حول ازمة تشكيل الحكومة والاحتجاجات في البصرة

27/09/2018
حول ازمة تشكيل الحكومة والاحتجاجات في البصرة

الى الامام: اين تكمن ازمة تشكيل الحكومة؟ هل تكمن بالصراع السياسي بين الاقطاب الاقليمية والدولية ام بغياب الافق السياسي للقوى السياسية المحلية؟.

 

سامان كريم: سؤال وجيه ومهم. في الامور السياسية الانية, او ما يخص المرحلة الراهنة, نحن وغيرنا تحدثنا عن مدى تاثير الاقطاب الدولية والاقليمية على الوضع السياسي والقوى السياسية في العراق, الشطر الثاني يخصنا و قلنا ان القوى البرجوازية العراقية منعدمة الافق. بطبيعة الحال ان الشطرين صحيحين. لكن القضية لا تبدأ و لا تنتهي من أحد الشطرين أو من كلاهما. ان قضية ازمة تشكيل الحكومة, هي قضية اعمق بكثير عن الشطرين اعلاه. الشطرين مهمين ولهما تاثيرهما الكبير, لكن في التحليل الاخير ان كلا الشطرين, نتيجة لوضع اعمق, او إفرازات لحالة البرجوازية العراقية كطبقة مشلولة. في العراق ليس لدينا طبقة برجوازية عراقية. لدينا طبقة برجوازية عربية, وهنا أيضا منقسمة الى طبقة برجوازية سنية و شيعية, وايضا لدينا طبقة برجوازية كردية... تم جمع هذه الطبقات في تشكيل الحكومات السابقة و في الدولة المشلولة" الدولة لم تبنى لحد الان" , و ليس لدينا هوية الدولة بالمعنى المألوف للمفهوم . القضية الرئيسة التي تفرز هذين الشطرين اعلاه و واردة في سؤالكم, هي " عدم إتمام الدولة". الدولة في العراق معوقة بالكامل. عليه ان المرض المزمن هذا, يتطلب علاجا ناجعا, وجراحا اخصائيا في شرايين الدماغ.

 

نحن اكدنا على هذا الامر في مناسبات عديدة. اساس ازمة تشكيل الحكومة ترجع الى هذا السبب الرئيس. بامكاننا ان نرى ذلك من خلال احاديث واطروحات قادة الكتل و الاحزاب البرجوازية الفائرة, الاغلبية السياسية, مشاركة كافة المكونات, الرئاسات وفق المكونات والقوميات والطوائف, السلطة اللامركزية.... الخ. هذه الاطروحات متناقضة مع بعضهما البعض وتدل على وجهات النظر المختلفة حول بناء الدولة في العراق. نحن امام حالة مشابهة في لبنان. في لبنان ايضا لدينا ازمة تشكيل الحكومة, دون ان تكون لدينا الاوضاع المشابهة بصورة كاملة. القضية في لبنان و قضية العراق متشابهان في اطار " الدولة المشلولة". بهذا المعنى العراق يمر بمرحلة انتقالية من عدم اتمام بناء الدولة صوب اتمامها عبر مخاض ربما طويل او ربما تفشل وهذه الاحتمالات كلها مطروحة.

 

القضية الاخرى, وهي مهمة في هذه المرحلة. قضية المرحلة الانتقالية على الصعيد العالمي ايضا. "انعدام النظام" او الاتجاه السياسي العالمي ليس له ديناميكية مستقرة ومستمرة, الرأسمالية ليس مثل باقي الانظمة الاقتصادية والسياسية الاخرى, ليس بامكانها ان تعيش بصورة متواصلة و طويلة على الصعيد العالمي بدون نظام عالمي منسق, ينظم العلاقات بين البلدان الكبيرة, و تقسيم العمل و الحركة الرئيسية للرأسمال, وتموضع الرأسمال في قطاعاته الرئيسية, الاتفاق حول قوانين التجارة و الاستثمار ومستوى الضرائب و التعريفات الكمركية و والخطوط الحمر للعلاقات الدولية وخصوصا بين الدول الكبرى... اليوم نحن نعيش في زمن الفوضى ليس على صعيد العراقي او السوري او العالم العربي, بل في عمق امريكا ذاتها و اوروبا ايضا... لكن بمعاني و مدلولات مختلفة. الفوضى ايضا بين الدول الكبرى و عدم التنسيق الكافي في حروبهم وسياساتهم و خطواتهم الاقتصادية. العالم الراهن بعد فشل امريكا في بناء " النظام العالمي الجديد" بعد سقوط جدار برلين, تتجه نحو بناء نظام متعدد الاقطاب... بمعنى ان العالم يمر عبر المرحلة الانتقالية من نظام الى اخر..... هذا المخاض الذي ادى ويؤدي الى الحروب و افتعال الازمات و خلق الازمات و ادارتها. من هنا بإمكاننا ان نحدد مستوى وقوة التدخل الكبير للأقطاب العالمية و الاقليمية في العراق وفي تشكيل حكومته و اعادة هيكلة اقتصاده وبناء دولته.

