منصور حكمت

نمو وأفول الاسلام السياسي


ندوة: نمو وأفول الاسلام السياسي
حوار مجلة برسش مع منصور حكمت


برسش:
ماهو تصويركم لمفاهيم مثل الاصولية الاسلامية والاسلام السياسي؟ ماهو الاختلاف بين هاتين العبارتين؟
منصور حكمت:
اني لاأستخدم عبارة الاصولية الاسلامية لأنها، برأيي، تعبير يميني، هادف ومغرض يطرح، عمداً، تصويراً مخادعاً ومضللاً عن الاسلام والحركات الاسلامية المعاصرة. بيد ان مايعد امراً واقعياً هو نمو الاسلام السياسي. ان الاسلام السياسي، برأيي، حركة رجعية معاصرة لاتمت بصلة، الا شكلاً، بالحركات الاسلامية لأواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين. اما من زاوية المحتوى الاجتماعي والامر السياسي- الاجتماعي والاقتصادي الذي تتعقبه، فانها حركة جديدة تنهل، بصورة تامة، من المجتمع المعاصر. انها ليست تكرار نفس الظاهرة القديمة. انها وليدة اخفاق، او بالاحرى، عقم وبقاء مشروع التحديث الغربي نصف منجزاً في البلدان الاسلامية للشرق الاوسط منذ اواخر الستينات وبداية السبعينات ومارافقها من افول الحركة العلمانية- القومية التي كانت المُنَفِذْ الاساسي للتحديث الاداري والاقتصادي والثقافي. إذ تصاعدت الازمة الحكومية والايديولوجية في المنطقة. ولجت الحركة الاسلامية، في خضم هذا الفراغ السياسي وتخبط البرجوازية المحلية لهذه البلدان، بوصفها احد بدائل اليمين لاعادة تنظيم سلطة البرجوازية بمجابهة اليسار والطبقة العاملة اللذان تناميا مع تطور الرأسمالية. على اية حال، لولا تحولات عامي78-79 في ايران، لبقت هذه التيارات، برأيي، فاقدة للحظوظ وهامشية. في ايران نظمت هذه الحركة نفسها في حكومة وجعلت الاسلام السياسي في مجمل المنطقة قوة ملفتة للانتباه ومطروحة على الساحة.
ألإسلام السياسي، برأيي، اليافطة العامة لتلك الحركة التي تعد ألإسلام الاداة الاساسية لإعادة التنظيم اليميني للطبقة الحاكمة ونظام حكومي مناهض لليسارية في هذه المجتمعات، وعلى هذا الاساس لهي في صراع تنافسي على حصتها من السلطة العالمية للراسمال مع الاقسام الاخرى وبالاخص مع الاقطاب المهيمنة للعالم الراسمالي. ليس لهذا ألإسلام السياسي، بالضرورة، محتوى سكولاستيكي وفقهي معطى ومحدد. ليس ألإسلام السياسي، بالضرورة، اصولياً وعقائديا ًنظرياً ( اي قصده لايرتبط بالممارسة العملية – م). فمن القدرة الانعطافية السياسية والبراغماتية العقائدية لخميني الى الاوساط المتحجرة في الجناح اليميني من الحكومة الايرانية، من نهضة الحرية ومهدي بازركان وامل ونبيه بري ذو الملابس الغربية الى طالبان، من حماس والجهاد الاسلامي الى "البروتستانتية الاسلامية" لامثال سروش واشكوري في ايران، انها جميعاً اقسام مختلفة للاسلام السياسي هذا.
ان القوى الغربية ووسائل اعلامها وعالمها الجامعي، دفعت بمقولة الاصولية للامام لكي تفصل التيارات الارهابية والمناهضة للغرب لهذا التيار الاسلامي عن فروعه الموالية للغرب والتصالحية. يسمون المناهضين للغرب اصوليين، ويقمعون الاصولية حتى يصونوا الاسلام السياسي عموماً الذي يعد، فعلاً، وفقاً لنظرتهم، ركناً لايمكن الاستغناء عنه للسلطة اليمينية والمعادية للاشتراكية في المنطقة. بيد ان التيارات المناهضة للغرب ليست، بالضرورة، الجناح المتشدد والمتعصب فقهياً في هذه الحركة. ان اكثر اقسام المعسكر الاسلامي اصولية مثل طالبان والسعودية هم اقرب اصدقاء الغرب.

