مقابلة جريدة إلى الأمام مع سمير عادل سكرتير اللجنة المركزية حول سياسة الحزب الشيوعي العمالي العراقي تجاه الانتخابات



إلى الأمام: يقترب موعد الانتخابات المزمع تنظيمها من قبل حكومة الكاظمي في حزيران من هذا العام، وهناك شكوك حول إجرائها، ما هو تحليلكم لذلك؟

سمير عادل: إن إعلان حكومة الكاظمي لإجراء انتخابات مبكرة في حزيران هو لعبة سياسية لقلب توزان المعادلة السياسية لصالح الجناح القومي المحلي وحتى العروبي المدعوم أمريكيا وهو الجناح الذي يقوده الكاظمي ومن خلف الكواليس التيار الصدري على حساب جناح الإسلام السياسي الشيعي الموالي للجمهورية الإسلامية في ايران،  إن انتخابات أيار من عام 2018 جرت في خضم دق الطبول والدفوف التي صمت الآذان تحت عنوان (الانتصار على داعش)، وقد استغل الجناح الموالي لإيران المتمثل بمليشيات الحشد الشعبي التي شكلت قائمة فتح الانتخابية تلك الأوضاع وقامت بواسطة فوهات البنادق، و مقاطعة اكثر من 82% للانتخابات من ملء صناديق الاقتراع، وبعد الانتهاء من يوم الانتخابات وأثناء المطالبة بالتحقيق في صناديق الاقتراع قامت بحرق معظمها، هذا السيناريو هو الذي مكن السلطة المليشياتية الجديدة التي تأسست على انقاض سابقتها، بزعامة المجرم عادل عبد المهدي من تمديد وبسط نفوذها العسكري والسياسي على جميع المؤسسات الحكومية إلى الحد الذي تحولت فيه مليشيات الحشد الشعبي إلى (دولة) موازية أرادت أن تشكل نموذج الحرس الثوي الإيراني ويكون لها القول والفصل في كل شيء في العراق، فهي حصلت سياسيا على 47 مقعدا في البرلمان وفي نفس الوقت هناك جناح عسكري لها حتى وصل بها الأمر إلى حد محاولة تأسيس قوة جوية خاصة بها، ما عدا أنها أسست عشرات مصانع للتصنيع العسكري تقوم بصنع الصواريخ والذخائر والبنادق لها.

طبعا هنا لا بد التنويه إلى أن انتفاضة أكتوبر، هي من قلبت المعادلة السياسية لغير صالح سلطة الإسلام السياسي الشيعية التي قالت الجماهير القول الفصل فيها. وكانت حكومة الكاظمي هي نتاج سيادة أفق التيار القومي الموالي لأمريكا، وقوضت كل مطالب المنتفضين والدماء التي سالت في شوارع مدن العراق التي أراقتها المليشيات التي يقودها فالح الفياض وحصرتها فقط بإجراء انتخابات مبكرة، وإذا دققنا قليلا في تحركات الكاظمي، فهو بعد أن جاء على أكتاف الانتفاضة يحاول قمعها، ويحاول التستر على قتلة المتظاهرين وأكثر من ذلك يتستر إعلاميا وسياسيا وامنيا وقضائيا على تهديدات مقتدى الصدر وجرائم ميلشياته تجاه المتظاهرين في ساحت الحبوبي والتحرير.

بيد أن هذه اللوحة كي تكتمل ويكون ردا على سؤالكم، فأن الجناح الموالي لإيران رفض الانتخابات عندما تعالت أصوات جناح التيار القومي المحلي داخل العملية السياسية بإجراء انتخابات مبكرة مستغلة أجواء انتفاضة أكتوبر، لأنه يدرك أن الفرصة التي مكنته بتزوير الانتخابات وأصداء (الانتصار على داعش) لن تتكرر وان حظوظه ستكون اقل، وخاصة بعد أن افتضح أمره وأصبحت أياديه ملطخة بدماء المئات من المتظاهرين، التي لا تختلف في نظر الجماهير عن جرائم داعش، هذا بالإضافة إلى أن الاعتبار السياسي والاجتماعي للإسلام السياسي الشيعي تقوض كثير بسبب انتفاضة أكتوبر، ناهيك عن النفوذ السياسي والمعنوي للجمهورية الإسلامية في المنطقة بسبب تشديد سياسة الحصار الاقتصادي عليها وقتل قاسم سليماني ودخول إسرائيل كقوة سياسية وعسكرية في الخليج عبر سياسة التطبيع مع الإمارات والبحرين بالإضافة إلى المصالحة الخليجية ومحاولات إقناع قطر من عدم الاعتماد على الحماية الإيرانية لسلطتها التي هددتها السعودية قبل ثلاثة سنوات. ومن هنا نجد الضربات الصاروخية بين الفنية والأخرى على السفارة الأمريكية كجزء من سياسة خلط الأوراق ومحاولة لانتزاع تنازلات من الجانب الأمريكي أو من قبل حكومة الكاظمي الفاشلة وإعطاء ضمانات سياسية للحفاظ على بعض من النفوذ الاقتصادي والسياسي، الإيراني ميلشياته في العراق، وبالتأكيد أن هذه القوى لا ترى مصلحتها في اجراء الانتخابات وتحاول أن تعكر صفو الأجواء السياسية والأمنية كي تحول دون إجراءها. أما عن فرص نجاحها في ذلك من عدمه، فهو مرهون بعاملين، الأول مثلما أشرنا إلى حصولها على تنازلات من الطرف المقابل، والعامل الثاني إذا عرفت بأنها ستتقزم من خلال الانتخابات وسيقوض نفوذها السياسي والاقتصادي والمليشياتي.