 

العراق يمر بمرحلتين انتقاليتين. واحدة منها تخصه وهي عدم اتمام بناء الدولة, و الثانية, هي عالمية او الفوضى العالمية, التي يمر بها العالم الرأسمالي, لاعادة تقسيم العالم مجددا. في الاولى تتصارع كافة القوى العراقية على بناء دولتها وتطبعها بطابعها عبر وسائل عدة ومنها الميليشيات الكبيرة, ناهيك عن طريق الحكومة و الوزراة و رئاسة الوزراء. اما التأثير الثاني او المرحلة الانتقالية العالمية, فهي انقسام القوى البرجوازية العراقية كافة على المسارين او على القطبين, بين الامريكي والمتحالفين معه في المنطقة, و مع الروسي الصيني و المتحالفين معهم في المنطقة....وهنا على صعيد المنطقة ان النظام الايراني لديه سلطة عليا و تاثير كبير على مجريات الامور و السعودية و تركيا لديهم تاثير على القوى السنية والكردية, وهذه النقطة مهمة لصحة وتأكيد اطروحتنا حول وهم " البرجوازية الوطنية". بمعنى ان كل القوى البرجوازية الموجودة, من الاسلام السياسي الى القومية العربية , الى الطائفية السنية والقومية الكردية,,, ليس لديهم " وطن" بل جزء من ادارة الرأسمال العالمي. يبيعون " وطنهم" من جانب, ومن جانب الاخر, يعلقونه في رقبة العمال والكادحين لتضليلهم وإبعادهم عن نضالهم الطبقي الطبيعي. الوطن شماعة لاضطهاد وتضليل وايهام الجماهير فقط.

 

اما افق البرجوازية في العراق, فهو مرتبط بحركة الرأسمال وبحركة السوق بصورة عامة. واقصد بهما على الصعيد العالمي. بصورة عامة هذه معلومة على الرغم من الازمة الرأسمالية المتواصلة. لكن في هذه المرحلة حيث الازمة الاقتصادية و أزمة " النظام العالمي" بمعنى الازمة السياسية, موجودة على صعيد العالمي و طبعا لها انعكاساتها في العراق, عليه ان الافق البرجوازي ايضا ينقسم على القوى العالمية. افق "البرجوازية العراقية " في حالة ازمة عميقة ومنقسمة .

 

ازمة تشكيل الحكومة تمر بهذه المخاضات الواسعة و العميقة, وتتبادل هذه المخاضات المختلفة مواقعها وفق الوضع السياسي العام والتناسب بين القوى الرئيسية على الساحة العراقية. على اية حال تشكيل الحكومة او عملية جمع هذه " المكونات" لبناء أو لفرض الحكومة, مرهونة باتفاق ضمني بين امريكا وايران في هذه المرحلة بالتحديد.

