منصور حكمت

الحزب الشيوعي والعضوية العمالية - القسم الثاني

لجزء الرابع

لقد قلت في القسم السابق أن إنفصال العمال عملياً عن أحزاب اليسار الراديكالي الايراني وتسيد وجود المثقفين والطلبة والمتعلمين في هذه التنظيمات لم يكن أبداً نتاج الصدفة أو ناشئ عن السياسات غير الصحيحة في كسب الأعضاء وغير ذلك. بل إن جذوره تعود للإنفصال التاريخي والإجتماعي لليسار الراديكالي الإيراني عن الطبقة العاملة والحركة العمالية. فلم يشكل الإحتجاج العمالي البيئة الطبيعية لنشاط ووجود هذا اليسار ولاتتطابق الأهداف السياسية، والتطلعات الإجتماعية وأشكال النضال لدى هذا اليسار مع الحضور الإجتماعي والحاجات السياسية للعامل بوصفه طبقة إجتماعية معينة. وفي هذا القسم أود الإشارة الى تلك الآليات التي تجسد وتعكس هذه الحقيقة الإحتماعية الواسعة على المستوى العملي وتحافظ على العامل الذي هو موضوع عمل هذه التنظيمات بعيداً عن هذه التنظيمات والعضوية فيها.

 

 

 

نضال إجتماعــي أم نشاط تنظيمــي؟

 

 

 

أشرت قبلاً الى أن اليسار الراديكالي الايراني قد ظهر الى الوجود مع فشل وهزيمة القوى التقليدية للمعارضة البرجوازية، الجبهة القومية وحزب توده. وقد إنتقد هذا اليسار الجديد التيارات التقليدية. وقد أكد نظرياً على الإشتراكية والماركسية كمدرسة فكرية.  ومن الناحية السياسية صعّد من إنتقاده المناهض للإستبداد القومي. وفي الممارسة السياسية، تخلى عن الأساليب المسالمة التي إتخذتها التيارات التقليدية لصالح النضال العنيف والسري. وبهذا الشكل تحول قسم من المعارضة البرجوازية في ايران الى الراديكالية. إلاّ أن تحولاً أساسياً قد طرأ في هذه الأثناء أيضاً حيث حدد هذا اليسار الجديد تمايزه وإختلافه عن التقاليد السياسية التي شكلت مصادره الأولية. فقد كانت التيارات التقليدية تيارات إجتماعية، ليس فقط الجبهة القومية، التي كانت في الأساس إئتلافاً مكثفاً وواسعاً من القوى المختلفة للمعارضة البرجوازية، بل وحتى حزب توده أيضاً الذي كان أكثر إنتظاماً وتنظيماً من الناحية التنظيمية، كانت مركز نضال شرائح واقعية داخل المجتمع. إلاّ ان اليسار الجديد لم تكن له مثل هذه الخصيصة والطابع. فقد تبلور اليسار الايراني كمجموعة من التنظيمات والمجاميع السرية وغير القانونية التي تدفع بنضالها التنظيمي الى الأمام. هذه التنظيمات لم تكن ممثلة ومنظمة للحركات الإجتماعية. وبالنسبة لهذه التنظيمات كانت التحركات السياسية للطبقات والشرائح الإجتماعية، وفي الدرجة الأولى الحركة الطلابية وكذلك الحركة العمالية، كانت حركات خارج محيط وحدود الممارسة التنظيمية التي يسعى التنظيم لإقامة"علاقة" معها في مسار نضاله وصراعه. وبدلاً عن التقاليد الإجتماعية لحزب توده والجبهة القومية، ظهرت تنظيمات لا تعرف وتعرّف وفق مكانتها وموقعها الإجتماعى، بل بخصائصها التنظيمية. ولهذا كانت هذه الخصيصة غيرالاجتماعية وإحلال التنظيم محل القوى الطبقية والإجتماعية في الميدان السياسي أمراً حتمياً لايمكن إجتنابه أبداً. لأن هذا التقليد هو حصيلة راديكالية جزء من الناشطين السياسيين لتلك الطبقات التي لم تكن في الميدان الإجتماعي غير راديكالية فقط، بل وإنها رأت في النظام السياسي المحافظ الموجود إطاراً سياسياً مناسباً للنمو الإقتصادي بعد الإصلاحات الزراعية لعقد الأربعينات.

