منصور حكمت

بصدد خطر النزعة الاكسيونية في الخلايا الحزبية


ترجمة: فارس محمود
النزعة الاكسيونية (الحركية) احد التجليات الاساسية لاسلوب العمل الشعبوي. ان قصدي بالنزعة الاكسيونية هو عمل محدود وقصير النظر في العمل السياسي والتنظيمي. التظاهرات، الاعتصام، الاضراب، تقليل العمل وغيرها هي اشكال معروفة للاكسيونات النضالية. الاكيونيزم هو ذلك الانحراف الذي يحول مثل هذه الخطوات والاشكال النضالية الى هدف بحد ذاته بصورة مفصولة عن سياق نضال تنظيمي وطبقي دائم، ومفصول عن اطار برنامج نضالي محدد.
ان المرحلة التي اعقبت الثورة الى 30 خرداد 1360* شهدت تنامي واشتداد، وفي المطاف الاخير، وتبين عقم الانحراف الاكسيونيستي للمنظمات البرجوازية الصغيرة- الاشتراكية على صعيد واسع. ان الاوضاع شبه الديمقراطية للاشهر التي عقبت الثورة وفرت لهذا الميل الذاتي للثورية البرجوازية الصغيرة امكانية البروز العلني والواسع. ان الاكسيونية هي انعكاس للفهم البرجوازي الصغير المحدود للنضال وان هذه الحقيقة اثبتت نفسها بوضوح في الخط الفدائي حتى في المرحلة التي سبقت الثورة الايرانية. ان الخط الفدائي نفسه هو احد النماذج البارزة على الاكسيونية. ففي هذا المنهج البرجوازي الصغير، الاكسيون وهو ايضاً فقط نوع محدد من الحركة التنظيمية، اي العمليات العسكرية الصغيرة لجماعات عسكرية مدينية صغيرة يضعوها محل اي شكل من الممارسة السياسية والتنظيمية. اذا حَجَّمَ الخط الثالث** عملاً الممارسة الى حركات معدودة ومحدودة، فان مدافعي الخط الفدائي كانوا بعيدين عن الماركسية والنضال الماركسي بحدٍ يهبون علنياً وبدون اي ستار الى تقديس هذه النزعة الاكسيونية ويعدون رسمياً اي فعالية خارج اطار هذه الاحادية الاكسيونية الفدائية امراً مرفوضاً.
بعد الثورة، برزت اكسيونية المنظمات الاشتراكية البرجوازية الصغيرة بصورةاساسية في بعدها السياسي. ان شعار منظمة بيكار الذي يستند الى "التكتيك الاساسي في هذه المرحلة هي التظاهرات" كان خلاصة وتكثيف لمجمل الشعور الاكسيوني البرجوازي الصغير الذي يدعي الماركسية في ايران. اذ يكشف هذا الشعار كل سطحية وضحالة الفعالية الاكسيونية، اي تحويل التظاهرات التي هي شكل نضالي الى تكتيك تنظيمي يسمي نفسه شيوعياً. ويتذكر مجمل فعالي حركتنا جيدا ان هذا الشعار وهذا التصور القصير النظر للنضال، كان، ولمدة طويلة، مرشد عملي للمنظمات الشعبوية المختلفة من بيكار الى رزمندكان والفدائيين وراه كاركر.
لقد كانت التظاهرات المرحلية لعدة ساعات وعبر مشاركة اعضاء التنظيم في زوايا المدن مجمل حصيلة التكتيك الاساسي للمنظمات. طبقا لهذه الرؤية الاكسيونيستية، ليس هدف التظاهرات ولا مكانتها ولادورها يصب في مسار تقدم وارتقاء النضال الثوري للمرحلة المعنية، وليست هنالك صلة لهذا الشكل النضالي بالاشكال الاخرى، ولم يتم تفحصها بعمق جدياً قط. لقد كان الهدف منها هو البروز التنظيمي واحياناً التحريض (وفي الحقيقة التشهير) عبر التظاهرات.
