منصور حكمت

بصدد مكافحة الادمان على المخدرات

مقابلة مع منصور حكمت*

ترجمة: فارس محمود
اذر ماجدي: اود ان اتحدث معك حول موضوع مختلف كلياً، مسالة المخدرات. يعد الادمان على المخدرات احد المسائل الحادة الى حد كبير في المجتمع، يرسف قسم واسع من الناس في مشاكل وان هذا الامر بعث على القلق فيهم وحوّل حياتهم الى مصيبة. يُقال ان عدة ملايين من الناس هم من المدمنين، وان عدد كبير من المدمنين في السجون يرسفون بامراض الهاباتايت والايدز وغيرها، وان حديث وزارة المخابرات ذاتها اخيرا عن (اننا فريسة المخدرات بسبب تهريبها الى البلد). اود ان اعرف كيف يمكن، برايكم، التصدي بصورة واقعية لمسالة الادمان وتهريب المخدرات، اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار جوارنا ومحاذاتنا لبلدان مثل افغانستان وباكستان وغيرها. ماذا سيكون سبيل حلك لهذه المسالة؟



منصور حكمت: لدينا في الحزب الشيوعي العمالي سياسة واضحة بخصوص الادمان. ان قضية الادمان على المخدرات ذات جانبين منفصلين وبالامكان التعامل معهما. احد الجانبين هو العرض والجانب الاخر هو الطلب. اية اليات، واية سياسات، واية ظواهر تبعث على تنامي عرض المخدرات في بلد ما... وهم المهربين وشبكات الدلالين والباعة ومراكمي الثروات عبر المخدرات. واية مسائل تبعث على ازدياد الطلب على المخدرات في المجتمع وتدفع الناس للاتجاه صوب استهلاك المخدرات. وان هذا هو بحث اخر ايضاً يطرح ارضية اخرى.



فيما يخص العرض، برايي، يجب التصدي الحازم لدخول المخدرات، توزيعها، بيعها، الدلالية لها وشرائها وبيعها. ليس في ذلك ادنى شك. اما فيما يخص الطلب على المخدرات، فيما يخص اتجاه الناس باعمار صغيرة جداً نحو المخدرات، فان ذلك يعود الى احساس الانسان بالسعادة، مدى احساسه بالسعادة، الاحساس بالخلاقية والابداع، الاحساس بالكرامة، القيمة التي يحس بها الانسان في المجتمع... اذا حقَّرْتَ المجتمع، على المجتمع نسيان هذا الاحتقار. اذا كان المجتمع يرسف بالضغوط، ينبغي تحمل هذه الضغوط بطريقة ما. اذ حِلّتَ دون تفتق ابداعات البشر الخارجية ، يضع التدمير الداخلي لنفسه على الاجندة، ويحطم نفسه. ينشد البشر المضي للامام، ان لم تدعه، يُجْبَرْ على الاغتراب ويُدْفَعْ في داخله الى هذا الوضع.