 

إن شكل ظهور هذا اليسار الجديد قد طبع الخصائص التنظيمية والممارسة السياسية لهذه التنظيمات والتيارات بطابعه. فقد شكلت إشاعة التصورات شبه الماركسية الحديثة الظهور، الدعاية والتحريض ضد الإستبداد والإمبريالية، وتنظيم الحركات بقوى الأعضاء والمؤيدين للتنظيم، الخطوط الأساسية لممارسة هذه اليسار الجديد. لقد كانت التيارات التقليدية هي المنظم للإحتجاج الإجتماعي. ولكن اليسار الجديد إنعزل عن الحركات الإجتماعية وحول الإحتجاج التنظيمي الى شكل لوجوده. ويوجد تصوران أساسيان لتبرير هذا الطابع غير الإجتماعي داخل صفوف هذا السيار. تصوران يتضمنان في نفس الوقت تحريفاً لبعض من المفاهيم الأساسية للماركسية والإشتراكية العمالية. الأول هو مقولة "تنظيم الثوار المحترفين" والثاني"علاقة" الإشتراكية بحركة الطبقة العاملة. وكان اليسار الراديكالي يرى عزلته ولا إجتماعيته حالة إنتقالية وعابرة. ويتم الإستدلال والتبرير بأن ما تم إيجاده هو تنظيم من "الثوار المحترفين". وعلاقة هذه التنظيمات بالطبقة العاملة والحركة العمالية هو أمر مرهون بالمستقبل. والمشكلة هي أن أياً من هذه المفاهيم لم يستخدم في التقاليد الماركسية بهذا الشكل. فتنظيم الثوار المحترفين الذين هو جزء مهم من نظرية الحزب اللينينة، يطلق على تنظيم يمثل حزباً إجتماعياً عمالياً بالمعنى التام للكلمة. ووجود حركة إشتراكية عمالية، ومراكز محلية للإحتجاج الإشتراكي للعامل، هي الشروط الأولية لوجود تنظيم الثوار المحترفين الشيوعي. فلا يمكن أولاً تشكيل "تنظيم  الثوار المحترفين" للشيوعية العمالية في زاويةٍ ما بمعزل عن هذه التقاليد النضالية وبدون أية علاقة عملية بها وبواسطة عناصر مادية بشرية غريبة عن هذه البيئة النضالية ومن ثم التفكير بمسألة "العلاقة". وفيما يتعلق بنفس مقولة "العلاقة" كنا قد تحدثنا سابقاً عنها. فلم تكن أحاديث البلاشفة في بداية القرن حول علاقة "تنظيم" مع الجماهير، بل حول فسح المجال للإشتراكية العمالية كتقليد فكري ونضالي داخل صفوف الطبقة العاملة الروسية. ولم يتحقق هذا الأمر في نهاية القرن في كل بلد رأسمالي فحسب، بل تحولت الإشتراكية العمالية كتقليد إحتجاجي الى تيار معتبر داخل صفوف الطبقة العاملة في الكثير من البلدان ومن ضمنها ايران أيضاً. ولذلك فإن إطروحات "تنظيم الثوار المحترفين" و"العلاقة" لاتمثل لليسار الجديد سوى ستاراً للتغافل عن مكانة وحقيقة سياسية وإجتماعية خطرة. إنها حقيقة أن وجود هذه التيارات هو وجود تنظيمي وعصبوي. والممارسة السياسية لهذه التيارات قاصرة على الممارسة الدعائية والتحريض وتنظيم الحركات من قبل اعضاءها فقط. وبهذا تم إبدال النضال الإجتماعي بالنشاط التنظيمي.

 

للبحث بقية

 

من اصدارات صفحة منصور حكمت www.ma-hekmat.com لترجمة ابحاث الشيوعية العمالية.

 

 ترجمة : يوسف محمد

 

مقالات