الاكسيونية التنظيمية وتقديس الاكسيونية
يعبر الاكسيون في التنظيمات الشعبوية بصورة اساسية عن نفسه بوجهين اساسيين: الاول هو الاقتصار على سلسلة حركات اكسيونية تنظيمية، الذيلية للحركات الاكسيونية العفوية (اي تقديس الاكسيونية). ان الاكسيون التنظيمي، اي الشروع بعمل محدد من قبل قوة تقتصر على فعالي التنظيم هو ليس امر غير صحيح وانحرافي بحد ذاته. على امتداد نضال حزب بروليتاري كذلك، وفي حالات متعددة وبالاخص في اوضاع حساسة وحاسمة، يعد الشروع بالحركات الاكسيونية التنظيمية امراً ضرورياً. ان مثل هذه الاكسيونات عموماً تلعب دور نبراس نضالات الجماهير وازالة العوائق المحددة للنضال وتوسيعه وتعميقه، ولايتحول اطلاقا الى امر يومي وعمل روتيني مألوف من عمل حزب بروليتاري. اما في المنظمات الشعبوية، يعد الاكسيون التنظيمي الى حد ما فلسفة وجود التنظيم. اذ يتم تعريف النضال والممارسة طبقاً لهذه الاكسيونات.
من الجهة الاخرى، ان السياسات والاساليب النضالية للحزب البروليتاري هي التي يطرحها بوصفها مبدأ يجب اتخاذه من قبل الطليعين والجماهير الاكثر وعياً من الطبقة العاملة. اذ ينظم الحزب البروليتاري قوة الطبقة ويدفع بالطبقة نفسها نحو الميدان. ان الاحلال المستمر والدائم لقوى الحزب مكان قوى الطبقة يناقض فلسفة وجود الحزب السياسي للبروليتاريا ونسخة لهزيمة الثورة البروليتارية. ان اقتصار المنظمات الشعبوية على الاطار الضيق للاكسيونات التنظيمية الصرف كان بحد ذاته دلالة الانفصال العميق لهذه المنظمات عن الطبقة العاملة واغترابها عن النظرية الثورية الماركسية والتي هي نظرية تحرير الطبقة العاملة بقوة هذه الطبقة ذاتها.
الحالة الثانية وهي، ان تقديس الاكسيونية هو تجلي لـفكرة"الاكسيون للاكسيون" وغياب سياسة طبقية و ثورية هادفة. اكسيونات عفوية (عفوية طالما ان هذه التحركات لا تجري وفق خطة تنظيمية محددة) تجري على شكل دفعات في الحركة العمالية وكذلك على امتداد احتجاجات سائر الفئات المضطهدة للمجتمع. في هذا المعمل او ذاك، المحلة او المدرسة او الدائرة او .. تتصاعد الاحتجاجات، تشتد المجابهة مع ارباب العمل، الحكومة، المسؤولين البيروقراطيين ويقود هذا العمل الى الاضراب، التظاهر، الاعتصام وغير ذلك.
التقديس الاكسيوني يعني الذيلية غير المشروطة للمنظمة السياسية لمثل هذه الحركات. وحيث يتعلق الامر بنضالات الجماهير، تسقط هذه المنظمات الاشتراكية-البرجوازية الصغيرة الى الاعماق في هذه الذيلية. اذ قلما تجد اضراب او احتجاج عمالي في الاشهر التي سبقت الثورة، اي الفترة التي شهدت اوسع نشاط للمنظمات الشعبوية، وجدت بصمات هذه المنظمات وسياساتها وبرنامجها عليها. ان المراسلة الخبرية حول التحركات، وفي افضل الاحوال "النفخ بالنضال العفوي والتهليل له" كانت احسن انواع التدخل التي يمكن انتظارها من الاشتراكيين البرجوازيين الصغار في اغلب الاحيان. ولهذا، فانه امر لايخلو من معنى قيام الشعبويون بفعاليتهم السياسية لا في محيط معيشة وعمل الطبقة العاملة التي تمثل قوة الثورة البروليتارية، بل بين اكثر الفئات المحتجة حراكاً في المجتمع (مثل الطلبة والجامعيين).
على الحزب البروليتاري ان لايكون ذيلاً للجماهير، بل قائداً لها. ينبغي للحزب هداية التحركات العمالية المحفزة من تلقاء نفسها. ينبغي تحديد او تصحيح اهدافها وشعاراتها. ينبغي، وبوعي، تنظيم اي خطوة محددة مثل اضراب او تظاهرات. ينبغي تحديد مدى التقدم والمكاسب المتوخاة لكل تحرك او حتى في الحالات التي تبين، على سبيل المثال، ان هذا التحرك او ذاك لايتمتع بالقوى اللازمة للتقدم، على حزب العمال ان يتيقظ لذلك. لايسحب الحزب الشيوعي نفسه من اي نضال عفوي، ولايتخذ موقف اللامبالاة منه، لكنه لا يتخذ موقف الذيلية، ويسعى دائماً الى توجية وتنظيم اي احتجاج جماهيري حول المسائل الاساسية للنضال الطبقي في كل مرحلة معينة.
