منصور حكمت

الفصل مابين القول والعمل

ترجمة: فارس محمود
رفاق!
اود ان اتحدث اليكم اليوم عن نتائج الاجتماع الموسع الثاني للجنة المركزية للحزب. ان ما اعرضه هو تقرير غير رسمي. ان هذه المسالة مهمة كثيراً، واتطلع الى ان يولي جميع الرفاق انتباههم لها بدقة، ويسعوا الى ادراكها بصورة عميقة ويقيموا ويحكموا على درجة استعدادهم وطاقتهم للدفع باسلوب حل هذه المسالة الذي وضعه الاجتماع الموسع على جدول اعمالنا وتنفيذه. بعد تبادل الاحاديث هنا، على كل رفيق ان يكون قادراً على ان يوضح لنفسه مسالة الى اي حد هو على استعداد ان يكون مناضلاً دؤوباً في سبيل التغلب على هذه المسالة.

ولكن ماهي المسالة؟ لتوضيحها افضل، اسمحوا لي ان اعود الى مرحلة تاريخية اخرى، الى الحزب البلشفي بعد استلام السلطة واورد لكم حديثاً للينين. ان الوضعية التي صورها لهي من بعض الجوانب ذا شبه بوضعنا القائم.

يذكر لينين في تقرير اللجنة المركزية للحزب الشيوعي (البلشفي) الى المؤتمر (11) عام 1922 (اي اخر مؤتمر حضره لينين):-

"لقد مرت سنة. كانت الدولة بايدينا. ولكن هل عملت هذه الدولة في ظل السياسة الاقتصادية الجديدة (نب) وفق اسلوبنا؟ كلا. لانريد الاقرار بهذا، ولكنه واقع الحال. ولكن كيف عملت اذن؟ لم تمضي هذه الماكنة حيث ننشد، بل مضت حيث تدفعه قبضة الراسمال الخاص وموظفي الاوراق المالية غير القانونيين وغير العلنيين الذي لايعلم احد من اين حلّوا. ناهيك عن ان الماكنة لم تمضي حيث يتخيلها المرء الجالس خلف المقود. انتم الشيوعيين، انتم العمال، انتم العمال، انتم القسم الواعي من البروليتاريا الذين توجهتم الى ادارة امور الدولة، عليكم ان تقوموا بما من شانه ان تعمل الدولة التي بايديكم وفقاً لاسلوبكم".

يتحدث لينين هنا عن عدم تحكم الحزب البلشفي، بعد 5 اعوام من انتزاع السلطة، وبعد عام من طرح السياسة الاقتصادية الجديدة، بماكنة الدولة، اي اداة تنفيذ خططه الاجتماعية. اي ان الدولة اداة تمضي بسبيلها وبجهة معاكسة لماينشده البلاشفة الجالسين خلف مقودها. يسعى لينين على امتداد التقرير الى ان يبين ماينبغي عمله حتى تتحرك هذه الماكنة حيث ينشد البلاشفة، اي الشيوعيين والعمال الواعين.

نعرف جميعاً اليوم ان هذه الماكنة لم تمضي، في المطاف الاخير، الى حيث ينشد البلاشفة، ونعلم ماذا حَلَّ بالحركة الشيوعية والعمالية العالمية.

اعتقد اننا اليوم في اوضاع مشابهة، (لا من الناحية الكمية، بل على الاقل من الناحية النوعية). اي علينا ان نحدد ان الماكنة التي بايدينا، من اجل تنفيذ خططنا، تمضي حيث ننشد ام لا، وان لم تكن تمضي، ما ينبغي علينا القيام به لتسير حيث ننشد. ان هذه الماكنة هي تنظيماتنا. اذا لم ننجح في هذا المسعى، فان مصير الحزب البلشفي يرسم كذلك، بنحو ما، مصيرنا امام انظارنا. يتحدث لينين عن ان هناك هوة مابين كلام البلاشفة وبرنامجهم وخططهم ومابين عملهم.