برسش:
الى اي حد يعكس وصول الاسلاميين للسلطة رجعة دينية؟ أهي رجعة دينية في هذه المجتمعات؟ رجعة الى القيم والمعتقدات الدينية في الحياة الفردية والاجتماعية؟
منصور حكمت:
ان هذا ، برأيي، لايعود الى احياء الاسلام بمثابة مؤسسة ايمانية. انه ليس اسلام فقهي، بل اسلام سياسي. اساسه معادلات سياسية معينة. من البديهي انه مع تنامي قدرة الاسلام السياسي، يشتد الضغط من اجل احياء الظواهر الدينية في المجتمع. بيد ان هذا ضغط سياسي. ان الجماهير تذعن في بعض الاحيان الى هذا الضغط. ان دعامة هذه "النهضة" الاسلامية هي العنف والارهاب. في الجزائر بشكلٍ، وفي ايران بشكلٍ آخر. في ايران، ان واقع الحال هو خلاف ذلك، فبموازاة تنامي الاسلام السياسي والسلطة الدينية، تصاعدت، وبصورة سريعة، موجة الانعطاف المناهض للاسلام على المستوى المعنوي والعقائدي وفي الحياة الشخصية للجماهير.ان تنامي الاسلام السياسي في ايران فاتحة لثورة ثقافية مناهضة للاسلام والدين في حياة الجماهير وبالاخص جيل الشباب ستلفت، عبر انفجار مدوٍ، انظار العالم؛ وستقرع طبول النهاية العملية للاسلام السياسي في الشرق الاوسط.
برسش:
يقول ارفند ابراهاميان ( احد المشاركين في الندوة- م)، في نفس الندوة، ان سقوط الجمهورية الاسلامية لن يكون المسمار الاخير في نعش الجمهورية الاسلامية لأن بوسع الميول ألأخرى، وبألأخص غير الشيعية، ان تتبرأ من هذا الاندحار. هل تشاطره هذا التقييم؟

منصور حكمت:
بسقوط النظام ألإسلامي في ايران، ستحتضر الحركة ألإسلامية في الشرق ألأوسط وعلى الصعيد العالمي. لن يتعلق البحث حول ان ايران الاسلامية نموذج قد هُزِمْ وبوسع ألآخرين ان ينجوا انفسهم ويبرئوها. ان هزيمة الجمهورية الاسلامية ستحدث في خضم هبة علمانية جماهيرية عظيمة في ايران. هبة تنقض على اسس الفكر الرجعي الاسلامي، لاتفقده قيمته لدى الرأي العام العالمي فحسب، بل ستدينه وتفضحه. ان هزيمة الجمهورية ألإسلامية ستكون شيئاً شبيهاً بسقوط المانيا النازية. ليس بوسع اي فاشي، وبسهولة، عبر ابعاد مدرسته وتنظيمه عن هذا القطب المنهار وحسب ان يصون موقعه ومكانته. سيدفع بكل هذا التيار الى عقود من الركود. ان هزيمة ألإسلام السياسي في ايران انتصاراً عظيماً ضد اسلامي لايقف عند حدود ايران.