اكسيونية حلقات قليلة النفوذ
ان ما قلته واضحاً عند اغلبية رفاقنا. ان نشطائنا مطلعين بصورة جيدة على التجليات المختلفة لاكسيونية مرحلة ماقبل 30 خرداد. بيد ان نقدنا لا يتمركز حول هذه المظاهر فقط. ان الاكسيونية تعني عمل محدود ومن المحتمل مفعم بالمزركشات و لكنه عابر و سطحي بدل الممارسة الحزبية والطبقية العميقة و الشاملة. ويبرز هذا الانحراف اليوم باشكال اخرى في عمل بعض رفاقنا.
في المقالة المتعلقة بالحلقات الدعائية العمالية المنشورة في العدد السابق اشرت الى زوايا من هذه المسالة. ان الحزب الشيوعي بحاجة الى تشكيل اوسع و اكثر ما يمكن من الخلايا الحزبية في محيط معيشة و عمل العمال و الكادحين. ان الدفع بمسالة الدعاية و التحريض و التنظيم بصورة مستمرة و دائمية و بين اوسع ما يمكن من الجماهير العمالية يستلزم توسيع عدد الخلايا و ديمومة عمل كل خلية في اصعب الاوضاع و الظروف. للخلايا الحزبية مهام روتينية محددة. ان الحزب، و عبر الاستناد الى التنفيذ المتواصل لهذه المهام من قبل الخلايا الموجودة، يصون قوته و قدرته و يوسعهما. و لكن للاسف، ان تغلب النزعة الاكسيونية على فعالينا في الخلايا، يحول في حالات عديدة دون الدفع بهذه المهام الاساسية.
الاستعجال والتسرع، الولع بالقيام بعمليات اكبر و اكثر صخباً وضجيجاً و التي يُعَبَّرْ عنها بعض الاحيان بستار عبارة "الارتقاء بفعالية الخلية"، الميل نحو الانتقال و التحول الى اشكال تنظيمية مركبة في محيط العمل (مثل تاسيس لجنة معملية) استناداً الى اول نجاح للخلية في جذب قسم من طليعة المعمل، كل هذه هي تبديات لاكسيونية امسكت هذه المرة بخناق الوحدات التنظيمية الصغيرة.

ان هذه الاكسيونية هي مضرة و مخربة بقدر اكسيونية المنظمات الشعبوية العريضة و الواسعة على صعيد البلد في المرحلة السابقة، و هي بنفس الدرجة من العقم و انعدام الفائدة. الاكسيونية ضجيج يصم الاذان من اجل لا شيء. عمل محدود و قصير النظر يحول الحزب عن عمله الثوري الواقعي، اي تنظيم و اعداد البروليتاريا للثورة الاجتماعية و تجييش قوة الطبقة للانتفاضة البروليتارية المظفرة. الاكسيونية هي ستار مفعم بالزخرفة للاعمل الطبقي. على الرفاق ان يدركوا ذلك بعمق.
لقد اسسنا الحزب في رحم القمع الكالح و الدموي و في خضم الافلاس السياسي-الايديولوجي و العملي للاشتراكية البرجوازية الصغيرة، اذ سعينا دوماً، سواء في النضال من اجل تاسيس الحزب او في النضال العملي لتجديد تنظيم القوى المبعثرة و التوجه للطبقة العاملة وصولاً الى تنظيم النضال السياسي والعسكري في كردستان، الى ان يستند تحركنا الى خطة ممحصة و ممعن التفكير بها. خطة تستند الى مبادئنا الايديولوجية والبرنامجية، تكتيكاتنا والاساليب الشيوعية للنشاط التنظيمي. وبهذا المسار، يجب التصدي بصورة حازمة لكل ميل او تيار انحرافي يحرف الحزب عن مساره التكاملي و الارتقائي المبرمج و يرهن مصيره بالتحركات العفوية و التلقائية، وباعمال التقييم محدودة النظر و بالتغيير والتحول في الاوضاع الخارجية. يجب ان نطور الحزب ونرتقي به وفق خطة ماركسية. و عليه، يجب ان ينفذ كل قسم من الحزب خطته الاساسية وبالاخص في هذه المرحل من حياة الحزب بدون تذبدب وباصرار تام. ان اكسيونية الخلايا قليلة النفوذ هي احد المخاطر التي تهدد الحركة المبرمجة.