في اوضاع اليوم، ثمة هوة جدية مابين كلامنا وخطتنا وبرنامجنا وبين عملنا. يقول لينين لا اعلم اي قبضة راسمال خاص مقامر يدفع ماكنة الدولة نحو الجهة التي تمضي نحوها. ينبغي ان نحدد اليوم اي القوى والتيارات الواقعية التي تدفع تنظيماتنا الحزبية بصورة معاكسة لميلنا ورغبتنا.

ان هذا الامر هو مسالتنا الجدية الراهنة. جعل الاجتماع الموسع للجنة المركزية للحزب هذه القضية محور مناقشاته وحزم امره على ردم هذه الهوة. تستلزم هذه القضية الانتباه الجدي لجميع رفاقنا لانه ردم الهوة مابين قولنا وعملنا هو نفسه هدف وخطة لاينبغي ان يبقيا على الورق.

ماهو فصل القول عن العمل؟
قد لايرى ببعض الرفاق في بداية الامر هذا الفصل على انه شيئا مهما. ألسنا اناس ثوريين ومناضلين وطأت اقدامنا هذا الدرب بايمان؟ لماذا؟ ولكن حين يتحدث لينين عن هذا الفصل في الحزب البلشفي، لاينكر ثورية البلاشفة وصدقهم. يقول حين ننظر، نرى البلاشفة شيوعيين ذوي اهداف وامال وثوريين. يعتبرهم لينين جميعا مثابرين وصادقين، ولكن في الوقت ذاته يتحدث عن اعتقاده بـ:(ماعدا اللجنة التنفيذية للمجالس العامة للعمال والتي تتمتع بحصانة سياسية) ينبغي ايداع اعضاء الحزب وموظفي الدولة السجن 6 ساعات. ان جرمهم هم عجزهم عن تنفيذ اهدافهم، افكارهم، برامجهم وخطط عملهم ويحققوها.

ولكن كيف، وباي شيء، يظهر الفصل مابين القول والعمل نفسه. مرت سنتان (من المؤتمر الثالث لمنظمة كومله) على اعلائنا رسمياً لراية الماركسية الثورية على تنظيماتنا. ومرت الان 4 اشهر على تاسيسنا للحزب الشيوعي والذي يطلق على نفسه في النظام الداخلي اسم حزب سياسي للطبقة العاملة في عموم ايران (ناهيك عن نضالات ووجود الماركسية الثورية من قبل الثورة وحتى المؤتمر الثالث (لكومه له، ايار 1982-م) ). انه مكسب كبير. ولكن الطبقة العاملة لاتقلدنا وساماً لذلك. وذلك لانها لاتقارنّا بامثال منظمات بيكار ورزمندكان ومجاهدي خلق، لان ليس لهؤلاء مكان اساساً في تاريخ نضالات طبقتنا. انها تحكم علينا ارتباطاً باهدافنا وبرنامجنا وبمانقول. يقيموننا ارتباطاً بالعالم الذي ننشد ارسائه على الارض. وعليه، من البديهي ان يتطلعون الينا على اننا مقتدرين ومبدئيين ومتينين بصورة تتناسب مع مستلزمات تنفيذ وتحقيق برنامجنا، وان اي نقص وانحراف عن هذه الدرجة من المبدئية والاقتدار يحسبونه تقصيراً منا. علينا ان نحكم ايضاً وفق هذه الشاكلة.