برسش:
انك لاتشاطر وصف بلدان مثل ايران كبلدان "اسلامية". لماذا؟
منصور حكمت:
ان اي تصنيف واطلاق تسمية يتعقبان هدفاً ما. ان الاسلام في ايران يهب ويدب منذ الف واربعمئة سنة ومن المؤكد انه ترك بصماته على امور ما. بيد ان هذا عنصر واحد فقط من وصف ملامح هذا المجتمع. حاله حال الاستبداد، الملكية، حكومة بوليسية، التخلف الصناعي، القومية، اللغة، الخط، الخلفية التاريخية، التاريخ السياسي، تقاليد وعادات ماقبل الاسلام، الخصائص البدنية للجماهير، القامة، ملامح ولون البشرة ، الاتصال والعلاقات العالمية، الطقس، حال التغذية، طول وعرض البلد، درجة تمركز السكان، العلاقات الاقتصادية، النظام السياسي، مستوى الحضرية، العمارة وغيرها وغيرها. ان هذه جميعاً تبين الخصائص الواقعية لذلك المجتمع. ولكن ان اصر امرء ما على ايجاد اختلافات من بين مئات العناصر التي بين ايران وباكستان وفرنسا واليابان، ويضع اصبعه على تواجد الاسلام في بعض جوانب هذا المجتمع ويلصق هذا الاسم على جبين كل الجماهير، على المناهضين للدين مثلي ومثلك ودشتي وهدايت وصولاً الى الاغلبية الهائلة التي لا تعتبر نفسها مؤمنة ولاتأبه بالاسلام والملالي، فمن المحتم انه يتعقب هدفاً خاصاً. ان ايران ليس بمجتمع اسلامي. ان الحكومة اسلامية. الاسلام ظاهرة فُرِضت في ايران لا اليوم فقط، بل في مرحلة الملكية ايضاً، وبقت في السلطة عبر الضرب والقتل. ليس ايران بمجتمع اسلامي. عشرون سنة، ارادوا بالقسر اسلمته، ولم يفلحوا. اطلاق تسمية اسلامي على مجتمع ايران لهو جزء من جهاد رجعي لاسلمته.

برسش: هل ترى الاسلام السياسي قوة باقية في البنية السياسية للبلدان المسلمة للشرق الاوسط وشمال افريقيا؟

