في الذكرى الأولى لانتفاضة أكتوبر 2019 أكتوبر آخر مكلل بالنصر، أمر ممكن!

01/10/2020
في الذكرى الأولى لانتفاضة أكتوبر 2019  أكتوبر آخر مكلل بالنصر، أمر ممكن!

 

تمر الذكرى الأولى لاندلاع شرارة انتفاضة تشرين الأول - أكتوبر، الانتفاضة التي فرضت تراجعاً كبيراً على السلطة البرجوازية للإسلام السياسي الشيعي لأول مرة منذ غزو واحتلال العراق.

القوى الاجتماعية المشاركة في الانتفاضة:

لقد أسس لانتفاضة أكتوبر العارمة ــ التي هزت كل أركان النظام السياسي الفاسد في العراق ــ جيش العاطلين عن العمل، الجيش الذي يقدر عدده أكثر من 12 مليون من الشابات والشباب، من خريج المعاهد والجامعات، ومن الذين لم يحالفهم الحظ في إتمام دراستهم بسبب أوضاعهم المعيشية، وانخرط في صفوفهم "أصحاب البسطات" الذين هاجمتهم القوات الامنية القمعية تحت ذريعة "إعادة الجمال إلى الشوارع" دون تقديم أي بديل للحصول على لقمة عيش لهم ولعوائلهم، كما انضم إليهم من الذين شردتهم القوات ذاتها من بيوتهم تحت ذريعة إشغالهم عقارات حكومية في الوقت الذي يغتصب كل المسؤولون في المؤسسات الحكومية عقارات الدولة ويستغلونها كسكن لهم و لعوائلهم دون أن يرف لهم جفن، كما اشترك أيضا عمال العقود والأجور الذين يتقاضون رواتب لا تسد أجور نقلهم، ناهيك عن حرمانهم من الضمان الاجتماعي وتأخر معاشاتهم لأشهر. كما عمل على تقوية شوكة الانتفاضة مشاركة الآلاف من النساء مطالبات بالحرية والمساواة والحصول على فرصة عمل.


إن انتفاضة أكتوبر كانت مرحلة سياسية واجتماعية مهمة في تأريخ العراق الحديث، وقد دحضت بكل جسارة وجرأة خرافة "طائفية المجتمع"، و نزعت الشرعية عن الديمقراطية الزائفة التي تبجحت بها القوى الإسلامية والقومية كي تجثم على صدور الجماهير عبر صناديق الانتخابات، التي كانت تملئها ميليشياتها بأوراقها، وهي من تفتحها وعند الضرورة تحرقها، وفضحت الانتفاضة ترياق الدين الذي كانت توزعه القوى الإسلامية لتخدير الجماهير وإضفاء القدسية على وجودها المعادي لأبسط تطلعات الإنسان في حياة حرة وكريمة، وداست الانتفاضة على كل تهديدات الرعب والخوف ونشر الخرافات لإبقاء النساء في البيوت وتحويلهم إلى جواري منازل كي لا يتجاسرّنَ على هتك شرعية القوى الإسلامية وسلطتها الجائرة.

إن قوى هذه الانتفاضات كانت كل الساخطين على هذه السلطة المليشياتية الفاسدة والإجرامية وكل دعاة الحرية والمساواة والرفاه.

محطات الانتفاضة:

في كل محطة من محطات الانتفاضة، تكشف للجميع سخط الجماهير المطالبة بالحرية والمساواة على القوى البرجوازية بإسلامييها بقومييها، وبعروبييها وبقومييها المحليين (الوطنيين)، بشيعيها وسنيها المعادية بشكل سافر لمصالح جماهير العراق. وفي كل محطة من تلك المحطات كشفت حتى القوى الإسلامية التي دخلت إلى الانتفاضة على مضض، مثل التيار الصدري وبلطجيته أصحاب القبعات الزرقاء، عن مدى معاداتها للحرية وحق التعبير، ولم تختلف قيد شعرة عن عصابات الطرف الثالث الذي كان يقتل بدم بارد المتظاهرين، عندما رفضت الانتفاضة أن يلوي عنقها والقبول ذلك التيار. ليس هذا فحسب، بل كشف ذلك التيار المليشياتي أيضا عن عدائه السافر

للنساء عندما طالب زعيمه بفصل الذكور عن الإناث في التظاهرات.