ولهذا فان اول مكان يتبدى فيه هذا الفصل بين قولنا وعملنا هو بقاء برنامجنا السياسي والطبقي على الورق. نقول اننا حزب العمال والكادحين، ولكن تتطور في الواقع صلتنا بالعمال والكادحين بصعوبة وعسر. اننا نتطور، ولكن تكمن المسالة في سرعة هذا التطور. اذا نتحرك بسرعة كيلومتر في الساعة، فاننا نتقدم دون شك، ولكننا لن نلحق اطلاقا بقطار يسير بسرعة 100 كيلومتر في الساعة. واذا كان هدفنا يكمن باللحاق في ذلك القطار، عندها لن نبلغ هدفنا. ولهذا، فان ارقام مثل 10% و30% و50% ليست كافية لتقدمنا. اذ اننا نقيسها بهدفنا الذي هو قلب العالم. لقد تحدثنا في برنامجنا عن اننا ننشد قلب العالم. نتحدث عن ارساء نظام جديد تطلق فيه قوى الانتاج التي كُبِّلَتْ في المجتمع الراسمالي. حسناً، هل تعلمون ماذا تعني قوى الانتاج هذه؟ يعني مجمل الصناعات والمؤسسات الانتاجية العملاقة في العالم المعاصر، اي مجمل الشبكة العالمية الهائلة للنقل والحمل العاملية، اي ملايين الناس، يعني مجمل الفروع العلمية والصناعات التي صانها العالم المعاصر. نقول اننا نريد ان نحررها كلها وننظمها في نظام جديد. حسناً، ولكن اذا مابلغنا امرء ما وسمعنا، ألايقول: "لطفاً، اولاً، نظموا اصدار جريدتكم جيداً، نظموا صلاتكم، لارى كيف تستلمون العالم المعاصر الذي يتم فيه كل يوم نقل وانتقال ملايين الاطنان من المنتجات". ان امرء ينشد قلب العالم، عليه، ومن اليوم هذا، ان يبين عن ملامح هذه القدرة على جبينه. ابن الفيل، ومنذ صغره، شبيه بالفيل. لايغدوا فيلاً تدريجياً. ان تلك السياسة الثورية التي تتحدث عن ان بوسعنا قلب العالم، ينبغي ان نبين عنها اليوم في انفسنا. ان هذه العلائم والمؤشرات قليلة فينا للاسف. اذ تفرق ساعة ويوم امرء تعهد بهذه الاهداف السامية عن الاخرين.

انها لحقيقة ان ارائنا واهدافنا المعلنة هي نفسها علامة مهمة على مستقبلنا الظافر. ان هذا صحيح تماماً، وينبغي ان لاتغيب عن بالنا. ولكنها ليست كافية. اذا بقت هذه الاراء والمباديء على الورق ولاتتحول الى عمل، عندها لن يكون لدينا دليل وبرهان حي كي نريه للجماهير بان الدرب الذي ناخذهم اليه هو سبيل واقعي وعملي، ليس خيالياً وحلماً ثورياً. لاحظ، لم ننظم انفسنا اليوم ولا في اي قسم افضل من البرجوازية، واستفدنا من امكانياتنا بصورة افضل بحيث نستطيع القول:

"صحيح ان البرجوازية صنعت لاسلكي ومذياع ومؤسسة طباعة، ولكننا نستفاد منها بصورة لايتصورها عقل البرجوازي. صحيح ان البرجوازية تجمع الناس وتنظمهم لادارة امور مجتمعهم، ولكننا اقل الناس علماً واكثر الناس حرماناً واكثر من لم يرى التعليم، نخلق اناس مجربين وننظمهم بشكل يكونوا فيه اكثر مهرة من المختصين والمدراء والبروفسوريين البرجوازييين". كلا، لانستطيع اليوم ان نقوم بمثل هذا الادعاء. فالحقيقة والواقع يبينان عكس ذلك. ينظم ال صفوفنا اكثر الناس ثقابة فكر وادراك ووعي واكثرهم تضحية. انهم اكثر اناس المجتمع تمكناً وشرفاً. لانهم، وبوعي، اختاروا سبيل النضال ضد الاستغلال والظلم. ولكن المتخصصون والاساتذة والاطباء والمهندسون المتعلمون في صفوفنا ليسوا قلة، ولكننا لانستفاد من قدرة افراد بهذا المستوى بقدر استفادة ادارة البرجوازية، لانستطيع ان ننظمهم كما ينبغي بحيث نفجر قدراتهم في خدمة الثورة.