منصور حكمت: ان "البقاء" مقولة نسبية. بالنهاية، ستزف الساعة التي سترمي هذه المنطقة، وللابد، بالإسلام وتحوله الى ظاهرة بالية، وإن سيبقى للناس لتنظر له وتبحثه، بل و حتى ان يكون هناك مناصرين له، إلا انه لايلعب، فعلاً، دوراً في حياة الجماهير. ولكن متى ستزف هذه الساعة امر مرهون، تماماً، بالمسارات السياسية في هذه المجتمعات، وعلى وجه الخصوص بالنضال من اجل الحرية وألإشتراكية. من الممكن ان هناك اجيال كثيرة اخرى ستُجبَرْ على تحمل هذا ألإسلام، واكثر تحديداً، سيرى بعض الاكادميين والباحثين الاسلام امراً ابدياً. بيد ان ليس هناك اي شيء ابدي وبنيوي في إسلامية الشرق ألأوسط. ان بوسع حركات انسانية وتحررية ان تطوي ملف ألاسلامية. في ايران، ان مرحلة الخلاص من الاسلام بوسعها ان تحل سريعا جداًً. برأيي، ان الجمهورية الاسلامية في سبيلها للهلاك وسيُنهى معها الاسلام السياسي في ايران. وإن مُحِيَ الضغط السياسي للاسلام والاسلامية، عندها سيتجلى بوضوح خواء وضحالة مايشار له على انه الهيمنة الثقافية للاسلام على مجتمع مثل ايران. ستتحول ايران في غضون عدة سنوات من قاعدة سلطة الاسلام السياسي الى مركز وقائد النضال ضده.
ان احد اشكال بقاء ألإسلام السياسي في المنطقة، برأيي، هو الارهاب. ان النضال ضد الارهاب الاسلامي، برأيي، سيستمر كذلك عدة سنوات بعد الانتصار السياسي للبشرية على الاسلام في المنطقة. ان انهاء عمر عصابات الارهاب الاسلامية سيستلزم وقتاً اطول.
برسش:
اشرت سابقاً، في بعض كتاباتك،الى ارتباط تجدد حياة الحركة الاسلامية، الى حدٍ كبير، بمسألة فلسطين والصراع العربي – الاسرائيلي. لا يشاطرك المشاركون في هذه الندوة تأكيدك الخاص على مكانة هذا الصراع؟
منصور حكمت:
برأيي، انهم ينظرون للمسألة بشكل ستاتيكي ( ثابت وجامد – م). لاتتمثل القضية بما هي المعضلات والصراعات التي دفعت بالحركة الاسلامية الى النمو فحسب. وإن يكن حتى في نفس النطاق ايضاً يعد الصراع العربي الاسرائيلي ومسألة فلسطين ووجود "عدو" قومي- ديني- امبريالي ركعت امامه الحركة القومية والعلمانية العربية هو عماد تنامي الحركة الاسلامية بوصفها بديلاً يدعي السلطة والحكم. ان السؤال الاهم هو: في ظل غياب مسألة فلسطين، في ظل غياب ايجاد دولة اسرائيل في هذه البقعة المعينة، بأي سمة ستدفع المسارات الايديولوجية والسياسية والثقافية للعالم في القرن العشرين البلدان العربية والاسلامية للشرق الاوسط، والى اي حد تتمتع هذه المنطقة كذلك، على غرار امريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا، بامكانية الاندغام في نظام عالمي "غربي"؟ الى اي حد تتطور الرأسمالية، التكنولوجيا، والصناعة والراسمال الغربي بمجمل عملهم الاداري والثقافي الخالق للتساوي والتماثل في هذه المنطقة؟ الى اي حد تحول الاسلام، على غرار سائر الاديان في القرن العشرين، الى تيار مُقَر، مُحدَث، مُعدَل، مُدغَم في البناء الفوقي السياسي للرأسمالية العالمية؟ لايتمثل السؤال ب: هل ان مسألة فلسطين وهذا الصراع هما مصدر تنامي اسلام سياسي مُجَدَدْ ( وبرأيي ان لهما دوراً كبير في ذلك )، بل يتمثل السؤال بالى اي حد كان هذا الصراع حائلاً دون اندغام المسلمين والبلدان الاسلامية في جسد المسرى العام للقرن العشرين وفي النظام الرأسمالي المعولم، الى اي حد ان مسائل النمو الاقتصادي، انتقال التكنولوجيا، الاندغام بالثقافة الغربية السائدة على العالم، ايجاد اركان مجتمع مدني رأسمالي، نمو المؤسسات السياسية والادارية المتطابقة مع النموذج الغربي، وتنامي التيارات الفكرية والثقافية الغربية ( من بينها العلمانية والحداثة والليبرالية ) في هذه البلدان قد كبحتها وجود مسألة فلسطين. ان عمليات التحديث والعلمانية والغربنة في البلدان المؤسلمة بدأت منذ أوائل القرن العشرين حتى الستينات وحققت نتائج كبيرة ايضاً. ولكن الغرب، وبسبب مسألة فلسطين، بسبب وجود صراع على صعيد المنطقة الذي كان صدى لاستقطاب اساسي عالمي في مرحلة الحرب الباردة، بسبب اتحاده الاستراتيجي مع اسرائيل، جعل مجمل مسألة ادغام البلدان والمجتمعات العربية والاسلامية للشرق الاوسط في المعسكر العالمي للرأسمالية الغربية عسير المنال وصعب التحقيق. ان الرد الواقعي على الرجعية الدينية يأتي على يد الاشتراكية فحسب، بيد ان تنامي الاسلام السياسي المقاتل في الشرق الاوسط حصيلة هزيمة القومية والعلمانية والتحديث البرجوازي في هذه البلدان التي كان، نظرياً، بوسعها بل حتى تمضي لهضم الاسلامية. حتى لو لم يكن هناك حديث عن البروتستانتية الاسلامية، بوسع هذا المسار ان يضع الاسلام في هذه المجتمعات، على الاقل، بنفس المكانة التي تتمتع بها الكاثوليكية في ايرلندا. بيد ان شرط هذا الانتصار البرجوازي كان تطور الرأسمالية، نمو الصناعة وانتقال التكنولوجيا والرأسمال الذي رغب عنه الغرب جراء وجود الصراع العربي الاسرائيلي في خضم الحرب الباردة. لقد تم تصوير الشرق ألأوسط وجماهيره في الثقافة السياسية الغربية بوصفهما شيطاناً. لقد كانت هذه من المعالم السلبية الاساسية في الثقافة السياسية للغرب بعد نشوء اسرائيل. ليس الشرق ألأوسط بالنسبة للغرب مثل امريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا. انها منطقة محرمة. غير مستقرة، محفوفة بالمخاطر، غير جدير بالثقة وعدائية. في هذه الحفرة السوداء، تنامى الاسلام السياسي. لو لم تكن مسألة اسرائيل، لكانت مشكلات مصر وايران والسعودية والعراق من نمط مشكلات البرازيل وبيرو والمكسيك. حتماً سيكون للاسلام السياسي حضوره، ولكن لبقى حركة هامشية وفئوية ولايولج المجرى الاساسي للسياسة في هذه البلدان.

