منصور حكمت

حول عدم اتخاذ الحزب موقف من وفاة احمد شاملو* رسالة الى الرفيق بابك يزدي

 

 

الرفيق بابك، الرفاق الاعزاء

لقد سالتموني رايي فيما يتعلق بابداء (وفي الحقيقة عدم ابداء) الحزب لنظره فيما يخص وفاة احمد شاملو. يبدو انكم قد قمت بنقاش مفصل بهذا الصدد.  للاسف، لم اكن مشاركاً في هذه الابحاث والمبررات المحتملة المطروحة، ولهذا، من الممكن بالطبع  ان يكون ما اذكره هنا ليس هي المسائل التي ناقشتموها. اني اطرح وجهة نظري الشخصية على اية حال.

 

برايي، لاينبغي على الحزب، فيما يخص بوفاة شاملو، ان ينشر نص ذكرى، رثاء، او حتى نقد شاملو، وقد فعل حسناً بذلك. في الاشهر الاخيرة، توفى شعراء وادباء وفنانين اخرين ولم يتخذ الحزب، وبصواب برايي،  موقف رسمي. اني اقصد كلشيري، رحماني، نادربور وفردين. ومن المؤكد ان يقول الرفاق ان الامر يختلف مع شاملو. لقد سمعت عدة مبررات لتبيان هذا الاختلاف: اولها ان شاملو امرء راديكالي. او محب للانسان. ثانياً، لم يقصر امام الجمهورية الاسلامية وقال "كلا" للحكومة. وفي بعض الاشعار، ثمة تلميحات واشارات ضد الحكومة الدينية والاسلامية ونظام الجمهورية الاسلامية. واخيراً، ثالثاً، للمكانة الادبية والفنية البارزة التي يتمتع بها شاملو.

 

لأبدأ من النقطة الاخيرة. برايي، فيما يتعلق بالموضوعة الاخيرة، ينبغي دون شك كتابة شيئاً ما رثاءاً لشاملو. بيد ان هذه ليست مهمة حزب سياسي. انها مهمة محبي الفن والادباء والمهتمين بشاملو والشعر والادب. ان التدخل في مثل هذا الميدان وابداء موقف رسمي حول المكانة الادبية للافراد لايتناغم قط مع تقليدنا. ان الشعر والادب ميدانا الابداع و الادراك الفردي. يجب ان لايكون للحزب الشيوعي العمالي والحكومة العمالية غداً امير شعراء وادباء مجازين وغير مجازين، رسميين وغير رسميين.

 

فيما يتعلق باجلال شاملو بوصفه امرء راديكالي ومحب للانسان، برايي، ان ميدان الشعر والادب يتم تقييمه هنا وفق رؤية شرقية ومبتلاة باوضاع الاستبداد. لقد ملأ الشعر والادب تاريخياً المكان الخالي للنقد والعمل والفعالية السياسية في الشرق وايران. لقد حل محل القادة السياسيين وفعالي الحركات التي دفعت يومياً قضيتها السياسية بـ"النثر" وفي خضم جملة من الفعاليات المادية وجعلت المجتمع مستقطباً، شاعر واديب يدافع عن الحق بصورة مفصولة عن الاخرين.  لقد تم ملأ المكان الخالي للتظاهرات، الاعتصامات، الخطب، التنظيم، البرامج والخطط، بالقصائد، الابيات، الايماءات والاشارات الفنية المستقلة (اي المفصولة عن الاخرين-م). بدل تنظيم الحركة الداعية للمساواة بين المراة والرجل بتنظيماتها وشخصياتها، نجد بيت شعر حول صرخة امراة في حلم انسان ما.  اضف الى ذلك ايضاً التخلف في الاشكال الفنية ايضاً. في ايطاليا وامريكا، يعد السينمائي شخصاً مهماً. (اليوم، يعد الموسيقي اهم الجميع). في الغرب، ليس ثمة شاعر جماهيري ومعروف. في ايران، الشاعر مهم (وإن يكن اليوم اقل اهمية بكثير). على اية حال، ان تتعقب امرءاً راديكالياً ومحباً للانسان، افصل مسالة ان يكون شاعراً او خياطاً اوخبازاً وانظر للجميع وفق معيار واحد! هل برايكم ان على الحزب الشيوعي العمالي المفعم صفه باناس يحفل سجل اعمالهم النضالية من اجل التحرر والمساواة اكثر بكثير من الابيات الشعرية ان ينهض ليوضح اسمى ايات الاحترام والتقدير لنضالات شاملو المحبة للانسانية والراديكالية. أليس ذلك حطاً للمعايير؟ أثمة نواقص ومحدوديات وعذر لدى شاملو يحول بينه وبين ان يتحدث مثلي ومثلك لسنوات عن حرية ومساواة البشر بلغة عادية وفي نصوص اكبر (ويقصد بخلاف النصوص الشعرية ذات الكلمات القليلة-م) يوميا بدون اللجوء للايماءات والاشارات والاستعارات. يطرح برنامج عمل، يكون عضو منظمة، يعارك، يطرح شعار، يوعِّي، يقاوم؟ لايستطيع ذلك لانه شاعر؟ لم يكن شاملو عضو اي حركة او منظمة راديكالية ومحبة للانسان. لم يكن عضو اي حزب. لم ينطق بشيء في اعماله يتعلق بالحجاب الاسلامي، حقوق الاطفال، ضمان البطالة، الغاء الاعدام، الغاء العمل المأجور، الطب المجاني، النظام العالمي الجديد، الحصار الاقتصادي على العراق، الحقوق المتساوية للمراة بالرجل ازاء العمل المتساوي، المجالس والبرلمان، الجيش الحرفي، حقوق المجرمين والمتهمين، الحقوق المدنية، قانون العمل وغيرها، ناهيك عن صرف العمر كله لاقناع الناس بها وايصال هذه النظرات الى اناس يرسفون في قلب القمع. ان ضجيج ميدان الشعر لدى نخبة ثقافية صغيرة في ايران وحملة الشهادات ليس بوسعه وينبغي ان لا يكون مخلوقات سياسية منفصلة للشعرا والادباء تكون معاييرها واسسها شيئاً اخراً.