الكثير من كلامنا يبقى على الورق. يتناثر في الهواء ولانركّده على الارض. نتحدث عن انفسنا بوصفنا اكثر الجماهير اخلاصا، ولكنه لامر غريب ان يتوجب علينا ان نصدر قراراً للتوجه للجماهير وحتى الحيلولة دون العنف ضدهم! نتحدث عن ان التوعية هي امرنا. ولكننا لم ننظم اي ماكنة توعي العمال بصورة دائمية ويومية ومتواصلة. نتحدث عن ان الشيوعيين هم منظمين، تتمثل شيوعيتهم اساساً في فنهم التنظيمي. ولكن اي كادر ربيناه بحيث تنظم بقدر محافظ مدينة صغيرة، اي بقدر شخص يدير مدينة من 200 الف نسمة في مجتمع برجوازي لخدمة مصالح طبقته.

ثمة فصل مابين قولنا وعملنا. انها هي الحالة التي صورها لينين بالضبط. علينا ان نقوم بما من شأنه ان تسير الماكنة صوب الجهة التي ننشد، صوب جهة تقتضيها مبادئنا، اهدافنا وخطط عملنا. دعني اتحدث بصراحة، ان لم تمضي نحو هذه الجهة، لن ياتي النصر اثرها، نتقدم دون ان ننتصر. وعليه، تبقى قضية الطبقة العاملة على الارض. ليس ثمة انتصاراً نسبياً للطبقة العاملة. ينبغي ان يكون انتصار الطبقة العاملة مطلقاً. لانهم يناضلون من اجل نيل الطبقة العاملة للسلطة، نقوم نحن الشيوعيون بتقديم المساعدة الف مرة، تطرأ تحولات نسبية في المجتمع، تتبدل حكومات برجوازية، ياتي مصدق ويمضي، لايجلب رغم ذلك خيرا للطبقة العاملة. تبلغ الطبقة العاملة هدفها ليس عبر التغيير النسبي للاوضاع (والذي-اي التغيير النسبي-هو دوماً غير راسخ وثابت)، بل عبر الانتصار المطلق. ولكن علينا نحن الذين نناضل من اجل كل هذا النصر ان نبني مؤسستنا التي تدفع بمجمل مهامنا. ان اقترابنا ذرة من الهدف لاينفعنا، يشكل منا "اناس مناضلين لم يبلغوا هدفهم على اية حال". ان تجربة سلطة التحريفية، بعد انتزاع البلاشفة للسلطة، تثبت انه ينبغي "انجاز العمل". لهذا، ينبغي بناء مؤسسة لانجاز العمل واكماله.

ان الفصل مابين القول والعمل يعرفه الكثير من رفاقنا، يروه في اعمالهم واعمال الاخرين، ويشتكون منه ويذكروه يومياً. انه ليس شيئاً انشد اثباته هنا او ان اطرحه بوجه منجزاتنا. ولكني اؤكد على ان هذه المكاسب والمنجزات ليست كافية لوحدها. علينا ان نفكر بهذه المسالة جدياً من اجل النصر، من اجل ان لاتتكرر الاخفاقات السابقة لحركة الطبقة العاملة.