برسش: كيف تُعَرِف العلمانية؟ في نظام علماني، ماهي حدود التعبير عن الدين والحركات الدينية في ميدان السياسة والثقافة ؟

منصور حكمت: يجب تعريف العلمانية كما تفهم عادة في الاستخدام اليومي. لايمكن ان تنسب راديكالية كثيرة لهذه المقولة. العلمانية يعني فصل الدين عن الدولة والتربية والتعليم. فصل الدين عن هوية المواطنة وعن تحديد حقوق المواطنين وخياراتهم وواجباتهم. تحويل الدين الى امر خاص. حين لايحل الدين في امر تحديد الخصائص الاجتماعية والسياسية للفرد وفي تداخل علاقة الفرد بالدولة والفرد بالبيروقراطية. على هذا الاساس، العلمانية هي مجموعة اوضاع تمثل الحد الادنى. على سبيل المثال، ليس بوسعي ان افرغ مجمل موقفي تجاه مكانة الدين في المجتمع بهذه المقولة. لست انشد العلمانية فقط، بل انشد النضال الواعي للمجتمع ضد الدين. انشد مثلما ان بعض مصادر المجتمع يتم انفاقها على الملاريا والاوبئة، مثلما توجه الدولة سياستها بوعي ضد اضطهاد المرأة، العنصرية، والحاق الاذى بالاطفال، ان تخصص قوى وامكانات في المجتمع، بصورة صرفة، لانهاء الدين. ان منظوري للدين ، بالطبع، المؤسسة الدينية واديان محددة لا الافكار الدينية او حتى الاعتقاد والايمان بالاديان القديمة اوالقائمة. اني فرد مناهض للدين وانشد ان يضع المجتمع محدوديات اكبر، مقارنة بعلاقات علمانية صرف، على الدين المُنَظَمْ و"الصناعة الدينية". ان حدد القانون على الاديان وظيفة ان تقيد نفسها بوصفها شركات ربحية ومؤسسات خاصة تدفع الضرائب، تكون عرضة للتفتيش، تراعي وتحترم قانون العمل، القوانين المشرفة على منع التمييز الجنسي، حقوق الاطفال، منع ترويج الاكاذيب، منع الافتراء والاستفزاز، قوانين حماية الحيوانات وغيرها، إن تُعامَل "صناعة الدين" مثلما هو الحال مع "صناعة التدخين"، عندها نكون اقرب الى موقف مبدئي تجاه حدود التعبير عن الدين في المجتمع.

برسش: ربما يكون الفرق هنا ان انهاء الدين يمكن تفسيره اوفهمه على انه قمع معتقدات المؤمنين بهذه الاديان، كيف بالوسع رسم الحد الفاصل بين هذا الموقف الفعال المناهض للدين وبين خرق حرية الفكر والتعبير؟