إلى الأمام: على مدى سنوات استمرت سياسة الحزب الشيوعي العمالي العراقي على مقاطعة الانتخابات، هل يعني أن أية انتخابات مهما كانت الأجواء التي تنظم بها، سيتم مقاطعتها من قبل الحزب؟ وهل هذا ينفع الجماهير او يحقق مصالحها من اجل الحرية والمساواة والرفاه، وهل لديكم آلية أخرى من اجل اختيار السلطة السياسية؟

سمير عادل: ليس هناك اي جديد في سياستنا إذا قلنا إننا نؤمن باختيار الجماهير لمؤسساتها النيابية كما يقول لينين. نحن مع الاختيار الواعي والحر للجماهير في انتخاب ممثليها السياسيين، هذه كانت سياستنا دائما وأبدا، ومن الناحية المبدئية ليس لدينا مشكلة بالمشاركة في الانتخابات على الصعيد العمومي، إلا أننا دائما نحدد سياستنا ليس على صعيد الانتخابات فحسب بل على الأصعدة كافة، وبما تقتضي مصالح الطبقة العاملة وعموم الجماهير المحرومة في المجتمع، إن السياسة التي نختارها يجب أن تأخذ بالحسبان وبالدرجة الأولى مصالح العمال والكادحين وتدفع إلى تحقيق تلك المصالح نحو التقدم، على سبيل المثال وليس الحصر، زيادة الأجور وتحسين الظروف المعيشة والحياتية للعمال والكادحين ،وتحقيق الحرية السياسية وحرية التعبير، والمساواة بين المرأة والرجل ومنع استخدام العنف في حل المشاكل السياسية وسن قوانين لصالح إنهاء كل اشكل العنف والتمييز القومي والجنسي والطائفي والديني في المجتمع. الخ. إذا كانت الانتخابات تحقق او تدفع هذه المصالح إلى الأمام ولو بدرجات معنية فنحن معها، إلا أن كل الانتخابات التي جرت ونحن دعونا إلى مقاطعتها بعد احتلال العراق، كانت انتخابات شكلية ولم تنتج عنها إلا نفس القوى التي سببت المآسي التي نعيشها. وهذه القوى وبدعم ومساندة القوات الأمريكية التي وضعت كل امكانات المجتمع المادية تحت سيطرتها هي من سنت القوانين الانتخابية والمفوضية العليا للانتخابات التي تسمى بالـ (مستقلة) بما يحقق مصالحها وتأمن التزوير وتزيف الأصوات لها، وهي من تشارك في الانتخابات وتبذخ الأموال المهولة عليها وتوظف وسائل الإعلام التي تسيطر عليها لصالحها، هذا علاوة على تقسيم العراق إلى مناطق نفوذ مليشياتية التي هي من تفتح صناديق الانتخابات وهي من تغلقها.