الفصل مابين القول والعمل هو عمل الطبقات الاخرى
باي شيء تُملى هوتنا مابين القول والعمل؟ او بعبارة اخرى، حين لايُطبَّقْ قولنا، أثمة عمل اخر يطبق؟ هل ان شكواي هو ان اعمالنا لاتنفذ؟ ليس الامر كذلك. في الحقيقة ان الهوة مابين قولنا وفعلنا يمليها عمل الطبقات الاخرى. لم يقل لينين "ان هذه الماكنة لاتعمل جيداً، ليست ذات كفاءة وجودة عالية، تتحرك ببطىء، و تتوقف". انه يقول ان هذه الماكنة تسير صوب جهة الطبقات الاخرى، صوب قبضة الراسمال. رفاق، اننا نعيش في مجتمع طبقي. كل شيء مختوم بطابع طبقي. اذا لم ينفذ قولنا، هذا يعني ان قول اخر يمارس، قول طبقة اخرى. دعني اورد امثلة:
تنفق البرجوازية اموالاً طائلة، وتربي مئات والاف العملاء كي تعرض اماننا وتنظيماتنا واستمرارية عملنا للخطر. يرسلون العشرات كي يتعقبوا اعضاء منظمتنا، ينفقون الاموال على التسليحات النظامية ويقتل منها كي يقمعوننا، يسعون للحصول على المعلومات من داخل منظمتنا. ان هذا هدف البرجوازية وسياستها. ان هذا غرض البرجوازية. بيد ان ماكنتنا التنظيمية تمضي بعض الاحيان صوب تلك الجهة. نتحدث عن وجوب صيانة امان واسرار التنظيم بشكل قاطع. بيد ان ذلك التنظيم الذي لايستفيد من استخدام الرموز التمويهية بصورة صحيحة، وذلك الرفيق الذي لايحبط مساعي مراقبته وتعقبه في الشارع، وتلك اللجنة التي لاتعطي التعليمات والتربية الامنية في وقته، و ذلك العضو الذي يهمل في صيانة الاسرار والادبيات الداخلية والذي يفشي المعلومات التنظيمية والاسم الحقيقي للرفاق السريين بسهولة في حديث محفلي، يسهلوا عمليا وبصورة غير واعية عمل البرجوازية لها. لاتجعل البرجوازية تبلغ هدفها بصورة مجانية على الاقل. ان التنظيم والرفيق المهمل يعملان بشكل تتحرك فيه الماكنة عملياً صوب هدف البرجوازية وسياستها ومقصدها. بدل الحفاظ على الاسرار التنظيمية، والتي هي سياسة البروليتاريا، يحل محلها افشاء الاسرار التي هي سياسة البرجوازية.

تسعى البرجوازية من الصباح للمساء وبالف تكلفة وتكلفة ان لاتصل الادبيات الى ايدي الكادحين. تسلب منا امكانية الطبع العلني كي تصل ادبياتنا بنوعية رديئة وبصورة متاخرة الى ايدي العمال. انها تنشد تقليص نطاق ووتيرة توزيع ادبياتنا الى حد كبير. انها سياسة البرجوازية. بيد ان ذلك التنظيم وذلك الرفيق الذي يترك ادبياتنا في زاوية من المقر، ويهمل في طبعها، وتوزيعها، في توضيح مقالاتها للعمال، وفي توسيع نطاق توزيعها وغير ذلك، يسهل بصورة مجانية وبشكل لاواعي (واللاوعي هو خادم دائم للبرجوازية) عمل البرجوازية. ان عدم توزيع الجرائد، والاهمال وعدم الدقة في صيانة الوضع الامني والاسرار والمعلومات التنظيمية وغيرها هي امثلة فنية تبين بوضوح قصدي ورؤيتي. بيد ان لحالات سياسية اهمية ابرز كثيراً:

تعتقلنا البرجوازية وتعدمنا كي توجه ضربة لعملنا المنظم، تحرفنا من النشاط المنظم ومن النضال جنب الى جنب مع رفاق خندقنا. حسناً، ان التنظيم الذي لايمحص ويقيم ويمحص بدقة قدرة الافراد ويحرمهم من التنظيم، وان تنظيم يتهرب الافراد فيه ويحيلوا امر اليوم لغد، تنظيم لايذلل نقاط ضعف رفاقه التنظيمي كي يتمتعوا بتنظيم اكثر تاثيراً، فانه يقوم بالعمل ذاته بالضبط، (تقديم خدمة مجانية للبرجوازية-م). ان الهدف والنية مختلفتين، ولكن النتيجة العملية هي تنفيذ سياسة البرجوازية. اذ للبرجوازية شرطة ودين وعشرات المؤسسات الاخرى لبث الفرقة بين العمال. تنفق الاموال على ذلك، تنفق من ارباح راسمالها. ولكننا نهمل تنظيم جماهير طبقتنا، ليس هذا وحسب، بل نهمل "بضمير وبال مرتاح" تنظيم ناشطين رهنوا يومهم كله لهذا العمل، نحيله لذاك الشهر والشهر الذي بعده! تحرّف البرجوازية ضوابط العمل الشيوعي، وتحول باشكال مختلفة دون ترسيخ اسلوب الدعاية الشيوعية، التحريض والتنظيم الشيوعي، ممارسة السلطة الشيوعية، العلاقات التنظيمية الشيوعية، القيادة الشيوعية وتحرير الطبقة العاملة وتحريكها. ان اي امرء يقفز على اتخاذ هذه الاساليب، على التعهد بمبدأ اعلن عن صحته، يسهل عملياً عمل البرجوازية لها.