منصور حكمت: مثلما ذكرت، اني اتحدث عن الدين المُنَظَمْ و" الصناعات الدينية" وليس عن المعتقد الديني. بوسع اي امرء ان يؤمن بأي معتقد يشاء والتصريح به والدعاية اليه وان يرسي تنظيم حوله. ان السؤال هو ماهي المقررات التي يضعها المجتمع لصيانة نفسه. يسعى المجتمع الراهن الى صيانة الاطفال من دعايات صناعة التدخين. فيما يخص دعاية صناعة الدين ايضاً، يمكن القيام بنفس العمل. ان المدخن يتمتع بكافة حقوقه وبوسعه تاسيس اي مؤسسة او جمعية للدعاية لخواص التدخين وتوحيد المدخنين. بيد ان هذا لايعني اعطاء ضوء اخضر لصناعة التدخين. ان مؤسسة الاسلام والاديان الاساسية الاخرى ( المسيحية، اليهودية، الهندوسية وغيرها )، ليست جمعيات طوعية لأناس مؤمنين بافكار معينة، بل مؤسسات سياسية ومالية ضخمة جداً لم يدقق احد بصورة حقيقية عليها قط، لم تكن خاضعة للقوانين العلمانية في المجتمع، ولم تتحلى بالمسؤولية تجاه اعمالها. لم يقيم احد دعوى على الحاج روح الله الخميني لاصداره فتوى قتل سلمان رشدي. ان التحريض على القتل يعد في مجمل بلدان العالم جرماً. انها فقط غيض من فيض شبكة قتل وبتر اعضاء الجسم وبث الرعب والاختطاف والتعذيب والحاق الاذى بالاطفال. برأيي، ان كارتلات مدلين للمخدرات ( اسكوبارات ) ومثلثات الصين ومافيات ايطاليا ( وامريكا ) لاتصل الى شيء صغير مقارنة بالاديان المنظمة. اني اتحدث عن النضال المشروع والمنظم لمجتمع حر ومنفتح ضد هذه المؤسسات والمراكز. في الوقت ذاته، اعتبر الايمان باي شيء، حتى اكثر العقائد تخلفاً ومعاداة للانسان حق مسلم به للفرد.

برسش: ماهومدى الارضية التي تتمتع بها العلمانية وانهاء الدين الذي اشرت له في البلدان المتأثرة بالاسلام ؟؟ ما مدى امكانية تطبيق العلمانية في هذه المجتمعات؟ تحدث ارفند ابراهيميان عن امكانية بقاءها اسلامية وفي الوقت ذاته ان تكون علمانية. اي الحركات هي مصدر العلمانية في هذه المجتمعات، وماهي حظوظ ظفرها؟

منصور حكمت: برأيي، ان الارهاق النظري لليسار والضربات التي تعرض لها نزعة تحقيق الامال الانسانية والفكر النقدي والراديكالي منذ منتصف السبعينات وحتى الان، ارسفا الكثير من المنظرين اليساريين والخيرين ايضاً بالنظرة المرحلية- التكتيكية والمرحلية ( من على مراحل – م ) المؤسفة قبالة افق تحقيق ألآمال ألأولية للإنسان. قبل مئة سنة خلت، كانت البشرية الطليعية تسخر من فكرة ان تحرر البشرية يأتي على ايدي القساوسة وعبر سبيل تعديل الدين وظهور روايات وتفسيرات جديدة من داخل الكنيسة. بمقدور الباحثين والمفكرين المحترفين اليوم ان يصيغوا نسخة ان بوسع المرأة ألإيرانية، فعلاً، ان تفهم العلمانية على انها إضافة لون اقل اسوداداً الى الالوان المجازة من قبل الدولة الى الحجاب. ان هذا، برأيي، هو عدم رؤية دينامية التغيير والثورة في المجتمع. ان العالم حتى يومنا هذا تقدم عبر جيشانات، عبر تغيرات مذهلة وسريعة في الفكر ، في التكنيك، في العلاقات الاجتماعية.
برأيي، ان ماهو خيالي ومستحيل هو تعديل الاسلام والتحويل التدريجي للانظمة الاسلامية الى حكومات علمانية. ان ماهو واقعي، محتمل، وفيما يخص ايران، امراً لا ندحة عنه بعد، هو تحقيق العلمانية عبر هبة جماهيرية ضد الدين، ضد الحكومات القائمة ومجمل التفاسير والقراءات للاسلام.