وفي محطة أخرى من محطات الانتفاضة، حاولت القوى الإسلامية الشيعية ومليشياتها المجرمة خلط الأوراق والعمل على تغيير مسار الانتفاضة والالتفاف عليها من خلال رفع شعارها المستهلك والخالي من المحتوى والمشبوه وهو رفع لواء (المقاومة والممانعة) والدعوة إلى "طرد القوات الأمريكية"، في الوقت الذي يدرك القاصي والداني أن من سرق جماهير العراق وافقرهم وفرض البؤس عليهم، ومن قتل المتظاهرين ومن حول العراق إلى مزعة للنهب والسلب والفساد هم رافعوا لواء "المقاومة والممانعة" انفسهم، ولم يكونوا ليصلوا إلى هذا الحد من الطغيان بحق جماهير العراق لولا حراب المارينز الأمريكي الذي اطلق العنان لهذه العصابات باحتلال العراق وتحويله إلى بلد فاشل ودون دولة تحافظ على الحد الأدنى من الأمن والأمان. بيد أن الانتفاضة حافظت على مسارها ولم تستطع تلك القوى حرفها، والى جانب ذلك استطاعت إجبار عادل عبد المهدي على التنحي، وواصلت هجمتها على السلطة المليشياتية الحاكمة ورفعت شعار "كلهم يعني كلهم" في رفض تام لكل القوى السياسية والمليشياتية الحاكمة واحبطت بدائل البرجوازية لسلطة الاسلام السياسي من اجل انقاذ سلطتها في ترشيحها لرئيس وزراء جديد مثل الشياع والسوداني والعيداني وعلاوي.

أين أخفقت الانتفاضة:

بالرغم من جميع التضحيات العظيمة التي قدمتها جماهير العراق في انتفاضة أكتوبر، وبالرغم من مئات الضحايا وآلاف من الجرحى وعشرات الاغتيالات والاختطافات، وبالرغم من كسر هيبة وشوكة سلطة الإسلام السياسي الشيعي ومليشياتها وعصاباتها المجرمة، إلا أن الانتفاضة لم تحقق أهدافها؛

لم تحقق مطالبها العادلة وهي مطالب الملايين العاطلين عن العمل وعمال


العقود والأجور والخريجين.

لم تستطع إنهاء العملية السياسية القائمة على أساس المحاصصة القومية والطائفية والتي هي، الأساس للمظالم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الكبيرة.

لم تستطع قطع دابر المليشيات وإنهاء وجودها، ولم تستطع تحقيق الأمن والأمان وتقضي على عدم الاستقرار الأمني والسياسي في العراق.

بالرغم الجسارة التي أبدتها الجماهير وخاصة الشباب بمواجهتهم بصدور عارية لقناصي المليشيات والقوات الامنية، لم تتمكن لحد هذه اللحظة من فرض تقديم قتلة المتظاهرين إلى المحاكم العلنية وكذلك فرض. تقديم قتلة المتظاهرين إلى المحاكم العلنية وكذلك فرض تقديم التعويضات المناسبة لذوي الضحايا سواء من فقدوا أرواحهم خلال المحطات النضالية في الانتفاضة او الذين سقطوا جرحى.

دروس وعبر انتفاضة أكتوبر:

إن انتفاضة أكتوبر هي أول تجربة سياسية نضالية حية وخاصة لجيل الشباب الذي فتح عينيه على الاحتلال، الحرب الأهلية الطائفية، البطالة، الفساد، الجوع، المرض والعوز. وبالرغم من جميع إخفاقاتها والآفاق التي انتهت إليها إلا أنها استنهضت الروح الثورية الكامنة في صفوف الجماهير وعموم المجتمع، وبينت قدراتها وإمكانياتها إذا توفرت شروط انتصارها.

لقد دأبت جميع القوى البرجوازية القومية والإسلامية، إما على تجيير الانتفاضة لصالحها او في تغيير مساراتها أو احتوائها وتفريغها من محتواها.

لقد وقعت انتفاضة أكتوبر فريسة السياسات والتصورات البرجوازية لتلك القوى، فريسة نزعة (اللاتنظيم) التي غرستها تلك القوى في صفوف الجماهير،  


على الرغم من أن تلك القوى البرجوازية ذاتها، منظمة من قمة راسها حتى أخمص قدميها، في ميليشياتها وتنظيماتها، في خطبها الدينية أيام الجمع، في مؤسساتها ومنابرها الإعلامية، في شركاتها المالية التي كونتها من سلب أموال الجماهير من المحاصصة السياسية، فقد سعت بكل طاقتها لإشاعة نزعة (اللاتنظيم) في المجتمع، وتصوير كل شكل من أشكال التنظيم بأنه معادي لتحقيق مصالحها. لقد كان اللاتنظيم وتقديس العفوية هما (كعب آخيل) الانتفاضة ونقطة ضعفها.