ان الامثلة التي ذكرتها ليست شاملة قط. ولكنها تكفي لنفهم ان هذه المسالة ليست مزحة. ينبغي ان يجتث الفصل مابين القول والعمل، ينبغي تنفيذ قولنا الطبقي في كل ميدان. يجب النضال والتصدي لكل عائق من شاته ان يحل عمل الطبقات الاخرى محل عملنا. ان هذا النضال هو مهم مهم وحياتي بقدر النضال ضد العدو المباشر وفي خط المواجهة معنا. يستلزم هذا النضال حزماً وتضحية اكبر حتى. لاننا في هذا الميدان، نناضل من اجل كسر قيود غير مرئية اسرتنا وفرضت علينا التراجع والمراوحة في المكان.

اية عوامل فرضت علينا الممارسة المتخلفة وغير الشيوعية؟

ان العامل الاول هو قوة العادة. لم نتحرر من اسر قوة العادة. نتحدث عن ارساء عالم جديد، ولكننا ورثنا، في العمل التنظيمي، تلك الاساليب التي "تتناغم مع العقل" براينا، اساليب "تنسجم مع" العمل اليومي اساليب ورثناها على شكل عادات ودون نقد عن المجتمع البرجوازي. اننا في التنظيم وفي الاساليب العملية لنشاطنا، من صياغة القرارات الى هيكلة القوى التنظيمية وفي الاخلاقيات الفردية والتنظيمية، نقتفي اثر العادات والاخلاقيات القائمة في المجتمع. في العمل، نستند الى تقاليد لاتتبدى فيها علامة مجتمع جديد ومقبل وعنصر بروليتاري واعي. تقاليد تنتمي الى تقاليد طبقات زائلة وبينت وكشفت منذ امد بعيد عن عدم حقانيتها. اننا "نقوم" باعمالنا استناداً الى هذه التقاليد. ان قوة العادات المتخلفة التي تبيّن عن نفسها مرات يومياً في نشاطنا جميعنا تحجّم من افق رؤيتنا وقدرتنا. تصبح عاملاً مانعاً امام تطبيق برنامجنا وسياساتنا. اننا نشبه، في ميدان العمل التنظيمي، في الكثير من الاوجه، منظمات برجوازية صغيرة متخلفة مثل المجاهدين وغيرهم. اذ نادراً ما نجّد في البحث عن طرق واساليب جديدة، الاستفادة والتوظيف النشط والخلاق للامكانات، فهم الاشكال التنظيمية الثورية في الميادين المتنوعة من العمل الفني الى عمل الاتصالات والارتباط والسياسي وغيره. ان نفس الامور التي تبدو لبرجوازي امراً مستحيلاً، تبدوا وتظهر لنا امراً مستحيلاً كذلك. قليل مانبين عن انفسنا شجاعة القيام بخطوات اساسية، جذرية و"كبيرة". نقتفي اثر التقاليد الشائعة. في الوقت الذي ينبغي تنفيذ برنامجنا الثوري باساليب ثورية وطليعية. ان الاساليب التي تتناغم مع منطقنا ورؤيتنا الثورية والطليعية هي اكثر الاساليب العملية لتحقيق اهدافنا.

العامل الثاني هو عامل سياسي. ينبغي معرفته بصورة جيدة. ان هذا العامل هو وجود نزعة ثورية غير بروليتارية في المجتمع ونفوذها الدائم في صفوفنا.

