كلمة -الى الامام-: حول قضية الخاشقجي

23/10/2018
كلمة -الى الامام-: حول قضية الخاشقجي

لا شك ان قتل الصحفي والكاتب جمال الخاشقجي وبالطريقة الوحشية كما تحدثت وسائل الاعلام التركية والغربية هو محل ادانة وشجب وبغض النظر عن مواقفه وافكاره.

 

تحول قضية قتل الخاشقجي الى مسالة رأي عام داخل النخبة السياسية في العالم الغربي ابعد من ان تكون قضية مؤامرة وتنسيق بين المخابرات الامريكية والسعودية، او فبركة عملية القتل لابتزاز السعودية والحصول على اموالها مقابل التغطية على الجريمة الوحشية. واي كانت الدوافع وراء تلك الجريمة، الا انها لا تفسر تضارب المصالح واحتلال جريمة قتل صحافي صدارة كبريات الصحف الغربية، واكثر من ٦٠٪ من مواضيعها التي تتحدث عن مختلف الزوايا للقضية. لانه ببساطة ان قتل الصحفيين اليوم في كل زاوية من زوايا العالم ليس لها ذلك الوقع الاعلامي مثلما حدث الان لقضية الخاشقجي، كما ان الجرائم التي تحدث في اليمن بقيادة التحالف السعودي لا تجد الضجيج الاعلامي والتصريحات المتتالية من قبل القادة الغربيين، ولم تحرك ساكنا ازاء عمليات القتل والتصفيات للعشرات من المحتجين في البصرة. فحقوق الانسان بالنسبة للغرب الحاكم والنخبة السياسية، هي الهوية التي تتباهى بها لتستخدمها بالتالي كورقة نسبية لتمرير سياساتها وتحقيق مصالحها الاقتصادية عبر الانظمة الاستبدادية التي تدعمها.

 

فقضية الخاشقجي ينظر اليها من هذه الزاوية، زاوية المصالح والسياسات وليست زاوية حقوق الانسان وحرية الراي والتعبير. فتركيا تجد مصالحها بالكشف عن تورط ولي العهد السعودي محمد بن سلمان بجريمة القتل اكثر مما تقبض من الملك بضعة دولارات لتستر على الجريمة. فثمن الكشف هو تحجيم دور السعودية وتعويمها سياسيا في المنطقة. ان تركيا الحليفة الاستراتيجية لامير قطر وهو اكرم من ال سعود بعشرات المرات ناهيك عن الترابط الأيديولوجي "الاخوان الملسلمين" بين الطرفين. اي بعبارة اخرى ان تركيا ترى ان محمد بن سلمان يقف وراء الاستهتار السعودي بالمنطقة ومحاولتها قيادة الخليج وتغيير النظام في قطر، وفرض حصار عليها سواء حث المواطنين السعوديين الذين يبلغ عددهم اكثر من ٦٠٠ الف شخص سنويا بعدم الذهاب للسياحة في تركيا، ومنع تسويق المسلسلات التركية في فضائياتها وحملة غير معلنة لمقاطعة السلع التركية.

 

اما في الغرب بشقيه الامريكي والاوربي، فيوجد تياران يتصارعان فيما بينهما. تيار يغض الطرف عن كل جرائم الانظمة الخليجية ما دام هناك صفقات اسلحة بمليارات الدولارات، وما دامت دول الخليج تعمل كمحطات وقود آمنة تزود الشركات الغربية بما تحتاجه. وتيار اخر يتكون من منظمات حقوق الانسان والمجتمع المدني والبيئة ووسائل اعلام ليبرالية تضغط بشكل مستمر على النخب الحاكمة في الغرب لرفع يدها عن ملوك وامراء الخليج المستبدين. وخلال هذه السنوات كشفت حرب اليمن عن جرائم التحالف السعودي ضد المدنيين التي تجد دعما سياسيا وعسكريا ولوجستيا واعلاميا من النخب الحاكمة الغربية. فموقف المانيا والدنمارك وفرنسا اليوم بعدم تصديق الرواية السعودية حول قتل الخاشقجي، ينبع من ضغط ذلك التيار وليس من زاوية قداسة حقوق الانسان التي يتذرعون بالدفاع عنها.

