اليها كصناعة تسعى بوعي لبيع منتوجها. تسعى لايجاد سوق لها، تسعى لان يدمن عليها مستهلكيها.

ان المجتمع الذي ينشد تحرير نفسه، يجب ان يجابه الدين بالعنوان وبالصفة ذاتها. يجب ان لايتصور انها مجموعة تؤمن بحمار الدجال (الدجال الذي يمليء الارض فساداً ليظهر المهدي المنتظر –م) والبكاء والنحيب لعيون كربلاء. انها صناعة هائلة لاشاعة الخرافات، ارعاب الناس وانقياد ورضوخ الجماهير لقوة وسلطة الطبقات الحاكمة. اذا اردت مجتمع حر، عليك ان تنفق، تخصص قوى، تخصص قوى انسانية كي تجابه هذه الظاهرة، مثلما تجابه عصابات المخدرات، مثلما تجابه الشركات الربحية التي تنهب، تسلب وتخلف ورائها دماراً. ينبغي ان تجابه صناعة الدين ايضا على الغرار ذاته.

من الجلي ان عقيدة أي امرء هي محترمة بالنسبة له، وينبغي ان يتمتع كل انسان بحق ان يؤمن باي شي يؤمن يريد. ولكن اذا شيدت استناداً الى تلك المعتقدات والافكار عمارات سياسية، نظامية وثقافية هدفها ارضاخ الجماهير، ينبغي عليكم نيابة عن المواطنين ومن قبل مواطني المجتمع ان تجابهها.

اذر ماجدي: ساتطرق لاحقاً الي النقطة التي اشرت اليها في الاخير. ولكن قبل ذلك، اود ان اعرف ان من الممكن ان العديد يعتقدون ان هذا هو فقط حال الجمهورية الاسلامية في ايران بوصفها دولة دينية تماماً او حتى الفاتيكان، كدولة، بنفس المعنى الذي ترى فيه الدين. ولكنك أتقارن الدين في اوربا الغربية وكذلك في بعض الاماكن الاخرى التي الدين مفصول فيها عن الدولة، وعلى اية حال، لايتمتع بدور يذكر في حياة الناس، بعصابات المافيا كذلك؟

منصور حكمت: اولاً ينبغي علي القول ان في اوربا التي لايتمتع الدين بذلك الدور، فان ذلك يعود الى ان العمل الذي تحدثت عنه قد نفذوه بحقه في القرون السابقة. ذهبوا وصادروا امواله ووقفه. سنوا قانون لايجيز للدين التدخل في التربية والتعليم، وسنوا قانون لايجيز تدخل الدين في الاحوال المدنية للناس و.... وعليه، لاتعتبر اوربا اليوم مثال جيد لفهم مايمكن ان يكون عليه دور الدين. بوسعنا العودة قرن للوراء ورؤية ماقام به نفس الدين من اعمال بحق الجماهير. اذ لم يكن هناك مناص للبابا من الاعتذار وذلك لمد الكنيسة الكاثوليكية ليد العون لهتلر ومحرقته البشرية. ان مثال اخر هو ايرلندا الشمالية، حيث اصطف فيها البروتستانتيين امام مدرسة ابتدائية ليرجموا فتاة عاملة في المدرسة الابتدائية او حتى يرموا قنابل موقوتة او رمانات يدوية، وذلك لان اؤلئك كاثوليكيين وهم بروتستانت! ينبغي النظر الى احداث يوغسلافيا والصراعات التي جرت هناك. ينبغي النظر الى الشيشان وافغانستان. ولهذا، فان الدين برايي يتمتع بهذا الدور عموماً. في اماكن من العالم، لجمت الجماهير الدين واجلسته في مكانه الى حد ما، واتخذ هناك لبوساً متمدناً. ولكن في المطاف الاخير، ان الدين دائماً موجود، حي وحاضر دوما هناك بوصفه قوة احتياطية. نعم اني اصنف الكنيسة المسيحية في اوربا الغربية بالضبط في الاطار ذاته كذلك. ولكن هذا الدين الان ليس بالدور الكارثي الذي عليه الاسلام، اذ يقوم على سبيل المثال في ايران وافغانستان باعمال قتل، بيد ان دوره واضح في قمع النساء، في ضرب الافكار التحررية والتصدي للابداع، وفوق هذا فان اياديه في جيب الجماهير. اذ لازالت الكنيسة ايضاً ايديها في جيب الجماهير الى حد كبير. رغم ان ضرره ليس بمستوى مانراه في ايران وافغانستان والسعودية، الا انه مشهود وملموس، والا فانه يمكن وبالارقام والاعداد التدليل بصورة تامة على الدور الذي تقوم به الكنيسة.

في اماكن اخرى، من الواضح ان الكنيسة انعطفت ضد الانظمة الاستبدادية، على سبيل المثال في امريكا اللاتينية وغيرها. ولكن في الحقيقة ليست الكنيسة من انعطفت. انها الكنيسة هي من رات ان الجماهير يساريي النزعة وسعت للسير مع الجماهير من اجل حفظ بريق دكانها. ولكن في أي مرحلة او منعطف اجتماعي جدي ترى الاسلام والدين جنباً الى جنب الطبقات الحاكمة يوجهانها ويبرران القمع والاخضاع الاجتماعي.