 

الى الامام: الحرب على داعش العنوان او اليافطة التي تجمعت تحتها جميع الاقطاب الاقليمية والدولية لإعادة ترتيب اوراقها السياسية في المنطقة، هل انتهت هذه المرحلة لينتظرنا سيناريو اخر تواجهه الطبقة العاملة وعموم جماهير المنطقة؟ من هو برأيكم الخاسر ومن هو الفائز في المعادلة السياسية؟

 

سامان كريم: منذ البداية وحتى قبل تدمير مدينة الموصل, قلنا وأكدنا, ان قضية داعش او انهاء داعش, او تحطيمها بالكامل ليس قضية عسكرية بحتة. قلنا ان داعش لها حواضن اجتماعية كبيرة, ولها افكارها و اطروحاتها... قضية الداعش لم تنتهِ و لن تنتهي في ظل سلطة البرجوازية الحالية في العراق و المنطقة. لان الازمات العميقة التي تهز كيان المجتمعات العربية و الشرق الاوسطية, هي بنية موضوعية واجتماعية لخلق داعش و امثالها. بمعنى ان بنية بقاء داعش او خلق انواع جديدة من هذه القوى الجرثومية هذه, ليس باقية في مكانها فحسب, بل اصبحت اكثر اتساعا وتنوعا. ربما داعش دمرت دولتها التي بنتها معها امريكا و القوى الغربية و العربية وتركيا, لكن لم تمت و مثلها مثل اي حركة سياسية تحاول الاستمرار و النهوض بنشاطاتها المختلفة. هذا جانب من القضية.

 

بخصوص الجانب الثاني, الذي جاء في سؤالكم ايضا " لاعادة ترتيب اوراقها السياسية", هذا لن يتم وفق مزاج وسياسة امريكا و حلفائها بل ردت عليه بالعكس, حيث ان إيران اليوم لديها قوة اكثر جبروتا في العراق مقارنة بفترة ما قبل داعش. الحشد الشعبي قوة موازية كبيرة وضخمة و عقائدية الى حد ما تابعة الى مؤسسة اسلامية شيعية بالكامل, بغض النظر عن مرجعياتها المختلفة, وهذا يصب في صالح إيران بطبيعة الحال. يضاف الى ذلك ان الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي كان في جعبة امريكا وقطبها وسياساتها في العراق, اصبح اليوم يلعب بعكس هذا التيار الى حد ما و لا يريد ان يؤيد العبادي الرجل المفضل الامريكي في العراق في هذه المرحلة... عليه ان البنية الموضوعية للهجوم الجارف لداعش على العراق و السيطرة على المدن تلو الاخرى, باقية في مكانها, بل اصبحت اكثر ضرورية لامريكا و حلفائها في المنطقة. لكن هل بامكانهم تكرار ذلك ؟! هذه قضية اخرى. لكن نحن نرى انها تشبه الدفاع عن " جبهة النصرة" وانواع اخرى من الارهابيين في مدينة ادلب السورية تحت يافطة " الدفاع عن المدنيين" او " استخدام الاسلحة الكيمياوية من قبل النظام السوري".

 

الوضع السياسي والاجتماعي في العراق, هش للغاية, وليس لدينا بنية اجتماعية راسخة وقوية ومقاومة ضد الرجعية و الخرافات وحتى ضد الارهاب الاسلامي بشقيه . عليه القضية ليست ان ننتظر اولا, بل ان البرجوازية العالمية والمحلية ليست لديها حيل وطرق كثيرة للسيطرة على الاوضاع لصالحها إلا عبر تلك السيناريوهات الخطيرة. الطبقة العاملة في العراق اسيرة ذاتيا, ومكبلة موضوعيا. أسيرة ذاتيا, بمعنى ان الوعي الطبقي, وهذا يعني الوعي السياسي غائب تماما. هل تنظر الطبقة العاملة او حزبها الطليعي الى ذاتها كطبقة؟! وليس كطائفة او كقومية, وتتحرك على هذا الاساس وفق البنية الطبقية؟ براي لا. هي موضوعيا مكبلة, اولا: لان جزء كبير من الطبقة العاملة في العراق لم تبق في مكانها لم تبق في العمل و مؤسساتها, واقصد هذا الجزء من الطبقة العاملة التي كانت تدير العراق و صناعاتها التي تسمى "بالوطنية" هذا الجزء المهم من طبقتنا في العراق لم يبق لها وجود تقريبا. وهذا الجزء هو جزئها المناضل التي سطرت تأريخها بنضالات عمالية رائعة وعظيمة. بمعنى ان مشكلتنا مع طبقتنا هي مع ذات طبقتنا وليس في خارجها , في هذه المرحلة. علينا ان نعمل في هذا الاتجاه, نعمل في تغير المعادلة لصالح ماركس والماركسية, ليتسنى للعمال إلتقاطها واحتضانها وثانيا: هي مكبلة " بالعولمة" بصورة فعلية, نحن نرى في العراق طبقة عاملة هجينة"مختلطة من القوميات المختلفة" خصوصا في القطاع النفطي, هناك صينين, وإيطاليين, و أسيويين وفي قطاع الخدمات نرى العمال البنغلاديش و الفلبينيين و التايلانديين. هذه ظاهرة جديدة على الحركة العمالية و قادتها, حيث لم يتناولها القادة العماليين, وفق الاصول الاممية والطبقية , وهذا عائق كبير امام اي نضال عمالي في العراق. لا بد ان اشير ان البرجوازية العراقية واقسامها المختلفة متحدة مع البرجوازية العالمية و يعقدون العقود التجارية والصناعية وخصوصا في القطاع النفطي, اما عمالنا وقادتهم يتجهون في اتجاه معاكس للاممية العمالية, وللتضامن الطبقي بين العمال بغض النظر عن هوياتهم الكاذبة, وهذه مفارقة تاريخية في هذه المرحلة.