 

قال شاملو "لا" للجمهورية الاسلامية. نادربور فعل كذلك. فريدون فرخزاد قال ذلك ايضاً. داريوش كذلك. ولكن هذه "ألـلاءات" الشخصية لم تحرز قط  مكاناً في حركة الصدح بـ"لا" للجمهورية الاسلامية. كان بوسع شاملو ان يكون عضو قيادة حزب سياسي تبغي ان تضع "لا" للنظام هذه موضع التطبيق والممارسة العملية. لماذا لم يتم ذلك؟

 

ولكن ماذا لو كان شاملو شاعراً شيوعياً؟ برايي، ينبغي تثمين المشاهير الشيوعيين. لو كان شاملو شاعراً شيوعياً، لو كان شاعراً، سينمائياً او رياضياً  او عالم شهير يكون اسمه وشهرته وثيقة اقتدار هذه الحركة الاجتماعية، لتوجب علينا اصدار بيان وتمجيده. بيد ان شاملو قومياً وايراني العشق. يوجه ابشع اشكال الشتام لفتور الثقافة القومية وسط الايرانيين المقيمين في الخارج. اعلن نهاية الشيوعية. كان شاملو شاعر واديب حسن ومبدع الحركة القومية والوطنية الايرانية. ولابد ان تعده الحركة ذاتها شاملو عزيزها وتؤكد على شانه. اي ارث ادبي هذا من الممكن ان يظهرنا شريك مجمل قوى المعارضة وحتى رئيس الجمهورية (ان تجرأ ونطق)؟

 

على اية حال، اننا وبوصفنا حزب لم نصدر بيان تخليد شاملو لاننا لم نحس القرابة السياسية والاجتماعية هذه معه. ان بلاغ مثل هذا يعرفنا مرة اخرى عضو عائلة المعارضة التقليدية الايرانية. ان الانفصال عن هذا التقليد وارساء حركة اجتماعية جديدة ومختلفة يختلف نقدها للمجتمع وسبيل حلها للمجتمع اساساً عن المسار الاساسي للمعارضة الايرانية الجاري حتى يومنا هذا بمجمل مشاهيرها ورموزها ونُصِبْها، لهي مهمتنا. ان وطأ نفس الارض السياسية التقليدية واقامة هذه الفصول الادبية والثقافية المشتركة لهما على النقيض من جهة تقدم الحركة. لقد كان شاملو انسان طيب السمعة ومحترم وانساني، ضليع في اختصاصه، ان اناس امثاله يضفون ثراءا على اي مجتمع. في عالمنا، تبرز روحهم الابداعية مئات المرات مما هي عليه الان. بيد ان شاملو لم يكن نموذج ورمز نبراس حركتنا.

 

الم يكن من الممكن اصدار بيان تُطرَحْ فيه المكانة الموضوعية لشاملو، واذا كان ثمة نقد يطرح فيه؟ كحزب، لم يكن هذا صحيحاً ايضاً. لقد رحل انسان طيب السمعة، لا ينبغي على الحزب السياسي ان يتحدث في ذات اليوم عن اختلافاته معه. بوصفهم افراد اهل ادب، برايي، كان رفاق مختلفين ذا حق، وينبغي، ان يكتبوا وبتواقيعهم الشخصية عن شاملو، يقيّموا اعماله وشخصيته. ينبغي عليهم القيام ان بذلك.

 

على اية حال، ان هذه وجهة نظري. اني متشوق لمعرفة وجهات نظر الرفاق.

 

اتمنى  لقائكم جميعاً!

نادر (م. جكمت)

6 اب 2000      

 

***********

 

* احمد شاملو احد ابرز الشعراء الايرانيين والتي تعدت شهرته وشهرة اشعاره ودواوينه حدود ايران وترجمت الى عدة لغات عالمية ومنها العربية. لايمكن الحديث عن الشعر الايراني الحديث دون ان ياتي اسمه في مقدمة الشعراء المعاصرين.  توفي عام 2000. (المترجم)                                        

 

نادر (م.حكمت)

ترجمة: فارس محمود

 

مقالات