منصور حكمت

الشيوعية العمالية بحاجة لحزب في العراق

 

من اصدارات صفحة منصور حكمت www.ma-hekmat.com للترجمة الابحاث الشيوعية العمالية.

إن الإجابة بنعم أو لا حول السؤال عن تشكيل الحزب الشيوعي العمالي العراقي في المستقبل القريب، مرهونة، بتصوري بالموقف من الأسئلة التالية:-

1- هل بإمكاننا الحديث عن وجود تقاليد شيوعية عمالية فعالة في العراق أو على الأقل ضمن إطار كردستان أم لا. وإذا كان الجواب بنعم، ما مدى إرتباط التنظيمات الشيوعية الموجودة هناك بهذا التقليد، والتي تعلن بأنها منتمية لهذه التقاليد؟

إن إجابتي على الجزء الأول من السؤال( بقدر تعلق الأمر بكردستان العراق) هي اجابة مثبتة. وبالطبع هناك تنظيمات موجودة أيضاً في القسم العربي ولها صلة وثيقة بتنظيمات القسم الكردستاني وتعتبر نفسها مرتبطة بهذا الإتجاه والميل ايضاً. إلاّ أن وجود هذه التنظيمات مازال عاجزاً عن توضيح حدود فاعلية هذا الإتجاه في ميدان الصراع الإجتماعي.

 

فيما يتعلق بالقسم الثاني من السؤال، أي نفس الإرتباط المحدد لكل تنظيم بهذا التقليد، فإن إجابتي وعلى الرغم من وجود ملاحظات لدي، والتي تنطبق أيضاً على حالة الحزب الشيوعي العمالي الايراني، هي اجابة مثبتة ايضاً. إن المحاور الاساسية برأيي هي التالي:- أولاً: العلاقة السياسية والعملية لهذه التنظيمات بالطبقة العاملة في المراحل السابقة والمطالب العمالية بشكل عام وبحركة المجالس بشكل خاص. ثانياً: الأنفصال الأساسي والواعي لهذه التنظيمات عن الأعتراض القومي والحركة القومية في المجتمع. ثالثاً: فهم ضرورة وحتمية حضور الأشتراكية العمالية في العراق المعاصر بشكل حركة ماركسية حزبية ومنظمة. وهذه الخصائص التي تتميز بها هذه التنظيمات هي ما يميزها ويفصلها بوضوح عن الجناح اليساري للحركة القومية في كردستان أو عن المعارضة غير العمالية للنظام الإستبدادي الحاكم. إن العاملين الأولين هما دليل المكانة الإجتماعية والعملية لهذه الأحزاب في الصراع الطبقي الجاري في المجتمع وإرتباط هذه الأحزاب بإشتراكية الطبقة العاملة في العراق. أما عن العامل الثالث، فإن الماركسية والتحزب، تؤكد بالتحديد إرتباطها بالشيوعية العمالية كحركة معينة داخل الحركة الإعتراضية للطبقة العاملة. حسب اعتقادي، وبمعزل عن تصور هذه التنظيمات عن بعضها البعض وعن عمق وحجم الخلافات بينها، فإن العوامل التي عددتها تدل، بتصوري، على نقاط مشتركة جدية وبنية فكرية وعملية متشابهة بينها. أما عن الوضوح السياسي والتاكتيكي بين هذه التيارات أو تفسيرها للجوانب المختلفة لخط الشيوعية العمالية ، فإنها تنحصر لحد الآن في نطاق تقليد سياسي  واحد.

2- هل ان دخول تقليد الشيوعية العمالية في العراق الى مرحلة تشكيل الحزب ضرورة موضوعية سياسية وإجتماعية في هذه المرحلة أم لا؟

 لقد سبق وان تحدثنا عن هذا الموضوع وكذلك في نص آخر في نفس هذا العدد من الصحيفة(يشير الرفيق منصور حكمت الى ما كتبه حول: وظائفنا تجاه اليسار العراقي-م-) بهذا الخصوص ولا أرى ضرورة لتكرار تلك الادلة. أريد فقط التأكيد على هذه النقطة وهي إذا لم تحظى الشيوعية العمالية في العراق خلال هذه المرحلة بحزبها السياسي، فإنها لن تعجز فقط عن تجاوز معضلات ومهمات هذه المرحلة والرد عليها، بل  وستخسر أيضاً الفرصة التأريخية من اجل ادخال العامل الى الميدان كقوة مستقلة وإشتراكية في الساحة السياسية العراقية.