 

وحين نتحدث عن الطبقات الرئيسية في المجتمع, فان الفائز هو البرجوازية بغض النظر عن اتجاهها, اما الخاسر فهو الطبقة العاملة و الجماهير المحرومة في العراق. حيث تخسر الطبقة العاملة تخسر اكثرية المجتمع وهذا قانون حركة التاريخ في ظل النظام الرأسمالي. اما بخصوص من هو الفائر في الوضع السياسي الحالي في العراق فان الفائر هو هذا التيار من الاسلام السياسي الشيعي و القوى السنية والكردية التي تميل مع الاتجاه الايراني في العراق, الحشد الشعبي وولاية الفقية اصبحتا قوة و عقيدة قوية ومؤثرة, هذه معطيات واقعية ملموسة. انتخاب الحلبوسي, سجل نقطة او هدف ولو بضربة جزاء لصالح إيران. وننتظر ضربة حرة مباشرة, حين يبعد العبادي بصورة عملية وليس عبر الاعلام فقط مثلما نقرأ الان.

 

الى الامام: ما هي الملامح السياسية المقبلة؟ هل هي استمرار عدم الاستقرار السياسي في العراق، ام هناك اتجاه نحو حسم الصراع السياسي؟

سامان كريم: الملامح السياسية في العراق, مفتوحة تماما على كل الاتجاهات الخطيرة, وكل الاتجاهات التي ممكن ان نتوقعها ليست في صالح الجماهير و الطبقة العاملة. إستمرار عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي, الانزلاقات الامنية الخطيرة وخصوصا في جنوب العراق اي المدن المحسوبة على الاسلام السياسي الشيعي, تمزيق العراق, تعميق الهوة بين ابناء العراق على اساس المكونات والطوائف. بمعنى اخر ان الوضع السياسي في العراق يستمر وفق ما بنى عليه منذ 2003, بصورة اوسع واشمل واعمق.

 

القضية هي ان البينة الموضوعية لكل هذه الانزلاقات والتشنجات باقية في مكانها, امريكا وادواتها, ايران وادواتها. الاسلام السياسي الشيعي والسني القوى الاسلامية السنية بما فيها الارهابية, القوى الطائفية العربية الرجعية, القوى القومية الكردية الرجعية... كل هذه الاطياف باقية في مكانها بل ان قسم منها اصبحت اكثر اقتدارا. الصراع بين امريكا و ايران, وخصوصا بعد الغاء الاتفاقية النووية من الجانب الامريكي اصبح اكثر عدواناً وشراسة وخصوصا اذا نفذت امريكا حصارها على بيع النفط الايراني في شهر تشرين الثاني القادم هذا جانب و الجانب الاخر, الصراع بين امريكا وحلفائها, والصين وروسيا وحلفائهما اصبح اكثر تشددا وعمقا. لن يبقى الصراع مع الصين الى الابد صراعا اقتصاديا و فرض الضرائب فقط بل سيتحول الى السياسة والسياسة هنا الحرب, ربما في منطقة ما او في شبة الجزيرة الكورية او مع ايران بالوكالة او في سورية ربما... كل هذه المسائل مطروحة. وروسيا ايضا ليس بامكانها ان تقبل بخاصرتها التهديدات الاوكرانية او حتى الجورجية, ولا تقبل بالطبع بان تكون ادلب اسيرة لسياسة امريكا الى الابد. امريكا من جانبها ايضا لا تقبل بكل هذه الخسائر.