ملاحظات الى فعالي الحزب في الخلايا
1- الخلية هي اللبنة الاساسية للحزب، وعلى هذا الاساس،. فان النجاح في عملها يعني تنفيذ واجراء المهام المحددة بصورة مستمرة للبنة نفسها قبل اي شيء اخر. لايُعَرَّفْ "ارتقاء" الخلية عبر تحويل الخلية الى هيئة اخرى. ان تحويل الخلية الى اية هيئة اخرى يعني التخلي عن فعالية الخلية. و طبقاً لاسس الفعالية المستمرة للخلايا و القوى المتنامية التي تجمعها و تعدها هذه الخلايا في الحزب، على الحزب الشيوعي بوصفه كُلِّ جامع تنظيم سائر هيئات الحزب. وعليه، من الواضح ان مسار تكامل الخلية و ارتقائها و عملها ليس بالضبط نفس مسار تكامل الحزب و اقتدراه. اقرأوا مرى اخرى كراس اسلوب عمل الخلايا. ينبغي تقييم نجاح الخلية بالضبط استناداً الى المهام المحددة ذاتها و الاسئلة ذاتها الواردة في نهاية الكراس.
يجب ان يكون نمونا و تطورنا مبرمجاً. ينبغي على الحزب ان يتنامى باكمله و بمجمل فعاليته. ينبغي في هذه المرحلة على وجه التحديد ان تكون مرحلة غرز وتقوية جذور الحزب داخل الطبقة العاملة. ولهذا حين تتخذ خلية لفعالينا، استناداً الى تقييم قصير النظر، على سبيل المثال، قراراً بوضع الخطط المحددة لنشاطها جانباً وتحدد وجودها وعملها استناداً الى اكسيونات فروع انتاجية في معمل معين، فانها تترك عملياً قسم من مجمل خطة نشاط الحزب في هذه المرحلة المحددة.
2- ان مدى تدخل فعالينا في الاكسيونات هو تابع لمدى نفوذنا العام في المعمل والمحلة. اليانصيب (او تجريب الحظ) الاكسيوني و"اقتناص" الاحتجاجات نتركها للشعبويين. ان هذا ليس اسلوبنا. اننا الشيوعيون لدينا عمل جدي مع طبقتنا. و عليه، ان الشرط المسبق لنيل الامكانية و القدرة الواقعية و الحقيقية لهداية الاكسيونات العمالية بصورة مستمرة هو ادامة و تصعيد السعي لاشاعة النفوذ الايديولوجي-السياسي و التنظيمي للحزب بين طليعيي جماهير الطبقة العاملة بصورة مستمرة. ان خلية تقوم باكسيون عمالي مرة واحدة، ويصيبها الشلل لعدة اشهر، خلية قليلة النفوذ توزع بلاغات بصورة اكروباتيكية بصورة تامة و تفقد لاشهر قدرتها على صيانة و توسيع صلاتها العمالية، ينبغي عليها قبل ان تفكر بالاكسيون، ان تسعى الى توسيع نفوذ الحزب و كسب طليعيين اكثر الى الحزب، الى الخلايا الحزبية والحلقات المتنوعة و المرتبطة بالحزب. ينبغي المشاركة الفعالة في مجمل الاكسيونات العمالية. ينبغي ان نعمق الاحتجاجات و نوجهها. ولكن كل هذا بستلزم ان لا تركن خلية الحزب عملها و لو لثانية.
3- ليس النضال الطبقي مكان الاستعراض الطنان وعديم المحتوى. ينبغي على الحزب الشيوعي ان يحدد، وبصورة مبرمجة، سياساته واساليبه و القدرة العملية و الحقيقية للشيوعيين في الدفع بنضال الطبقة العاملة. اذ ثمة تفاوت بين السماء و الارض مابين تعريف الحزب الشيوعي العمالي و الدعاية البرجوازية حول السلع. ان اسلوب دعاية المجاهدين و تيار الفدائيين (مثل صياغة رئيس وقائد و آمر للجماهير و توزيع البوسترات الملونة لرئيس الجمهورية و رئيس الوزراء "بعد ذلك" و الادعاءت الكاذبة تماماً للمجاهدين حول المشاركة المؤثرة في "المقاومة" في كردستان او السعي لكسب الاعتبار عبر الضجيج لهيئة تدقيق الخلافات بين الحزب الديمقراطي الكردستاني و منظمة كوملة، وهو ما يقوم به الفدائيون) هي اساليب تطابق الحياة الاقتصادية لطبقة عليها ان تبيع يومياً و باي شكل كان بضاعتها في التنافس مع منافسيها. ان طبقتنا هي طبقة مهيئة لكسب افكار حزبها الثوري و الطبقي. و عليه، على الرفاق ان يتحفظوا على اي نوع من الخطوات التي ترتكز على الاستعراض السطحي و الدعاية الطنانة الجوفاء.