برسش: اي القوى او الحركات الاجتماعية بوسعها ان تكون مبشر العلمانية في الشرق الاوسط؟

منصور حكمت: كقاعدة، كان من المقرر ان هذه هي الرسالة التاريخية للحركات البرجوازية والراسمالية الناشئة لهذه البلدان في القرن العشرين. مهمة الليبرالية، القومية، التحديثية، والغربنة. لفترة، خُيِّل ان هذا المسار كان يمضي وان يكن بشكل بطيء، تدريجي، جزئي وناقص. بيد ان هذه الحركات، حتى منتصف السبعينات، انقضى عمرها ودب الركود في مشاريع التنمية الغربية وتفاقمت ازمتها الحكومية. لم ترسي الحركات الداعية للاستقلال في الشرق الاوسط في اغلب الحالات دول موالية للغرب. اذ ادى سقوط السلالات الملكية الى ارساء حكومات عسكرية تموضع، اغلبها، في صراع الشرق والغرب، ضمن دائرة نفوذ الاتحاد السوفيتي. ان الراسمالية والصناعة في بلدان الشرق الاوسط قد نمت اجمالآً عبر دول قومية واستبدادية. لم يُرسى مجتمع مدني برجوازي. لم تكن الليبرالية والتحديثية حركات ذات شان في الشرق الاوسط. ان القومية السائدة، سواء الموالية منها للسوفيت او الغرب، بقت عموما بإئتلاف سياسي مع ألإسلام.
على اية حال، لم تظهر العلمانية بوصفها حصيلة فكرية، سياسية وادارية لنمو الرأسمالية في الشرق ألأوسط. برأيي، ان برجوازية المنطقة تفتقد الى دستور عمل علماني او حتى قدرة اتخاذ مثل هذا الموقف. زد على هذا، ان ارساء نظام علماني لهو مهمة الحركات الاشتراكية والعمالية. برأيي، ان انتصار اليسار في المنطقة، على الاقل بصورة عاجلة في ايران، يجعل هذا الامر احتمالاً واقعياً ومادياً. تنشد الجماهير نظام علماني، وفي ظل غياب معسكر علماني يميني، ستلتف حول راية يسار شيوعي متأهب لصراع سياسي مع سلطة الدين.

برسش: الى أي حد، يمكن تحقيق العلمانية في هذه المجتمعات، برأيكم؟

منصور حكمت: في عالمنا المعاصر، وبوجود هذه الاتصالات بين اقسامه المختلفة، برأيي، ان صيانة بنية فوقية اسلامية في منطقة بهذه الاتساع امراً مستحيلاً. لايمكن لجم تنامي العلمانية في الشرق ألأوسط. اعتقد ان العلمانية ليست امراً يمكن تحقيقه فحسب، بل، وبعد تجربة ايران وافغانستان والجزائر، لهي مطلب وحاجة جماهير المنطقة. لازالت المشكلة، اساساً، مسألة فلسطين. مثلما تقوي هذه المواجهة الاجنحة الدينية الرجعية في اسرائيل نفسها وتمنحها وزنا لايتناسب مع ثقافة وعقائد الجماهير، فانها، في الجبهة المقابلة، تطوِّل من عمر الاسلام السياسي والهوية الاسلامية. كلما عُجِلَ بارساء دولة فلسطين المستقلة، سيُستأصل الاسلام والاسلامية في المنطقة اسرع.

برسش: ماهو رأيكم باطروحة "صراع الحضارات" لصاموئيل هنتينغتون؟ عموماً، لاتقر بوجوب ايجاد امبراطورية شر تحت راية الاسلام؟