وعليه، فان الانسان الذي يشعر بالسعادة والخلاقية لايسعى وراء المخدرات والترياك والهيرويين والكوكايين. سيقوم بالعمل الذي يرغب به بدلاً من ذلك. ولو حاز على الانتاج الذي يتطلع اليه والثمرة التي يتطلع اليها بشكل مادي ومعنوي، واحس بالسعادة لما وقع في هذه الدائرة. وعليه، فان انهاء عمر الجمهورية الاسلامية هو الشرط المسبق لانهاء طلب الناس على المخدرات. يجب ان يتمكن الناس من يكونوا سعداء، وان يحسوا ان المجتمع هو مجتمعهم ويخصهم، ان يحسوا ان الطريق سالكاً امامهم، بوسعهم ان يخلقوا امراً سليماً من حياتهم، بوسعهم ان يبلغوا مكاناً ما، بوسعهم ان يكونوا خلاقين، بوسعهم توفير الوسائل المادية والمعنوية لسعادتهم وسعادة عوائلهم، الباب مشرع على مصراعيه لهم حتى يشعروا ان بوسعهم المضي صوب هذه الجهة. امرء يشعر باحترام الاخرين له وقيمته، انسان يحس ان بوسعه توظيف واستخدام ابداعاته وخلاقيته... ان شرط ذلك، في المطاف الاخير، زوال الجمهورية الاسلامية. في النظام الذي ننشد، ان اول عمل يقوم به هو اعلان ان الادمان على المخدرات ليس جرماً. الادمان ليس جرماً. نقول ان على الدولة تامين المواد التي يحتاجها المدمن، عبر العيادات الصحية بصورة سليمة ودقيقة وقانونية وتحت اشراف طبيب كي يساعدهم على الاحساس انهم بشر وليسوا جناة، بل اناس محترمون وذو كرامة، وعليهم الان التخلي عن ادمانهم. اذا دفعت المدمن الى احضان الدلالين والمهربين والشبكات السرية للجريمة والفساد والحرمان، من المعلوم انه لايبقى منفذ لسبيل النجاة. ينبغي ان تجر الابرياء خارج هذا الوضع، يجب ان توفر الفرصة لكل امرء اصبح في مسار ما مدمنا كي يتمكن من الاحساس بان المجتمع يقر بقيمة وجوده، يقر بقيمته بوصفه انسان، يتفهم حاجاته، يؤمنها، وفي الوقت ذاته يوصيه ويمد يد العون له للتخلي عن الادمان.



وعليه تتمثل سياستنا بالنضال الحازم ضد شبكات المهربين، لجم شبكة بيع المخدرات وارساء مجتمع لايحتاج فيه نسيان الانسان او ان يأكله الحزن والقلق او تحقيره. عدم تجريم حياة المدمنين ودور الدولة في تامين حاجاتهم في نظام حر، منفتح وقانوني بنحوٍ يوفر لهم الفرصة للقرار على تركه... يمد يد العون له لترك الادمان. ان هذه هي سياسة الحزب الشيوعي العمالي. في بعض البلدان المتمدنة، يقومون بجزء من هذا، وحقق نتائج طيبة. ان اناس يشعرون بالشرف والكرامة واحترام الاخرين لهم واقتدارهم لايطرقوا باب الادمان. حين تكبل التعاسة انسان ما، ويثقل المجتمع كاهله بالمصائب والهم، يمضي صوب الادمان، ذلك انه يبغي رفع هذه الضغوط عن نفسه. ان هذه جميعاً سياسة واحدة وكل واحد. ان اسقاط الجمهورية الاسلامية هو الشرط الرئيسي لحل قضية الادمان. اذ لايمكن عمل الكثير طالما هم في السلطة ويضغطون على خناق المجتمع.



اذر ماجدي: ثمة مسالة تطرح نفسها هنا الا وهي مسالة تهريب المخدرات بوجود افغانستان، باكستان والغرب والذين نعرف ان عمل حكوماتهم هو هذا اساساً. لقد ذكرت الجمهورية الاسلامية نسيها واقر مسئولوها بـ(اننا فشلنا. اي رغم كل الاعدامات التي قمنا بها، ولكننا لم نحقق هدفنا، وعمت المخدرات المجتمع كله). هل يمكن فعلاً تنفيذ السياسة التي تحدثت عنها وانقاذ المجتمع من هذه المصيبة؟