3- هل بإمكان الشيوعية العمالية بلورة قيادة معتبرة وهيكلة متراصة من الكوادر المقتدرين عشية تشكيل الحزب أم لا؟

يبدو أن الجميع متفقون بأن ليس هناك نقص أساسي من ناحية الكادر. وإذا كان هناك شيء ينبغي قوله حول اليسار العراقي، خصوصاً في كردستان، في المرحلة الأخيرة، فإن الكوادر الإشتراكية، وعلى العكس من حالة ثورة عام 1978- 1979 في ايران، لم تتخلف عن الحركة وخصائصها الطبقية فحسب، بل و ذهبت لاستقبالها على الصعيد السياسي والايديولوجي أيضاً. ففي ايران دفعت الأزمة الثورية في مجتمع رأسمالي بحركة شَكَلَ عمال الصناعة وعمال المدن مركز ثقلها. إلاّ أن المحور الأصلي للإشتركية الراديكالية التي وطأت قدمها داخل هذه الثورة ، كانت الإشتراكية الشعبوية وكان نسيج كوادرها متخلفاً بوضوح عن خصائص الحركة الموضوعية و منقطعاً عنها في الواقع ولاتربطه بها اية صلة. لم يكن للشيوعية العمالية كوادر. أما في العراق، وخصوصاً في كردستان، لم يكن الأمر بهذا الشكل. فقد كان الكادر الشيوعي والأممي والمرتبط بأوساط وأجواء النشاط العمالي الجماعي نموذجاً للناشط الشيوعي في هذه المرحلة.

أما فيما يتعلق بمسألة القيادة فإن الأوضاع مختلفة. فتشكل وتبلور المراكز وبروز كوادر  تمارس دور الناطق الفكري والسياسي للحركة وتتولى رسم آفاق هذه الحركة وتكون موضع اعتراف الحركة باعتبارها كوادر قيادية في الميادين والمستويات المختلفة، هي مسألة ليست إرادية وإعتباطية، بل إنها  نتاج عملية النضال السياسي والفكري نفسها. غير أن العقدة ليست في قدرة وصلاحية كوادر الحركة لتأمين هذه القيادة، هذه المقدرة بتصوري، وإستناداً الى المستوى الفكري والسياسي لكوادر الشيوعية العمالية العراقية، موجودة.  المسألة تدور حول شرعية القيادة والقبول بها من قبل الجميع. وإذا أحيلت كسب هذه الشرعية لمسار النضال السياسي والأيديولوجي داخل اليسار العراقي- وهذا هوالتصور الذي يبدوموجوداً لدى التنظيمات الشيوعية العراقية الحالية حول المسألة- فإن قضية القيادة لن يتم حلها بسهولة وبسرعة. إلاّ أن هذا السيناريو ليس فقط غير ضروري ، بل هو مغلوط أيضاً. ففي هذه السيناريو يتم تناسي خصائص الشيوعية العمالية وطابعها الذي يتجاوز القوميات، والنفوذ الذي تتمتع به في المنطقة ومصيرها في هذه المنطقة. من الضروري إضافة الحزب الشيوعي العمالي الايراني الى مسألة تكوين الحركة الشيوعية في العراق ومن ثم التفكير في المسألة من جديد. إن تنامي الشيوعية في العراق خلال العقد والنصف عقد الأخير تأثر مباشرة بالحركة الشيوعية في ايران. وجود التنظيمات الشيوعية-العمالية في العراق الحالي مرتبط مباشرة بظهور خط شيوعي عمالي مستقل في الشيوعية الايرانية. إن مستقبل هذه العملية يمكن أن يتبلور بشكل صحيح فقط على صعيد المنطقة.