 

لا ارى في الافق وفي المرحلة القادمة المنظورة حسما للصراع السياسي في العراق. والوضع السياسي مفتوح على مصراعيه . هل بامكاننا نحن ان نرفع من استعداداتنا؟! هذا هو اهم سؤال من الممكن ان تسألونا عنه.

 

الى الامام: هل ستؤثر الحرب في ادلب السورية على الوضع السياسي المحلي في العراق وازمة تشكيل الحكومة؟

سامان كريم: سؤالكم دقيق وجيد. بالطبع ستؤثر حالة الحرب في ادلب على الوضع في العراق, تأثيرا مباشراً. انظروا الى الوضع العمومي في المنطقة, هناك حرب كبير في عدد من الدول والمناطق. الحرب بطبيعة الحال تنقسم الى جبهات مختلفة. من هذه الزاوية سورية جبهة كبيرة تميل موزاين القوى لصاح روسيا وايران, العراق جبهة كبيرة تتغير فيه موازين القوى بين فترة واخرى, حيث بعد هجمة داعش كان لامريكا اليد الطولى في العراق, اما اليوم فقد تغيرت هذه المعادلة الى حد ما لصالح إيران, على اية حال بإمكاننا ان نقول هناك طرفين قويين في العراق, وهما امريكا وإيران, وفي اليمن ايضا هناك حرب, وهكذا.

 

بطبيعة الحال ان الحرب او حالة الحرب في ادلب السورية تؤثر على تشكيل الحكومة في العراق, بصورة مباشرة. كل من الطرفين, يحاولان ان يسجلا النقاط في الجبهتين, في العراق و في سورية, لكي يكسب كل منهما جولة ما او جبهة ما. اذا انتصر بشار الاسد في ادلب, حينذاك لن يبق لامريكا وحلفائها اوراقا جدية او كبيرة للضغط على روسيا وايران في العراق. واذا انتصر بشار في ادلب حينذاك, ان معاهدة مينسك حول اوكرانيا, ستكون بيد روسيا وليس الرباعية... وهكذا.

 

تشكيل الحكومة في العراق, نقطة مهمة بين الطرفين, قابلة للتفاوض وقد مرت بينهما مفاوضات شرسة. بمعنى الموافقة على رئيس وزراء توافقي او موافقة على مرشح التسوية. وهذا في السياسة ممكن. لكن حين نفرض انتصار النظام السوري في ادلب, حينذاك موقف الجانب الايراني في العراق سيكون اقوى, وبالعكس صحيح ايضا. حين تخسر امريكا في العراق, وهي خسرت , ستعاند كثيرا في ادلب, ولكن موقفها ضعيف حينذاك.

 

مع هذه المقدمة ارى ان الوضع في ادلب يتجه نحو نوع من الهدنة المؤقتة, عبر الاتفاق التركي الروسي. وهذا يعني اتمام الصفقة بين عدة جهات روسيا وتركيا من جانب و روسيا وامريكا من جانب اخر, ايران وامريكا ايضا... هو تكتيك سياسي من قبل كل الاطراف كل وفق مصلحته. روسيا وايران يريدون او يهدفون الى حكومة عراقية تابعة لهم عبر رئاسة الوزراء, وهذه نقطة مهمة في قضية ادلب واتفاق ادلب. روسيا تريد ضرب الارهاب بتركيا و تركيا تريد ضرب الاكراد بروسيا.. وسوريا تريد ضرب الاثنين معاً وان تنتصر. بعد اتفاق ادلب ارى ان مرشح التسوية في العراق سيكون السائد. من هو الشخص ليس مهما ابدا. بطبيعة الحل سيكون ضعيفا و دمية بأيدي العامري والمالكي و الصدر. لكن هذه الامور مرحلية و مؤقتة وفق توازن القوى الحالي بين مختلف الاطراف الصراع في المنطقة. بهذا المعنى لا يعني إبعاد الحرب عن ادلب بصورة نهائية, إلا إذا تحقق كل اهداف الحكومة السورية و الروسية, وهذا غير ممكن.