لاتجد الحركة الشيوعية في اي مكان من العالم حركة عمالية صافية ونقية وخالصة وبروليتارية من قمة راسها الى اخمص قدميها. اذ تتشكل الحركة الطبقية دوماً في قلب مجتمع، وان اي حركة بروليتارية في المجتمع تجر معها طبقات اخرى كذلك للميدان. طبقات اخرى تجلب معها "ثوريتـ"ها، عاداتها، تياراتها وميولها وتقوم بالدعاية لها وتقديسها. هذه الثورية غير البروليتارية، بجوار وبموازاة الثورية البروليتارية، وتصب بصورة مستمرة مقولاتها ومفاهيمها وقيمها داخل صفوف الطبقة العاملة. تخلط القيم البروليتارية مع القيم البرجوازية الصغيرة و يتم التلاعب بها والتاثير عليها. يتم تمييع الحدود الفاصلة مابين فداء النفس في سبيل الثورة البروليتارية بالنزعة البرجوازية الصغيرة الداعية للاستشهاد. توضع الديمقراطية الحازمة والراسخة للطبقة العاملة والالفاظ الديمقراطية للطبقات المدافعة عن الملكية الخاصة والاستغلال البرجوازي بموازاة بعض، والاشتباه مابينهما في بعض الاحيان. وفي الحقيقة، يتسع في صفوفنا ستار الافكار والتقاليد الناجمة عن "ثورية" الاقسام غير البروليتارية التي لها مصلحة في صيانة اساس الملكية الخاصة. ان الحملة الشاملة والبنيوية على هذه التقاليد والمفاهيم والقيم غير البروليتارية هو امراً ليس سهل دوماً لانها تتمتع باحترام جماهير عريضة على اية حال. في اوضاع مثل هذه، تتمثل مهمة الحزب البروليتاري برسم الخطوط الفاصلة بوضوح مع هذه الثورية غير البروليتارية، مع هذه الافكار والمفاهيم والقيم الثورية ظاهرياً. ان الحزب الشيوعي في حركة ديمقراطية لهو عرضة دوماً لخطر التلوث بمثل هذه الافكار. اذا كانت الثورة مقتصرة فقط على صف العمال الاشتراكيين، اذا تصدح كل الجماهير الكادحة في الشوارع والازقة بـ"الموت للملكية الخاصة"، عندها لن يكون صيانة الاستقلاليية الطبقية فناً. بيد ان مثل هذه الاوضاع في مجتمع حقيقي وواقعي هي محض خيال. تجر الثورة الجماهير الواسعة للميدان، وتفتح الباب امام اهواء البرجوازية الصغيرة. ان مجمل اهمية تعاليم لينين، مجمل الجوهر الثوري-الطبقي للحزب اللينيني هو التزامه بصيانة الاستقلالية السياسية والطبقية للبروليتاريا. على الحزب ان يدفع في بحار من الاوهام والنوازع غير البروليتارية اهدافه المستقلة بصورة مستقلة، وفي هذا السياق، يصل بالحركات الديمقراطية والعامة لشاطيء النصر كذلك. على الحزب ان يدفع بهذه الحركات للامام دون ان تختلط عليه اهداف هذه الحركة على انها اهدافه النهائية، دون ان يمحي نفسه وان يتكبل في الاطار المحدود لهذه الحركات. ان تجربة مرحلة اليسار في ايران في الاعوام الاولى للثورة تبين عن ادارة الظهر لهذا الدرس الاساسي لماركس ولينين. هب الجميع من اجل اسقاط الشاه. ردد "الشيوعيين" كذلك الشعارات العامة نفسها دون ان ياتوا بكلمة حول الغاء الملكية الخاصة. كانت المنظمات الشعبوية تفتقد لفهم واضح للاهداف النهائية للحركة الطبقية للعمال. بدلاً من ذلك، سعت، في كل مرحلة من الحركة العملية العامة، ان تكون اكثر عناصر المرحلة ذاتها داباً، واشتبهوا دوما بالاهداف الطبقية للبروليتاريا وهذه الاهداف المرحلية واثرت الاخيرة على الاولى.