لاتملك حركتنا في كليتها المشكلات والإبهامات التي تعاني منها التنظيمات الشيوعية في العراق فيما يتعلق بالقيادة. وعلى الرغم من الفواصل التي ترسمها التنظيمات العراقية بين بعضها البعض، فمن حسن الحظ ، ولأسباب يمكن فهمها، ثمة تيار ثالث يتمتع بالـتأييد والقبول من قبل الجميع. وعلى الرغم من الغموض والإبهامات التكتيكية داخل القسم العراقي من الحركة، فإن الأفق العام والأصول والمبادئ المنهجية والأسس التاكتيكية وأسلوب عمل حركة الشيوعية العمالية بشكل عام هي أكثر وضوحاً من أي تيار آخر. وفي خظم كل هذه الاتفاقات العامة والآفاق المشتركة، يمكن أن تتبلور قيادة معتبرة في الجزء العراقي من الحركة وتسير الى الأمام بخطى أسرع وأكثر وعياً.

وبتصوري لو أخذ بنظر الاعتبار جوهر حركتنا الذي يتجاوز القوميات ، ولو أخذ بنظر الأعتبار فرضية وجود الحزب الشيوعي العمالي الايراني في عملية تشكيل الحزب الشيوعي العمالي العراقي والطريق الذي قطعته الحركة برمتها الآن، حينذاك سيتضح أن مسألة قيادةٍ ذات أفقٍ واضح، قيادة مقبولة، هي مشكلة محسومة. مكانة الحزب الشيوعي العمالي الايراني لدى التنظيمات الشيوعية العمالية في العراق، هو إنعكاس لمكانة  الإعتقادات والآفاق المشتركة لنفس هذه التنظيمات والمراكز، وسند للنفوذ والإعتبار والشرعية لقيادة حزبٍ ينبغي تشكيله.

4- هل بإمكان المراكز والكوادر الشيوعية العمالية في العراق الإتفاق على عملية تشكيل الحزب؟

إن لاجابة على هذا السؤال أيضاً ،حسب تصوري، هي اجابة مثبتة . ولا أرى مانعاً يدعو الى عدم امكانية هذا الأمر. وهذا مرهون بالطبع بقيام الحزب الشيوعي العمالي الايراني بأداء مهمته. ولايبدو أن التنظيمات والمراكز التي عبرت عن وجهات نظرها بهذا الخصوص لحد الآن، اتخذت موضع الاستقطاب فيما يتعلق بعملية  تشكيل الحزب أوطرحت مواقف تنم عن وجود موانع صعبة وعقبات.

وفي الختام أود الإشارة الى نقطة معينة. إن الأجواء السائدة داخل الشيوعية والمراكز الشيوعية في العراق، والمكانة الموضوعية لهذه التنظيمات في الميدان الإجتماعي والتشرذم الذي كان موجوداً بين تنظيمات هذا الخط، قد تأثرت بشكل كبير بمسار تكوين الحزب الشيوعي الايراني والصراعات الداخلية فيه. لو كان الحزب الشيوعي الايراني حزباً شيوعياً عمالياً موحداً ابان أزمة الخليج وتنامي الإحتجاجات الجماهيرية في العراق، ولو كان إتجاه وميل الشيوعية العمالية في الحزب الشوعي الايراني في تلك الفترة غيرمنشغلٍ بمرحلة تحديد مصيره السياسي والتنظيمي في صراعه مع الإتجاهات والميول الأخرى داخل ذلك الحزب، ولو كان هناك حزباً شيوعياً عمالياً حازماً، يملك تلك الامكانيات التي كان يمتلكها آنذاك الحزب الشيوعي الايراني في كردستان بحيث ينظر الى تنامي وتطور الشيوعية في العراق ليس كموضوع جانبي في دبلوماسية البقاء، بل كهدف سياسي مباشر ومحوري، لكان من الممكن تجنب قسم كبير من الإبهامات والتشتت والمشكلات اللاحقة التي عانى منها الشيوعيون في العراق.

اليوم شكلنا حزبنا المسقبل. ان تشكيل الحزب الشيوعي العمالي االعراقي ليس ركيزة من ركائز "السياسة الخارجية". للحزب الشيوعي العمالي العراقي، بل هي مرحلة حاسمة في تنامي حركة طبقية واحدة وموحدة على صعيد المنطقة. ونحن كحزب نلتزم بهذه الحقيقة وبكافة الوظائف السياسية والعملية الناجمة عنها.

 

*تمت الترجمة من النص المنشور في المجلد الثامن لأعمال الرفيق منصور حكمت الطبعة الأولى تشرين الثاني 1997

 

 

 

مقالات