 

الى الامام: اين مكانة الطبقة العاملة في هذا الصراع، واين موقعية احتجاجات جماهير البصرة؟ وهل من الممكن ان تتحول الاوضاع في البصرة الى مثلما آلت اليها الاوضاع في سورية واليمن وليبيا بعد ما سمي بالربيع العربي؟

سامان كريم: بصريح العبارة, الطبقة العاملة ليس لديها مكانة وموقع في الصراع الدائر على السلطة السياسية في العراق, وحتى على موطئ قدم مناسب كقوة ضعيفة وغير مقتدرة. الطبقة العاملة كما اشرت اليها اعلاه, منقسمة تماما, وليس لديها افق لا للتغيير ولا للاصلاح. تتحرك وتناضل طبقتنا في العراق وفق المشيئة البرجوازية, وليس وفق مشيئتها. وفق مشيئة البرجوازية, بمعنى في الاطار الذي تحدده الطبقة البرجوازية الحاكمة, وليس وفق ما يخطط لها من افق سياسي واضح.

 

موقع الطبقة العاملة ومكانتها, بطبيعة الحال ليست نتيجة لهذه المرحلة فقط. هذه المكانة الضعيفة هي , نتيجة تراكمات تاريخية طويلة الى حد ما, لغاية وصولها الى هذا الحد الرديء. اما بخصوص الاحتجاجات الجماهيرية, ينبغي ان لا نعطيها زخم كبير. انفراج الاحتجاجات في اطار او رحم الصراع الدائر بين القوى البرجوازية على تشكيل الحكومة و الاطار العمومي للنظام السياسي في العراق. بالنسبة لي انظر الى هذه الاحتجاجات, من زاوية بنيتها الموضوعية فقط وليس من زاوية حركتها في الشوارع والميادين. البنية هي موضوعية تماما, انعدام الكهرباء والماء الصالح للشرب, والتوظيف وضمان العمل او توفير ضمان البطالة, مطالب واقعية وموضوعية وحياتية من الصميم. انفراج الاحتجاجات في بطن الصراع البرجوازي وليس وفق خطة مدروسة من لدى القادة الجماهيريين او قادة "الشوارع" لتحقيق هذه المطالب. وهذا فرق نضالي وسياسي واضح بين الامرين. مثل إنفجار البالون نتيجة الضغط الداخلي للبالون أو انفجاره عبرة أبرَة ما.

 

وفق هذا المنظور, لن تحقق الجماهير في البصرة مطالبها, لن تحقق لانها غير منظمة, لأنها غير مدركة لمصالحها السياسية الانية , لذلك اصبحت العوبة بين اطراف سياسية عديدة, وهذه هي مشكلة كل الاحتجاجات الجماهيرية في العراق وفي كردستان ايضا منذ 2008 ولحد الان. هنا لا اتحدث عن حركات ونضالات الطبقة العاملة. الاحتجاجات الجماهيرية في البصرة تحقق مصالح اطراف البرجوازية الحاكمة اكثر بكثير مما تحقق مطالب الجماهير المشاركة في الاحتجاجات, وهذه هي مصيبة تلك الاحتجاجات التي ليس لديها بوصلة وافق واضح وقيادة متمكنة واضحة, وذات اطار تنظيمي مناسب. نحن في الحزب, بصورة عامة تعاملنا مع هذه الحركة بصورة إيجابية.