منصورحكمت: ان مقالة واطروحة هنتينغتون لهي عديمة القيمة وفارغة الى ابعد الحدود من الناحية العلمية ومن حيث محتواها، وقد تلقت جوابها فوراً، وبالتفصيل، على ايدي العديد من المحللين. ان التفاسير الاعتباطية، تحوير الوقائع مع التصورات الذهنية للكاتب، تحريف الحقائق التي لاتُنكَرْ والمنهجية البائسة والمتخلفة في التحليل، لم تبقي اي مجال لأخذ هذا البحث موضع الجد. لقد تم طرح بحث هنتينغتون عام 1993. بعد انهيار الاتحاد السوفيتي واعلان "نهاية الشيوعية" و"نهاية التاريخ" في وسائل الاعلام والاكاديميات الغربية. لعشرات السنين، كانت مجمل الافكار والتوعية السياسية البرجوازية للغرب قد قُدت وصيغت حول وجود عدو عالمي، قطب عالمي ومقتدر منافس. في السنوات الاخيرة، وفي مرحلة ريغان، أوجِدَ لهذه المجابهة حتى تفسيراً هوليودياً بشكل تام. اذ كانت "امبراطورية الشر" و"حرب النجوم" مقولات في هذه الثقافة السياسية. بعد زوال الاتحاد السوفيتي، تصاعدت مسألة "من العدو" ومسائل اعادة تعريف مهام الناتو ومنظمة سي آي أي، السياسة الخارجية لامريكا والتنامي المجدد للدعوات الانكفائية في فروع من الجمهوريين. لقد كان "صراع الحضارات" جواب صاخب في سياق نفس الثقافة الهوليودية على هذه الاسئلة.
اني اوافق تماماً النقطة التي طرحها غراهام فولر ( احد المشاركين في المناظرة- م ) والتي تتمثل بكون الاختلافات "الحضارية" هي قالب لبروز الاختلافات الاجتماعية القائمة في حينها. ان مقولات "حضاري" في الدعاية الحربية والسوق السياسي ذات دور بالنسبة لهذه المصالح. بيد انها تفتقد الى اي مكانة في هذا الصراع. ان الاسلام والتفسيرات الاسلامية والعصبيات الاسلامية ادوات تعبئة اجتماعية في الصراعات المادية الاجتماعية التي، نفسها، لاتتعلق بالاسلام والحضارة الاسلامية ومجابهتهما للثقافة الغربية. ان مجريات يوغسلافيا لاتتعلق باختلاف الحضارة المسيحية الغربية مع المسيحية الارثذوكسية الشرقية ( والتي لايعلم احد لماذا، بهذا الخصوص، ان "التمدن" الاسلامي في البوسنة وكوسوفو وضع رأسه على وسادة "التمدن" الغربي! ). او ان عشر سنوات من تدمير العراق ليس ثمرة صراع الحضارة الغربية والاسلامية. ان العالم طبقي. ميدان صراع طبقي. ميدان تنافس الاجنحة والاقسام المختلفة للطبقة الرأسمالية حول الاقتدار والسلطة السياسية والمصالح المادية والربح ومناطق النفوذ وميادين الاستغلال. ميدان النضال من اجل التحرر وانهاء التمييز. ميدان صراع اليمين واليسار. ليس ميدان صراع الحضارات.
ختاماً، ان الحديث عن التمدن الاسلامي يعد امراً تافهاً. ليس الاسلام حضارة، ولا سائد في تلك البلدان، ولا يتمتع بامكانية وقابلية لعب دور امبراطورية شيطانية. ان الدعايات اليومية في الغرب، وبالاخص ما ان يفتح كلنتون وبلير والناتو افواههم، تضفي صورة كما لوان صدام حسين على بعد خطوة من غزو العالم واننا وحياتنا مديونة للناتو الذي قاوم حتى هذه اللحظة، بأضفاره واسنانه، هذا البعبع. ان اثارة الراي العام الغربي ضد جماهير الشرق الاوسط ذات مصالح مادية كثيرة لاوساط مختلفة، بيد انها لاتتمتع بادنى صلة بالاصطفافات الواقعية في العالم الراهن. على اية حال، ان بحث هنتنغتون لم يجني اي نفوذ فعلاً، وان يكن قد جلب خيرا كثيراًً لعمل هنتنغتون وميزانية مؤسسة البحث الاستراتيجية "الين" في جامعة هارفرد.


ترجمة
فارس محمود
تمت الترجمة عن النص الفارسي للبحث الذي نشرته لاول مرة مجلة برسش- سؤال- في عددها الثالث الصادر في صيف 2001.


مقالات