ولكن ماربط هذا الموضوع ببحث اليوم؟ ولكن واقع الحال هو اننا احلنا على الرف، الى حدود كبيرة، الاهداف الاشتراكية، الخلاقة، الجميلة والثورية. وعند العمل، حيث نشرع بالتنظيم اليومي للعمل الثوري، نبقى في نطاق الثورة والحركة القائمة ونمتثل لها. نقول نحن شيوعيين، ننشد النضال بصورة شيوعية ونموت شيوعيين، ولكن حين ننظر جيداً للامر، نرى اننا على امتداد 5 اعوام، ننفق 90% من طاقاتنا على امور الحركة العامة والديمقراطية ومعضلاتها. نختتم مؤتمراتنا واجتماعاتنا الرسمية التنظيمية بالنشيد الاممي والقسم باغلظ الايمان بالشيوعية، ولكن ما ان تطأ اقدامنا ميدان العمل، يغدو مجمل انهماكنا توازن القوى في الحركة الديمقراطية، هذا الامر المحدود والموضعي او ذاك، اسلوب تعامل هذه المنظمة او تلك معنا، المسائل التحضيرية الفلانية وغيرها. عملياً، لسنا من ندفع الحركة، بل انها الحركة من تأخذنا معها وتجرنا اليها. يخطط شيوعي لهذه الحركة، فيما تهديه حيث اهدافها هي. ننشد ان تنتفض الطبقة العاملة، ان تنتفض في عصرنا وحياتنا. ولهذا، ينبغي ان يكون عملنا الدائم، عملنا الهادف والمبرمج حيث هذه الجهة، ولكن مايبتلع كل طاقة رفاقنا عملياً هو ترقيع الامور الجارية لحركة معينة. لايهم ان كانت هذه الحركة هي الحركة القومية الديمقراطية للجماهير الكرد ام الحركة الديمقراطية لعامة ايران ضد الديكتاتورية والامبريالية. ينبغي في عملنا ان لانخفف من وتيرة اهدافنا الثورية، وننظم طاقتنا ونبذلها بشكل في قيادة الحركة الديمقراطية والثورية ذاتها، ونتعقب كذلك اهدافنا الثورية والطبقية. اذا اخذتم بنظر الاعتبار الزمن، الطاقة والامكانات التنظيمية التي بذلناها لحد الان، ستعرفوا بسهولة ان ترقيع الامور القائمة ومجابهة المعضلات اليومية للحركة العامة القائمة قد شكلت 90% من انهماكنا. في الوقت الذي يستند الماركسيون بالضبط الى عملهم المستقل داخل طبقتهم للدفع بالحركات ذاتها، لان هذا العمل هو ضمانة كل تقدم على البرجوازية. لهذا بقى كلامنا الاشتراكي على الورق الى حد كبير جراء ان ممارستنا مقتصرة على الاغلب ومحدودة بالميادين المختلفة للحركة في مرحلتها الراهنة. من الواضح، حين نُختزل في العمل الى "ديمقراطيين مثابرين"، يبقى هدفنا الشيوعي والبلشفي على الورق ايضاً.

العامل الثالث، الروحية الثورية التي هي ليست على عجل. انها روحية تتمتع باسس مادية محددة.

ملاحظة المترجم:
النص الفارسي تم طبعه استنادا الى كتابة بخط منصور حكمت في الارشيف الشخصي له. قدم منصور حكمت، في اواخر خريف او اوائل شتاء 1984، في مقر الحزب الشيوعي الايراني في منطقة "شين كاوة" في كردستان العراق، بحثا باسم "الفصل مابين القول والعمل" في ندوة لاعضاء وناشطي الحزب، اثار الموضوع نقاشات جدية وحامية ومؤثرة. اشار منصور حكمت في ندوته "بحث الشيوعية العمالية" في جمعية ماركس عام 2000 الى تلك الندوة والبحث. العنوان لم يكن موجود في النص المدون. بل اضيف اليه في الطبع استناداً الى ما اشار اليه منصور حكمت في ندوته عام 2000.

مقالات