وبهذه المناسبة لاب الإشارة حول دور الأنظمة والمؤسسات الدولية باضفاء الشرعية على جميع الانتخابات التي جرت في العراق، إن الشكل الظاهري هو ادعاء القوى الغربية بقيادة أمريكا بأنها جاءت إلى العراق ودمرت بنيته التحتية وحولته إلى دولة فاشلة هذا اذا كانت هناك الحد الأدنى من مقومات دولة بالمعنى الحرفي والمطلق للكلمة، وتحصر كل القضية (الديمقراطية) بالمعنى الواسع للمقولة بالانتخابات وصناديق الاقتراع، كي تضفي الشرعية على سياستها، وتؤيدها القوى البرجوازية الأخرى في العالم وفي المنطقة، ولذلك يحاول كل طرف عن طريق الدعم المالي والإسناد العسكري من تحت الطاولة وبشكل مباشر وغير مباشر، بالإضافة إلى الدعم الإعلامي والسياسي للقوى السياسية الفاسدة، المشاركة في الانتخابات، وقبل أيام فقط كان هناك لقاء بين ممثل مفوضية الاتحاد الأوربي وبين رئيس دولة القانون نوري المالكي، واكد الأول على اجراء انتخابات لا يكرر التزوير فيها. وهذا اعتراف بأنَّ انتخابات عام 2018 مزورة، وقد اعترف بها الاتحاد الأوربي في حينه بانها شرعية. إن القوى العالمية الغربية ليس من شأنها ولا يهمها لا من بعيد ولا من قريب اجراء انتخابات نزيهة أم لا، المهم أنها تضمن تأمين وضع العراق الاقتصادي في تقسيم الإنتاج الرأسمالي العالمي وهو صناعة النفط وسلامة وامن الشركات العاملة متعددة الجنسيات فيه، أما حقوق الإنسان والديمقراطية فهي مفاهيم مطاطة وسلاح احتياطي تستخدمها تلك القوى عند الحاجة، فاذا كانت أية حكومة او قوى سياسية تأتي عبر الانتخابات حتى لو كانت نزيهة ولكن لا تحقق مصالحها الدول الغربية فإنها تضع علامة استفهام عليها وتجيش الإعلام والأقلام المأجورة لتزيف وعي الجماهير والراي العالم العالمي حولها، واذا كانت الانتخابات مزورة بنسبة اكثر من 80% فهي تعترف بها وتدق الطبول وتبارك الجماهير عليها، وهذا ينطبق حتى على المؤسسات التي تسوق نفسها كونها محايدة مثل الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة والمؤسسات المنبثقة منها التي تدار من قبل الأنظمة السياسية الغربية. وهناكً عشرات الأمثلة حولها سبق وقد أشرنا اليها في مناسبات مختلفة.

 

في كل الانتخابات لم تكن هناك أية أرضية لإجرائها، سوى سيطرة المليشيات على صناديق الاقتراع او احتكار كل الأموال الحكومية لصالح القوى السياسية القومية والطائفية المتنفذة التي تبذخ على الانتخابات والتي قيلت عن تكاليفها اعلى من تكاليف الانتخابات الأمريكية أو   التحكم بالإعلام عبر تلك الأموال أو غياب المصداقية الكلية للمؤسسات الدولية التي تحدثنا عنها مثل الاتحاد الأوربي والأمم المتحدة وغيرها.

وقد بينت انتخابات أيار 2018 او بالأحرى فضحت المهزلة الانتخابية التي حدثت في جميع تفاصيلها، وباعتراف ساسة من العملية السياسية مثل أياد علاوي وغيره بأن المشاركة لم تتجاوز 18% من المواطنين. وقد جاء رد الجماهير على الانتخابات في تموز من نفس العام عندما اندلعت احتجاجات عظيمة في المدن الجنوبية إلى حد هربت كل القوى المليشياتية والعصابات الحكومية من مجلس المحافظة والمحافظ من مدينة البصرة في أيلول، وأصبحت المدينة خالية من أية قوى مليشياتية وحكومية التي قالت إنها جاءت من الانتخابات، ولا داعي أن نحدثكم عن اندلاع شرارة انتفاضة أكتوبر من عام 2019 كي تعرفوا جيدا أن الانتخابات التي جرت لم تكتسب أية قانونية وشرعية

أما الشطر الثاني من سؤالكم حول الآليات بالنسبة لنا، فهي تتمحور حول اختيار ممثلي الجماهير في المصانع والمعامل والمؤسسات العاملة والأحياء والمناطق المعيشية والسكنية. طبعا هذه الألية هي أكثر ديمقراطية حيث تشارك الأغلبية المطلقة من الجماهير فيها وإن القاعدة الانتخابية تكون أوسع بكثير، وهي تجرد القوى البرجوازية من التحكم بالانتخابات وتحدد قنواتها، فبالإمكان العامل أن يرشح نفسه في مناطق او أماكن العمل، بإمكان اي شخص في المحلة او منطقة السكن من ترشيح نفسه، ويجري انتخابه باليه أكثر ديمقراطية مما يحدث للبرلمان. وإن تأسيس ممثلية المناطق السكنية وأماكن العمل وانتخاب تلك الممثلية أعضاء للتمثيل المباشر للجماهير لإدارة المجتمع هي أكثر مناسبة من آلية انتخاب البرلمان، طبعا هذه الآلية ليس لصالح القوى القومية والطائفية ولا تناسبها، بيد أن هذه الألية تحددها توازن القوى، ونقصد أن تكون الجماهير طرفا في المعادلة وتكون واعية ومسلحة سياسية وآفاقها منفصلة كليا عن آفاق وبدائل البرجوازية التي لا يتجاوز بديلها البرلمان. طبعا لا يتسع المجال هناك للبحث عن آلياتنا بالتفصيل، سنتركها إلى مناسبة أخرى بالرغم من أننا قد كتبنا الكثير عنها في أديباتنا وخاصة خلال انتفاضة أكتوبر.