ان هذه هي نقطة انطلاق النزعة الاكسيونية البرجوازية الصغيرة. ينبغي على فعالينا الانطلاق صوب طليعيي جماهير الطبقة العاملة. ان يثقفوا اوسع ما يمكن من الجماهير ببرنامج الحزب الشيوعي و سياسته و اختلافاته مع المعارضة البرجوازية الصغيرة- الاشتراكية. ان يعرفوهم بالحزب الشيوعي و يعدوا افضل العمال للعضوية في الحزب. ينبغي مواصلة هذا العمل دوماً، يومياً وبمعزل عما تكون عليه الاوضاع. اننا اليوم، واكثر من اي وقت مضى، بامس الحاجة الى خلايا تدرك اهمية العمل الروتيني و اساسها في اجمالي فعالية الحزب، و تنفيذ دورها الحساس و الحياتي هذا بجدية ومواظبة و طاقة كافية.
4- ان تشكيل هيئات حزبية اعلى في نطاق فعالية اية خلية هو امر يحتاج الى مستلزمات محددة. لايكفي لتشكيل لجنة معملية في هذه الاوضاع محض وجود خليتين حزبيتين. يجب ان تتمتع هذه الخلايا بنفوذ كاف، ان تكون قد نظمت العمال المرتبطين بها باشكال متنوعة، خلقت اشكال متواصلة ودائمة ويمكن الاستناد عليها من نشاط الخلية على غرار التحريض، الدعاية، جمع الامكانات المالية، توزيع ادبيات الحزب وغير ذلك و بالاخص ان تتمتع بالقدرة و الامكانية اللازمة للتنسيق بين مباديء العمل السري مع العمل العلني على صعيد معمل. ينبغي على خلايانا، و بالاخص في اوضاع القمع هذه، ان تكون محاطة بجماهير اوسع من العمال. و عليه، فان اي نوع من الاستعجال في اقامة لجان اعلى ستواجهنا باشكالات متعددة دون شك. يجب ان ينتبه رفاقنا الى ان الهيئات التنظيمية ليست اسماء او يافطات لجمع من الافراد الحزبيين، بل انها كيان لانجاز مهام محددة. قبل تشكيل اي هيئة، ينبغي الاجابة على هذه الاسئلة على الاقل: هل يستلزم نطاق نشاطنا في النطاق المعني ايجاد هيئة اعلى؟ هل نتمتع بجملة قدرات لتشكيل هذه الهيئة؟ نظراً لدرجة نفوذها الجماهيري و التربية التنظيمية الموجودة للكوادر و العمال المؤيدين، هل بوسعنا الاطمئنان الى ديمومة واستمراية نشاط الهيئة الجديدة بصورة كافية؟
5- للاكسيون مكانة جدية و لا يمكن انكارها في نشاطات الحزب دون شك. ولكن كيفية الشروع بالاكسيونات هو ليس امر بوسع كل خلية ان تقرر عليها بمعزل عن السياسة العامة للحزب تجاه المسائل المختلفة، وذلك فقط لتوفر امكانية اتخاذ قرار حول "اقامة" هذا التحرك اوذاك في هذا الوضع او ذاك). وهنا لا اتطرق الى سبيل تدخلنا في اكسيونات "عفوية" للعمال دون شك. (على نشطائنا ان يطابقوا ممارستهم و عملهم مع السياسات المعلنة للحزب (في القرارات، المقررات، و تعليمات الجرائد و اذاعة الحزب). تكمن المسالة الاساسية في اننا ندرك الصلة المباشرة لمدى نفوذ الحزب الشيوعي من جهة و درجة نجاح التحركات العمالية من جهة اخرى. ان ترسيخ الحزب نفسه اليوم هو احد المستلزمات الحياتية لتطور حركة عمالية مستمرة و متنامية. لاننا اكدنا اكثر من مرة على ان الحركة العمالية، و من اجل توسيع نفسها، ان تتمحور حول محاور اساسية معينة، ان تخرج من اطار معامل منفردة و ان تتخذ ابعادا عمومية. ان هذه جميعا تستلزم، في هذه الاوضاع، درجة معينة من تنامي وتوسع الحزب الشيوعي بين العمال. وهو الامر الذي على خلايانا الحزبية ايلائه اولوية جدية.