منصور حكمت: برايي، اذا وضعت دولة ما مسالة السيطرة على المخدرات على عاتقها، دولة نفترض انها تنشد سعادة المواطنين، تقول اذا كان امرء ما مدمناً، فليراجع العيادة الفلانية في الشارع الفلاني، يزرق نفسه بابرة تحت اشراف الطبيب، وان يقوم بما يشعر انه بحاجة اليه، ويمضي لسبيله، عندها سيندم ذلك المهرب الذي يتصور ان بوسعه ان يبيع هذه المادة في سوق ايران، ويتراجع عن ان يقدم على مثل هذا العمل. وذلك لان قيمة عمله تهبط في السوق، لايدر ربحاً، وان بوسع المدمن ان يقول وبراس مرفوع: نعم ان لدي هذه المشكلة. مثلما تكون انت مدمن على التدخين، وتقول: للاسف اني مدمن على التدخين واعمل على تركه، ولهذا اراجع العيادة الصحية. اذ لو بوسع الانسان مراجعة الطبيب، الصيدلية، والحصول على حاجاته بدون ان يستجديها في الدهاليز والازقة الجانبية ويرسفوا في التعاسة ويتركوا عوائلهم، فان ذلك المهرب الذي كان من المقرر ان يجني اموالاً طائلة من هذا العمل، سيفهم ان ليس ثمة سوق لبضاعته، ولهذا عليه ان يمضي من هنا. كما يرافق ذلك وجود منظومة سلامة ومنظومة بوليسية لاتسمح بدخولهم ايران، لاتسمح لهم بجلب المخدرات، سيكون هذان الجانبان من العمل سوية كافياً للرد على هذه المسالة برايي. ولكن يجب ان يتلازم هذا الجانبان معاً. اذا واجهت هذا المسار بشدة، ستتصاعد قيمة هذه البضاعة في السوق، وسيرى الطرف ذلك المكان بوصفه سوق مخدرات يدر ربحية عالية، ويواصل عمله. ان المهربين اكثر مهارة ودهاء من الجمهورية الاسلامية، ولا اعرف الان مدى ضلوع الجمهورية الاسلامية في ادارة المخدرات، قد تمد يد العون للمهربين ايضاً، او ان من بينهم من يسعى للتحول الى مليونير عبر هذا السبيل، بيد ان الشبكة العالمية، في المطاف الاخير، اكبر من ان تكون الجمهورية الاسلامية، باخوانهم الباسدار، قادرة على الوقوف بوجه دخولهم الى بلد بمثل هذه السعة والامتداد. يجب استنهاض المجتمع ضد المخدرات، وان هذا يستحيل في اطار نظام فاسد يسوق الناس نحو التعاسة والاغتراب.



برايي، ليس للجمهورية الاسلامية سبيل حل. بيد ان حكومة اشتراكية سليمة، حكومة جماهيرية بوسعها ان تحل هذه المسالة بصورة تامة في غضون سنوات.



اذر ماجدي: اتجه كل هؤلاء حتى الاطفال والطلاب للمخدرات.... هل سبب ذلك وجود المهربين ام وجود العوز؟ ماهو الامر الذي يبعث بالضبط على الاعتقاد بان تستطيع فرضاً ان تحول في مجتمع افضل دون ان يقع اطفالنا فريسة المخدرات؟



منصور حكمت: برايي، ان الانسان الذي يشعر ان الطريق الذي امامه مفتوح وسالك لايعود القهقري. انسان يحس ان بوسعه ان يطلق ابداعاته وخلاقياته للمحيط الخارجي ليجربها ويبرزها، لايقوم بحملة على داخله. برايي، ان التعاسة العامة التي تمسك بالمجتمع وسحق شخصية الانسان في مجتمع ايران هو اساس تنامي الادمان. في مجمل المجتمعات التي تحكم فيها حكومات استبدادية فاسدة، يبتلي المجتمع بالفحشاء والمخدرات وغيرها. وكلما تحكم الناس بمصيرهم، كما شهدنا ذلك في فترات قصيرة في ايران نفسها ابان ثورة 1979، تقل هذه المسائل وتتهمش.



* نص تم تدوينه عن مقابلة لاذاعة انترناسيونال-اذاعة الحزب الشيوعي العمالي الايراني- مع منصور حكمت في 2 تشرين الثاني-نوفمبر 2000.



مقالات