 

ولكن ليست هذه كل الصورة. فجمال الخاشقجي هو ليس اي صحفي ولا اي كاتب، لا لخدماته الجليلة التي قدمها للغرب اثناء الاجتياح السوفيتي لافغانستان، عندما ناصر اسامة بن لادن في تجنيده مقاتلين عرب لقتال "الكفار الشيوعيين" ولا لانه معارض للنظام السعودي، فهذه رواية الغرب الحاكم. انه لم يكن معارضا وكان احد المساهمين في صناعة القرار السعودي. لقد ايد السياسات الاصلاحية لمحمد بن سلمان وايد عاصفة الحزم ضد اليمن وايد دعم ملكه وامرائه للجماعات الاسلامية الارهابية في سورية. ان جمال الخاشقجي لا يمكن له ان يكون معارضا وذهب الى القنصلية وهو يؤمن انه ليس معارضا ورفض منحه حق اللجوء السياسي في لندن، ولذلك ذهب دون تردد وخوف الى قنصلية بلاده. الا انه لم يفهم ان من يبدي النصح لنظام مستبد كي يعدل قليلا من سياساته مهما كان مواليا له يصنف معارضا عنوة دون ان يدري. ان الطبقة الحاكمة وخاصة في امريكا سوقت الخاشقجي معارضا لنظام بلاده لانها كانت تبغي من ورائه تجميل الوجه القبيح للنظام الاستبدادي السعودي، وبأن امريكا حقوق الانسان، وامريكا الديمقراطية لا تقبل التحالف مع نظام استبدادي الا اذا قبل الاصلاحات الديمقراطية. وها هو الخاشقجي وهو احد اعمدة الراي في اكبر صحيفة عالمية واشهرها "واشنطن بوست" يكتب وينتقد النظام السعودي، والاخير يقبله. واضافة الى تلك الميزة، فأن الخاشقجي صديق للعديد من شخصيات النخب الحاكمة، وكان مستشارهم السياسي في امريكا. اي ان قتل الخاشقجي يعني بمثابة قتل شخصية مثل توماس فريدمان احد المساهمين في صناعة القرار الامريكي. انه تعامل عنصري بأمتياز، فكل الضجيج الاعلامي حول قتل الخاشقجي في الاعلام الغربي، هو لان الاخير محسوب على النخب الحاكمة وشركاتها في الغرب وليس لانه سعودي او قادم من الشرق الاوسط فيستحق كل هذه الضجة. لقد أسقطوا الكثيرين من امثال الخاشقجي في لبنان والعراق وسورية وتونس الاردن برصاص الكواتم ولم تنقلب الدنيا من اجلهم. وبموازاة ذلك تحاول "واشنطن بوست" كجزء من حملتها السياسية والاعلامية التي تقودها منذ صعود ترامب الى اعلى قمة في الولايات المتحدة الامريكية الاطاحة بشكل مباشر بمصداقية ترامب، عندما تقود حملة واسعة من اجل الخاشقجي. فتلك الصحيفة هي جزء من التيار السياسي في الطبقة الحاكمة، التي ترى في سياسات ترامب تقويض لمكانة امريكا عالميا على الصعيد السياسي والاخلاقي وانتزاعا لهويتها حقوق الانسان والديمقراطية.

 

اما بالنسبة لدول الخليج ومصر والاردن، فقتل الخاشقجي لا تعنيها، فحقوق الانسان وحرية الراي والتعبير لا يعرفونها او يشكون في معانيها، اذ قد تكون بالنسبة لهم نوعا من انواع الفواكه الاستوائية او اسماء الحيوانات البرية او اكلة من الاكلات الغريبة.. وبالنسبة للسعودية فأن قتل الخاشقجي بالطريقة الوحشية التي تمت بها كان يراد منها رسالة الى جميع المعارضين في الداخل والخارج وخصوصا في الطبقة الحاكمة، بعدم الخروج على بيت الطاعة. وقد ظن النجم السياسي الصاعد محمد بن سلمان ان البلطجة والاستهتار في المنطقة مطلقة بالنسبة له، اذا وقفت ادارة ترامب ورائه وهكذا يروي كتاب "نار وغضب" او "Fire and Fury"، في الوقت الذي تحتاج نفس ادارة ترامب الى من يسندها.

 

واخيرا ان اعلان عدم مشاركة كبريات الشركات الاقتصادية والاعلامية والمالية في مؤتمر "دافوس الصحراء" الذي سيقام في السعودية خلال الاسبوع القادم، مثل فوكس بزنس الامريكية وبنك ودوتشيه الالماني وايرباص الاوربي وبلومبرغ الامريكي واخريات، لا تنبع من زاوية التضامن مع الخاشقجي ولا بتقديسهم لحقوق الانسان وشجبهم للنظام السعودي، بل ان جريمة مثل قتل جمال خاشقجي من شأنها ان تهدد الاستقرار السياسي في المملكة، وبالتالي قد تؤدي الى الفوضى وعدم استقرار السوق، وكما هو معلوم ان رأس المال بطبيعته جبان فلا يذهب الى المناطق التي تهددها الفوضى السياسية والامنية.

 

اخبار

بيان تضامن

بيان تضامن

26/02/2015