6- ختاماً، علينا ان نشير الى مسالة استمرارية عمل الخلايا في المجابهات مع الشرطة السياسية و القوى القمعية و عملاء النظام المنبوذين. ان انجاز هذه المهام الجسيمة للخلايا في هذه المرحلة يستلزم الانتباه الجدي لمسالة ديمومة و استمرارية و صيانة الوضع الامني لنشطاء كل خلية، اتصالاتها و امكانياتها. ان الاكسيونية تتناقض بشكل سافر مع حاجتنا هذه. ان حصيلة النزعة الاكسيونية بالنسبة لخلايا قليلة النفوذ هي ليست زوال و تلاشي الخلية نفسها، بل ومثلما كنا شهود في بعض الحالات، على هدر القسم الاغلب من الفعاليات السابقة للخلية فيما يتعلق بالعمال الطليعيين الاخرين والنزول العمومي لمستوى النضال في المعمل. ان كل اكسيون بالنسبة لنا مرحلة في دفع و تسيير النضال وينبغي طرحه بالهدف ذاته و انجازه. لا نناضل من اجل تدوينه في سجلات التاريخ، اننا نناضل كي ننتصر. و من البديهي ان تأخذ اي خطوة لنا، اي تكتيك واية اكسيون لنا بنظر الاعتبار جملة ظروف تؤمن ديمومة و استمرارية وتوسع الفعالية التنظيمية هي احد عناصرها.
******
ان النزعة الاكسيونية هي احد امراض البرجوازية الصغيرة اليائسة بحاجة الى تحليل اوسع و اشمل. اشرنا هنا الى بعض اشكال تجليات ذلك الانحراف. في الختام، ينبغي ان أُذَكِّرْ بنقطة اخرى و هي امكانية بروز الاشكال القديمة من النزعة الاكسيونية مرة اخرى في المستقبل، اي في اوضاع تغير ميزان القوى وتوفر اوضاع ديمقراطية. ان حزباً يتنامى باستمرار و ينهل من قوى باختلاف تياراتها الداخلية ليس بوسعه ان يصون نفسه، وبمرة واحدة للابد، عبر تحليله النقدي للتحريفات الناجمة عن تفكير وميول الطبقات المدافعه عن الملكية الخاصة في المجتمع. ينبغي التربية المستمرة للعمال بصورة مستمرة بنقد النزعة الاكسيونية بوصفها جزء من النقد العام لنمط العمل الشعبوي. ينبغي تربية العمال وتنظيمهم بوصفهم طبقة مقتدرة تستند الى استراتيجية، تكتيك و اساليب ثورية واضحة و ذات حزب واع و ثوري. نزعة الهواية و النزعة الاكسيونية قصيرة النظر للبرجوازية يعاد انتاجهما يومياً وذلك للياس الاقتصادي لمنتجي وموزعي جزء من المجتمع. ينبغي على الحزب البروليتاري الذي هو ثمرة الانتاج الكبير لحزب يستند الى الماركسية و اللينينية ان يلوث ايديه بثورية عقيمة وعاجزة. ان سبيلنا هو سبيل النضال المستند الى ضبط و خطة.
نشرت هذه المقالة لاول مرة في جريدة "كمونيست"- الشيوعي- لسان حال الحزب الشيوعي الايراني، العدد 6 والصادر في 21 اذار 1984. واعيد نشرها في ملحق 1 للمجلد الاول من مختارات من اثار منصور حكمت، من اصدارات الحزب الشيوعي العمالي الايراني-الحكمتي، 2006.

* 30 خرداد1360: حملة شرسة قامت بها الجمهورية الاسلامية عام 1982 صفت بغضون ايام معدودة عشرات الالاف من اليسار والتقدميين ومعارضي نظام الجمهوري الاسلامية.



**الخط الثالث: اطلق على مجموعة من التيارات التي كانت الحزب الشيوعي السوفيتي حزبا تحريفيا والدولة السوفيتية دولة اشتراكية امبريالية.

مقالات