 

في البصرة ظرف سياسي و اجتماعي مختلف في هذه المرحلة, عن اليمن وسورية وليبيا. مختلف من عدة زوايا, ولعل اكثرها بروزاً, هي سقوط تلك الاقنعة التي وراء تلك الحركات الرجعية التي سميت ب"الربيع العربي!!". سقوط سياسات امريكا الهادفة الى خلق الفوضى الخلاقة, ونزيف الدم ادى الى خلق نوع من الوعي المضاد للسياسات الامريكية دون ان يكون وعيا تقدميا. هذا جانب مهم من القضية. والجانب الثاني النظام الايراني غير مستفيد اطلاقا من الفوضى في البصرة وهي محاذيه له وهو لديه مشاكل جمة لا تحسد عليها. الكويت تخاف من تداعيات اي فوضى... عليه ان القوى الميليشياتية التابعة لهذه الدولة او تلك , تحركت وفق سياساتها... من هنا لا ارى بنية موضوعية لخلق الحالات المشابة الواردة في سؤالكم. خصوصا ان مظلة الاسلام السياسي الشيعي تتجه صوب نوع من الاتحاد الظرفي خلال هذه المرحلة على الاقل.

 

الى الامام: ما هي رسالة الحزب الشيوعي العمالي العراقي في هذه الاوضاع؟

سامان كريم: رسالتنا الى العمال والجماهير, وهنا اقصد الرسائل التوجيهية والاعلامية المباشرة عبر قنواتنا الاعلامية, مرهونة بقوانا على الارض, بدون قوة او بدون درجة معينة من القوة, بدون مستوى معين من التنظيم الذي بامكانه ان يتحرك ولو في بقعة ما, ليس بامكاننا ان نوجه الرسائل, حتى اذا وجهنا الرسائل, ليس هناك من يستلمها , وهنا المصيبة. كتابة الرسائل او التوجهات بسيطة الى ابعد الحدود وليس فيها نوعا من انواع الفنون سياسية, ربما نخطأ او نصدر شيء جيد, لكن القضية هي كيف تحدد او كيف تقيس موادك او توجيهاتك؟! ماهو معيارنا الموضوعي لصحة رسائلنا وسياساتنا؟! وفق الاطر الماركسية ليس هناك جواب الا في الممارسة, والممارسة هنا اجتماعية وليس فردية, والممارسة الاجتماعية, لديها بنيتها وهي التنظيم, وهو ضعيف. عندما يكون لديك التنظيم حينذاك اكتب رسائلك.... من الجدير بالذكر اننا نعيش في مرحلة تراجعية اجتماعية تأريخيه غير مسبوقة. ما عدا هذا , اي بدون التنظيم , تظل حينذاك رسائلك عمومية جدا, وتنشرها في الهواء ربما يستلمها احد او لا يستلمها .

 

عليه :في هذه الاوضاع في العراق, وفي ظل الفوضى , وعدم الاستقرار, والانزلاقات الامنية, رسالتنا هي, ان الطبقة البرجوازية المتجزئة وممثليها من الاسلام السياسي الشيعي و السني و القومية الكردية, والطائفية العربية... كلها تتلعثم امام قبضة من المال, وتركض وراء الشركات والارباح, وتعمل لصالح الاتجاه العام للرأسمال العالمي, للبنك وصندوق النقد الدوليين. هذه الاحزاب والتيارات لحد الان ومنذ, 15 سنة لم تتمكن من توفير الكهرباء و الانكى من ذلك لم تتمكن من توفير المياه الصالحة للشرب, ناهيك عن توفير العمل وضمان البطالة. تضاف الى ذلك لم تتمكن من توفير الامن والامان بل عملت لصالح تقسيم العراق على اساس المكونات القومية والطائفية, في سبيل استحواذ اكثر ما يمكن على الارباح والفساد المقيت والمستمر, وانتجت داعش و منظمات ارهابية اخرى. تضاف الى ذلك انتجت التهجير الطائفي القسري والقتل على الهوية