اذر ماجدي: اشرت في سؤالك السابق ان ينبغي انفاق الاموال، تخصيص القوى وازاحتهم. حين يكون الحزب الشيوعي العمالي في السلطة والنظام في ايران هو جمهورية اشتراكية، ماهي الاشكال التي يتخذها هذا العمل؟ لقد ذكرت ان افكار ومعتقدات الناس محترمة... من الممكن ان هذا لايوضح بالضبط اسلوب التعامل مع الدين والمساجد والملالي، والجماهير التي تؤمن بالاسلام؟ ان امكن توضيح لنا ذلك؟

منصور حكمت: برايي ان عقائد الشخصية للناس هي محترمة عندهم. قد لااحترم العقائد العنصرية والعرقية لاحد، وهو ما لااحترمه، ولكن اذا ما اراد نفسه ان يفكر بهذه الطريقة، يبقى رايه طالما لايسبب أي اذى لاحد. لكل امرء في أي مكان من العالم الحق في ان يفكر باي شكل يريد. لايحق احد ان يضع قانون على العالم الداخلي للاخرين، ويقول لهم لايحق لكم التفكير بهذا الشكل او ذاك. ان هذا لايعني بالطبع اننا لانسعى لتغيير افكار الاخرين. ينبغي ان يخير الانسان في الاختيار مابين الافكار والاراء المختلفة. ينبغي ان يتمتع بالامكانية على الاختيار. ان الدور الاساسي للدين هو ابعاد بقية الافكار والاراء التحررية عن انظار الجماهير عبر القسر والتعصب، ويضع قانون ضدها. لقد اعتقلت طالبان مجموعة في مدينة كابل وسعت الى اعدامهم وذلك لانهم ارادوا الدعاية لدين اخر! هناك، قد يكون هذا شديد ومفرط جدا، بيد ان هذا محتوى وماهية عملهم جميعاً. ان التربية والتعليم هما مسالة اساسية، أي ان لايكون الناس بحاجة الى الايمان بالخرافات وان يعلموا ان العالم هو شيء اخر. بيد ان التربية والتعليم ليسا كافيين. ينبغي سن قوانين تضع هذه المؤسسات الدينية تحت الرقابة. على سبيل المثال، ان تدقق حساباتهم المالية مثل أي مؤسسة اخرى. في المطاف الاخير، ينبغي ان تخضع المنظومة الاسلامية للقانون ذاته الذي يسير وفقه شركة بسكويت فيتانا، او شركة سخانات الماء او شركات وينستون وكمل للدخان، ينبغي الاطلاع على حساباتهم، لمعرفة من اين اتت اموالهم وكيف انفقوها. قدمت ضريبتها ام لا، رؤية هل جرى اختلاس ما، الم تتحايل على الحكومة، الم تقم بابتزاز وغيره.

هناك سلسلة قوانين تؤمن بشكلها الراهن كذلك على منع الممارسات الدينية. لو اتخذنا قانون حماية الحيوانات وطبقناه بجدية، عندها سيكتسح قسم كبير من الشعائر الدينية. وذلك لانهم يعاملون الحيوانات بقسوة متناهية. اذا ندافع عن حقوق الاطفال عبر قوانين تليق بحقوق الطفل، فان قسم كبير من النشاطات الدينية سيتوجب ايقافها، وذلك لانها تتنافى مع حرية الطفل، وذلك لانه ينبغي صيانة وحماية الاطفال من التهديد، التخويف، الحاق الاذى والعمل الاجباري وغيره. اذا حمينا حقوق المراة بدقة، لايمكن للدينيون تطبيق العديد من قوانينهم. اذا كان من المقرر ان تكون حقوق المراة متساوية بالرجل في المجتمع، تغدو كل قوانين العائلة، الزواج، الطلاق، الميراث التي جلبها الاسلام على سبيل المثال غير عملية وينبغي اركانها جانباً. واينما سعى انسان لطرحها، سيجد انها باختلاف مع القوانين المدنية للبلد. ما اود قوله هو اذا ما دافعنا عن الحقوق المدنية للانسان، سيطوى قسم كبير من الدين. واذا دافعنا عن العلم وحرية التفكير، فان قسم كبير منه سيطوى. ولكن لو بقى في المطاف الاخير ٢-;-٥-;-٠-;- شخص من ٦-;-٠-;- مليون نسمة في ايران يؤمنون ان عليهم ان يصلوا عدد من الركعات يومياً وذلك لوجود يوم الحشر، واذا لم يقم بذلك سيواجه تبعات ذلك، ودون شك عليه ان يذبح خروف بين فترة واخرى وذلك لان في يوم ما ان ابراهيم الخليل كان على ابواب ان يذبح ابنه... فان ذلك يعود لهم. ان اناس اكثر غرابة من ذلك موجودون في عالمنا هذا. بيد ان هذا لايغدوا ولايصبح قانون اجتماعي ولايخلق مضايقات لاحد. وحتى اذا افترضنا انهم انفسهم اناس يؤمنون بالخرافات ويتصرفون مع عوائلهم وابنائهم ليس من زاوية حقوقهم المدنية، بل من زاوية دينهم وتعصباتهم، ستتصدى الدولة لهم حينها. اني لااؤمن بوجوب ممارسة العنف والقسوة على الاسلام او اساساً استخدام العنف بوجه المسائل الاجتماعية الاخرى الموجودة. بيد اني اؤمن ان استخدام القوانين والتوعية سوية بوسعه وصد باب الاسلام. لقد اعلن رئيس الكنيسة المسيحية في بريطانيا على سبيل المثال ان وضع المسيحية في تدهور، وليس هناك اثر من المسيحية باق. لماذا؟ لان الناس ليس في حاجة اليها، ولهذا ليس بوسعه عمل شيء.

* ان اصل النص شفهي. ان النص قد تم نقله من تسجيل صوتي. نشر لاول مرة في ٥-;- كانون الاول –ديسمبر ٢-;-٠-;-٠-;-٤-;-. تمت الترجمة عن النص الفارسي وقورن بالنص الانكليزي المنشورين في سايت منصور حكمت hekmat.public-archive.net.

مقالات