إلى الأمام: في هذه الانتخابات لو افترضنا أن تنظم في موعدها، ما هو موقفكم منها؟

سمير عادل: أولا يجب أن تعرف الجماهير أن حكومة الكاظمي التي أعلنت عن اجراء موعد الانتخابات هي حكومة غير قانونية وهي متورطة أما بالتستر أو بقتل اكثر من 800 متظاهر سلمي لم يحملوا اي سلاح بوجه القوات والعصابات لا الحكومية ولا المليشياتية، وأن اكثر من ذلك هي تسترت وأرسلت جهاز الأمن الوطني برئيسها عبد الغني الأسدي بدعم ومساعدة عصابات مقتدى الصدر فور طلبه أو استنجاده بالقوات الحكومية بعد فشله بقمع المحتجين، للاستفراد بمتظاهري ساحة الحبوبي، ولم ينبس لا الكاظمي ولا أعضاء حكومته الامنية ببنت شفة عن تهديدات مقتدى الصدر وعمليات القتل التي مارستها عصاباته بحق المتظاهرين، إن اجراء الانتخابات ليس مطلب انتفاضة أكتوبر، لقد سوق  الكاظمي لها كذبا وتزيفا وخداعا، بل هو مطلب القوى الموالية لأمريكا كما بينا لتغيير توازن القوى لصالحها على حساب القوى الموالية للجمهورية الإسلامية في ايران. إن المسالة الأصلية التي على الجماهير أن تعيها وهي أن على هذه السلطة المليشياتية المتمثلة بحكومة الكاظمي أن ترحل فورا، أنها جاءت من رحم نفس العملية السياسية التي وضعت انتفاضة أكتوبر (X) عليها، إن هذه الانتخابات لو جرت لن تغيير من ميزان القوى لصالح الجماهير. إن الكاظمي صاحب الورقة البيضاء والموازنة التي تفرض الضرائب على كاهل العمال والموظفين والكادحين، إنه يحاول أن يكون الابن البار لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في خصخصة كل قطاع المجتمع وتخلي الدولة عن مسؤوليتها تجاه والصحة والخدمات العامة، وليس هذا فحسب بل على الجماهير الكادحة أن تدفع الأموال من جيوبها لجهازه البيروقراطي من الموظفين والوزراء والمستشارين وأصحاب المناصب الخاصة والمليشيات وقواته القمعية، بمعنى آخر إن الكاظمي الذي يعمل خلف الكواليس بـتأسيس عشرات الأحزاب التي تدور في فلكه للمشاركة في الانتخابات ستقصم ظهر الجماهير وانه اقل سوءً من البدائل الأخرى فقط من الناحية الظاهرية، والذي بين أنه الأكثر كذبا وخداعا وإخلاصا من سلفه في إفقار الجماهير..

إن دعوتنا لجماهير العراق هي مقاطعة الانتخابات والعمل على إنهاء هذه السلطة المليشياتية، إن الكاظمي يكذب وهي مهنة امتهنا أسلافه عبد المهدي والعبادي والمالكي، بأنه سيقوم بمحاكمة المجرمين المتورطين بقتل المتظاهرين بعد الانتخابات. إن الكاظمي نفسه يجب محاكمته بتهمة التستر على قتل المتظاهرين. وإنه ليس أهلا أن يطالب بأجراء الانتخابات، فلا انتخابات دون محاكمة المتورطين بقتل المتظاهرين، ولا انتخابات دون حل المليشيات، ولا انتخابات دون رحيل سلطة المليشيات، وليس كما يروج لها البعض أن المشاركة بالانتخابات هو البديل للتغيير، فهذا وهم قد نوهنا له في أكثر من مرة.

 إن طريق الانتخابات البرلمانية في العراق هو طريق مغلق، وعلينا ألا نضفي القانونية والشرعية عليه، إن البديل هو بالعمل على ترحيل هذه السلطة المليشياتية من حياة الجماهير اذا ارادت الاخيرة اي تحسن نحو تحقيق الأمن والأمان والحرية والرفا.

المقابلات