منصور حكمت

الديمقراطية الغربية في روسيا


تسير روسيا في طريق إقامة الديمقراطية الغربية. ولا ينبغي الشك في ذلك. فهذا هو النظام الوحيد الذي سيريح بال الرأسمالية الغربية حول ماهية روسيا المستقبلية والمكانة التي تبحث عنها لنفسها في عالم ما بعد الحرب الباردة. وروسيا اليوم بحاجة لطمأنينة الغرب من أجل بقائها الإقتصادي. إن المسألة على درجةٍ من الوضوح لجماهير روسيا بحيث انها، وعلى الرغم من سخطها من السوق ومن يلتسين نفسه، لاتجرب في خاتمة المطاف سبيلاً آخراً وجناحاً آخر. وعلى درجة من الوضوح بحيث دفعت الجيش الروسي للقيام بهجمات قلًّ نظيرها داخل البلاد وقتل مئات المواطنين الروس الذين ربما هناك الكثير من التعاطف مع شعاراتهم داخل صفوف الجيش نفسه.
وإذا كان هناك شخص ما تصّور أن أفق الديمقراطية الغربية في روسيا كان سيؤدي الى ليبرالية المناخ السياسي الروسي وأدى اليوم الى الإنقلاب الوحشي ليلتسين، عليه وعلى ذلك الطيف العريض من اليساريين الليبراليين والمثقفين السذج، خصوصاً خارج روسيا، أن لايلوم سوى توهمه بهذا الصدد. إن الديمقراطية الغربية في القسم الأعظم من تأريخها وفي أغلب بلدانها لم يكن لها غير نفس هذا المعنى والدور والممارسة الروسية الراهنة. فالقبول بأي تقدم من الحريات المدنية وحقوق الإنسان بالنسبة للطبقات الحاكمة في الديمقراطية الغربية مرهون مباشرة بالكسب والربح الرأسمالي. عالم الديمقراطية الغربية هو عالم الإنتخابات، وحكومة المؤسسات الأمنية والعسكرية، ووسائل الإعلام العميلة والمأجورة والمواطنين المستفرد بهم واليائسين والمجروحي الكرامة المعرضين للإهانة. ينبغي النظر الى تركيا، كوريا، اليابان، كل أمريكا اللاتينية، أوربا المركز والجنوب وحتى أوروبا الغربية وأمريكا والنتائج السياسية للركود الإقتصادي في تلك البلدان. وينبغي أن تتأسس الرأسمالية في روسيا على عظام الطبقة العاملة المسحوقة لهذا البلد. فقد وضع إنقلاب يلتسين حجر الأساس للنموذج الواقعي الوحيد للديمقراطية الغربية في روسيا ولهذا السبب تمتع بالدعم والتأييد المنقطع النظير بصفته إنتصاراً للديمقراطية الغربية من قبل كل المؤسسات الحاكمة والأجهزة السياسية في الغرب. ولا تسير الديمقراطية في روسيا نحو النموذج الليبرالي لبلدان أوروبا الغربية، بل على العكس، فمع الركود والأزمات التي طالت العالم الغربي وأنتشرت في كل أرجاءه، فإن روسيا المعاصرة هي التي تجسد مستقبل الديمقراطية الغربية في أوروبا.




حول السلام في الشرق الأوسط
إن أهمية طرح موضوع السلام في الشرق الأوسط لاتكمن في أنه يحل قضية جماهير فلسطين. فالطرح الحالي ليس لديه مثل هذا الإدعاء ولا يمنح الفلسطينين بشكل موضوعي شيئاً يذكر. والمفاوضات المتعلقة بالأوضاع الدائمة وإقامة دولة فلسطينية مستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة ولا هي ستنهي على الفور المكانة الدنيا للفلسطينين في إسرائيل والمنطقة كلها ولا هي ستنهي الإحتجاج القومي من موقع المضطهد والمظلوم للفلسطينين. فمن الممكن بقاء قضية الدولة الفلسطينية والقضية القومية الفلسطينية الى جانب بعضهما البعض لزمن معين.
ما يعطي هذا الطرح أهمية أنه سيضع القضية القومية الفلسطينية في إطارها السياسي الواقعي وسيزيل عنها كل المعاني والحساسية الأقليمية والعالمية التي فرضت عليها في مواجهات أكثر أساسية، اي الحرب الباردة والمواجهة والصراع بين العرب وإسرائيل. وبهذه الطريقة يمكن الآن حل القضية القومية، ويمكن تحويلها الى قضية جانبية. الأهم من ذلك كله ستضع الطبقة العاملة وجماهير الناس الكادحة في المنطقة في خضم حقائق ووقائع سياسية أهم. من مثل أن إسرائيل ستظل ايضاً بدون قضية فلسطين نظاماً قومياًـ عنصرياً ينبغي تحريره وتغييره من قبل قواه الطبقية الداخلية، وأن الدول المستبدة والرجعية العربية والإسلامية ليس لها اية علاقة بجموع الجماهير المضطهدة في المنطقة، وليس هذا فحسب، بل إنها حولت قضية فلسطين العادلة والحرمان والإضطهاد المفروض على جماهير فلسطين المظلومة الى وسيلة سياسية لحماية سلطتها والحفاظ عليها، وإن الحرية والرفاه لاتتحقق من خلال" الدولة المحلية" و"التحرر الوطني"، بل من خلال الثورة الإجتماعية وتحرر الإنسان من النظام الطبقي.
وعلى الرغم من أن نتائج المسار الراهن لاتحل القضية الفلسطينية. إلاّ أن نفس تحويل هذه القضية الى مسار سياسي وربطها بالمفاوضات المباشرة بين الطرفين الأصليين، سيحرر الطبقة والإشتراكية على الأقل من أسر " القضية الفلسطينية".

*تم نشر هذا المقال والمقال الذي سبقه"الديمقراطية الغربية في روسيا" في العدد المزدوج السابع والثامن من صحيفة إنترناسيونال صحيفة الحزب الشيوعي العمالي الايراني الصادر في تشرين الأول من عام 1993.

ترجمة: يوسف محمد

مقالات