منصور حكمت

الإنتخابات الإسرائيلية


دفع إنتخاب بنيامين نتنياهو لمنصب رئيس وزراء إسرائيل مسار المساومات بين العرب وإسرائيل وحل القضية الفلسطينية الى مواجهة أزمة جدية. وبالطبع، ليس قليلاً عدد المراقبين الذين يرون في تصريحات نتنياهو ضد" عملية السلام" مجرد دعاية مرحلة الإنتخابات لكسب أصوات اليمين الديني وستتغير بشكل كبير بعد تشكيل الحكومة. ويقال أن تأكيدات نتنياهو على "الوحدة الوطنية" و "السلام" في أول خطاباته بعد الفوز في الإنتخابات هي دليل على هذا الإنعطاف. يقال أن عملية السلام مبنية على إتفاق دولي بين دولة إسرائيل والعرب والوسطاء الغربيين، ونتنياهو لا هو يريد ولا هو يستطيع الإنحراف عن سبيلها. ويقال، أن بإمكان الليكود السلام، وبسبب مكانته في الساحة السياسية الإسرائيلية، لديه إمكانية أكبر في جعل الجناح اليميني في المجتمع الإسرائيلي يقبل عملية السلام.
إلاّ أن مثل هذه التحليلات تغض النظر عن عاملين أساسيين يعملان لحد الآن وسيكون لهما الأثر الحاسم في مسار الأوضاع المستقبلي. وحتى لو أراد نتنياهو الإلتزام بأساس سياسة بيريز، هناك عاملين قد تغيرا بوصوله الى السلطة. أولهما هو الأجواء السائدة على مسار السلام، الثاني هو سرعة هذه المسار. هذان العاملان هما حاسمان من ناحية أن طرفي مفاوضات السلام ليسا قطبين موحدين داخلياً، بل يشكلان معسكرين متشنجين ويعانيان من صراعات داخلية. فقد قامت كل عملية السلام على إفتراض أن اليمين المتطرف ستفشل مساعيه ويتم إحباطها سواء في جبهة إسرائيل أو في جبهة العرب والفلسطينين. وقد تأسست مسيرة السلام في الشرق الأوسط ليس على المصالحة ومصافحة عرفات لبيريز ورابين، بل على إعلان الإستعداد من قبل كل طرف من أجل تصفية الحساب مع اليمين المتطرف والديني كل في معسكره. وقد أدى إنتخاب بنيامين نتنياهو الى وضع هذه الفرضية تماماًَ تحت طائلة السؤال. فأي نوعٍ من إعاقة مسار المفاوضات ووضع العصي في عجلة حركتها وتصعيد الصراعات والمهاترات الكلامية بين الطرفين، يعني إنفتاح الميدان أكثر أمام اليمين المتطرف والديني في صفوف كلا الجبهتين. لقد كان في إستراتيجية حزب العمل، الإعتراف رسمياً بعرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية، والقبول بأساس المفاوضات حول إستقلال فلسطين ومصير القدس، شرط مسبق لتهميش حماس والتيارات الإسلامية وجر جماهير فلسطين خلف عرفات. أما قطع المسار المفاوضات، والإهانة السياسية لعرفات ومنظمة التحرير، التي تجسدت في نفس الخطاب الأول لنتنياهو التصالحي، والتنصل عن تعهدات حكومة بيريز تجاه الإنسحاب من الضفة الغربية والتفاوض حول مستقبل القدس، لاتعني سوى دفع حماس والحركة الإسلامية الى الأمام وتهميش تيار عرفات ومؤيدي المفاوضات في معسكر الفلسطينيين.
ومع كل ذلك فإن قضية اليمين الديني المتطرف في نفس إسرائيل هي مسألة على قدر كبير من الجدية. لقد كان من المحتمل كثيراً فيما لو أستمر المسار السابق في تقدمه أن يتمكن الجناح اللاديني والمؤيد للسلام بين أوساط الفلسطينيين من إحباط الحركات الدينية والمتطرفة في المجتمع الفلسطيني وتهميشها. إلاّ أن إغتيال رابين وكذلك إنتخاب نتنياهو وفق برنامج عمل يميني، بيّن أن القضية الفلسطينية لن تكون في خاتمة المطاف سهلة الحل من دون تصفية الحساب مع اليمين الديني والقومي في نفس المجتمع الإسرائيلي. فقد بيّن الجناح اليميني عدم توهمه بهذا الخصوص وهو على إستعداد لإستخدام السلاح. ولكن من المشكوك فيه تماماً أن يكون القطب الرسمي لليسار في المجتمع الإسرائيلي، خصوصاً ذلك القسم الذي يشكل حزب العمل وبيريز لسان حاله، قادراً على أو ميّالاً الى مثل تصفية الحساب هذه. فالجرائم الأخيرة لحكومة بيريز في لبنان والمآسي التي فرضتها على جموع الجماهير الفلسطينية بحجة مواجهة إرهاب حماس، والإكثر وضوحاً من ذلك المشاعر القومية والعنصرية ضد العرب وإهانة كرامتهم التي تشكل ركناً أصلياً من كل الأيديولوجيا الرسمية في إسرائيل والخميرة المشتركة لحزب العمل والليكود كلاهما، كل تلك تؤكد هذه الحقيقة وتثبتها.

نشر هذا المقال في العمود الأول من صحيفة إنترناسيونال صحيفة الحزب الشيوعي العمالي الايراني في عددها(21)الصادر في شهر حزيران من عام 1996.
ترجمة : يوسف محمد

مقالات