رسالتنا : رسالة اجتماعنا الموسع الاخير لقيادة الحزب في شهر ايار الماضي وهي: انهاء حكم هذه الطبقة وهذه الاحزاب بمختلف مشاربها السياسية, التي جربت نفسها اكثر من مرة, وفشلت في كل مراحلها. هذه صفعة موجه وقوية بوجه الطبقة السياسية الحاكمة. علينا تعميق هذا الوعي في صفوف العمال والجماهير المحتجة. هذا عملنا التحريضى في هذه المرحلة. وعلى الرغم من حالة الفوضى العارمة في العلاقات الدولية, وعلى الرغم ان الوضع الدولي ليس فيه " استقرارللنظام " بمعنى ان المرحلة التي نمر بها انتقالية, وعلى الرغم من غياب الطبقة العاملة على الصعيد السياسي, لكن الازمة السياسية والاقتصادية و الاجتماعية عميقة الى درجة ممكن ان تنفجر الاوضاع السياسية في أي لحظة , ربما انتفاضات مدينية" مدينة". القضية اذن مدى استعدادنا لهذه الحالات او حتى للحالات المشابهة التي شاهدناها في البصرة اخيرا رفع الأستعداد الفكري والسياسي الماركسي, للقادة العماليين و قادة ونشطاء الحركات الجماهيرية, هذه هي اهم وظيفة واولوية اكثر الحاحا من اي عمل اخر.

 

هذه هي الرسالة والرسالة بقدر ما تكون اجتماعية, بهذا القدر يقع على عاتقنا نظراً لعدم استعدادنا و تأثيرنا على التغير لصالح الطبقة العاملة. فلنهب كل قيادة الحزب ونركز على هذه الوظيفة وبراي هي وظيفة واحدة وليس عدة الوظائف. في هذه المرحلة: عملنا و اسلوب عملنا و اهدافنا المرحلية, هي تحقيق هذه الوظيفة. بمعنى بعد فترة محددة, لدينا عدد من النشطاء او قادة العماليين الماركسيين, يدركون ما يجري في محيطهم ويعرفون الحركات الاجتماعية حسن المعرفة, ويميزون بين الحركات السياسية و بين الحركات المطلبية الجماهيرية. للمثال يدركون بدقة ان الجماهير في البصرة نزلت في سبيل الماء و الكهرباء و توفير العمل... اي من اجل مطالب واضحة, ولكن حين يتحول الى تبادل لحرق المقرات و المؤسسات حينذاك يتحول الى حركة سياسية لا عندها اية علاقة بالحركة المطلبية الاصلية. كوادرنا و حتى اعضائنا يجب ان يميزون بين هذه المسائل بدقة, حتى لا نكون ذيلا لافق برجوازي. و يدركون اختلافاتهم مع اتجاهات البرجوازية المختلفة, والقومية اليسارية, والاصلاحيون الجدد بملابس "اسلامية وشيوعية" في صفوف الطبقة العاملة. هذه الحلقة او الوظيفة لبنة اولى او خطوة اولى في سبيل تحقيق رسالتنا: انهاء حكم الاسلام السياسي في العراق. ويجب ان يعرفون هذه العلاقة بين هذه الحلقة البدائية مع نهاية حلقاتنا وهي الثورة وانتصار الثورة العمالية.

 

بطبيعة الحال هذا العمل ليس عملا نظريا او تعليمية بحتة, بل اساسا هي عملية نضالية و اسلوب عمل ماركسي. قادة عماليون و نشطاء احتجاجات جماهيرية و طلاب جامعات او الشباب و الشابات بصورة عامة يناضلون في سبيل شئ ما. مطلب ما. زيادة الاجرة, او توزيع الاراضي او الارباح على العمال, او ضمان العمل, او تغير النظام التعليمي, او الكهرباء او الماء الصالحة للشرب .... او في سبيل بناء او تشكيل منظمة ما لتحقيق مطالبهم. كل هذه الامور يتطلب خطة عمل و اسلوب عمل, ونوع من التنظيم, او جمع من اهالي محلة ما يتحدون و يحتجون في سبيل تبليط الشوارع او تدشين مياة الصرف الصحي... يبدا عملنا هنا. هنا بالضبط, سواء كان في الاحياء السكنية او في المؤسسات الصناعية والخدمية, او في مؤسسات الدولة او في الجامعات المعاهد. فنلبدأ. حول هذه الامور يعجن النظرية الماركسية بالعمل الحي, بالنشاط الفعلي. هذه هي التربية الطبقية. هذا عملنا و منه في اطار هذا النضال الدوؤب الروتيني المستمر, يفرز او ينتج عددا لا باس به من الكوادر الماركسية النشطة. من هنا ينبثق التنظيم الاجتماعي. هذه هي الرسالة او رسالة الاجتماع الموسع الاخير لقيادة الحزب.

 

مقابلات