ونحن نرى إن اللاتنظيم وتقديس العفوية قادا إلى أن تكون الانتفاضة أسيرة الآفاق السياسية التي طرحتها تلك القوى السياسية. وفي المطاف الأخير ساد أفق تغيير (رئيس الوزراء) على الانتفاضة، حتى صعود الكاظمي من رحم العملية السياسية إذ جاء على أكتاف الانتفاضة.

لم تفشل انتفاضة أكتوبر جراء عمليات القمع الوحشي الذي تعرضت لها من قبل السلطة السياسية الإسلامية المليشياتية الحاكمة، بل أخفقت بسبب سيادة نزعة (اللاتنظيم) و(تقديس العفوية) وسياسة (اللا تسييس) البرجوازية وسيادة آفاق التيارات البرجوازية عليها.

بينت المحطة النضالية الأخيرة لانتفاضة أكتوبر أن هزيمتها كانت نابعة من أوهامها، او بعبارة أخرى، انتصار لسيادة آفاق الوطنية او القومية المحلية عليها، فقد أتت بحكومة الكاظمي التي لم ولن تحمل في جعبتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية أكثر مما حملتها الحكومات السابقة التي تشكلت بعد غزو واحتلال العراق.

ما ينبغي تعلمه من انتفاضة أكتوبر:

وبغض النظر عما آلت إليه الأمور، فتحت انتفاضة أكتوبر صفحة تاريخية من


النضال في حياة الجماهير في العراق. إن الدرس المهم الذي ينبغي أن تتعلمه الجماهير، ولطالما تناولنا ذلك في (انتفاضة أكتوبر) وفي جميع أدبيات الحزب الشيوعي العمالي العراقي بإسهاب، هو التنظيم ثم التنظيم ثم التنظيم. إن أول نقد لانتفاضة أكتوبر هو نقد نزعة اللاتنظيم التي سادت في صفوف الجماهير، وخاصة في صفوف الشباب.

أما الدرس الثاني، فهو فصل الآفاق السياسية لأية حركة جماهير مطلبية عن آفاق التيارات البرجوازية وخاصة التيار الذي يسمي نفسه بـ (الوطني) الذي لا يحمل لا في جعبته ولا في برنامجه الاقتصادي والسياسي أكثر من نزعته المعادية للجمهورية الإسلامية في إيران، وكأنه إذا ارتمى في الأحضان الأمريكية ستمطر السماء المن والسلوى على العاطلين عن العمل وعمال العقود والأجور والنساء في العراق.

والدرس الثالث، أن الاقتصار على التجمع واحتلال الساحات العامة ليس قدر أية انتفاضة، بل تكاد تكون مقتلها كما حدث في انتفاضة أكتوبر. إذ أن البرجوازية وقواها السياسية تستفيد من هذا الشكل النضالي، لحصر الاحتجاجات فيها، بينما جميع شركاتها وأعمالها وحركتها التجارية تجري بشكل طبيعي إضافة إلى حياتها اليومية دون أن تتعرض إلى اي تهديد. اي بمعنى آخر يجب التنويع بأشكال نضالية متنوعة ومختلفة منها تشكيل اللجان والتنظيمات المتنوعة في المحلات والأحياء وأماكن العمل والدراسة، وطرد المليشيات منها وغلق مقراتها، السيطرة على المجالس البلدية المحلية والبدء مباشرة بتنظيم أمور المحلات على صعيد الخدمات، انتخاب ممثلي الجماهير في تلك المناطق والمحلات كي يشكلوا سلطة إدارية وسياسية بحيث تفوت الفرصة على تلك القوى من إعادة ترتيب وتنظيم نفسها سياسيا، وذلك بتقديم نموذجا كبديل سياسي بوجه البدائل التي تطرحها تلك القوى التي


تسعى لصب ماء الانتفاضة في طاحونة مصالحها.

الدرس الرابع، والجوهري الذي على الجماهير أن تتعلمه والذي أدى إلى نقص واضح في الانتفاضة، هو عدم انخراط العمال في القطاع الإنتاجي فيها، على الرغم من إبدائهم التأييد والدعم عبر تنظيم التظاهرات في أماكن عملهم، او الاشتراك بشكل أفراد في احتجاجات وتظاهرات الانتفاضة، إلا أن ذلك الدعم لم يتبلور إلى حركة احتجاجية اجتماعية عبر الاعتصامات وإيقاف دولايب العمل بحيث تتحول إلى جزء أصلي وأساسي ومحوري في الانتفاضة وتوقف تدفق الدم في جسد الطبقة البرجوازية الحاكمة وتعطل حياتها.

الأهداف النضالية النهائية لتفجير انتفاضة أكتوبر أخرى:

لم تحقق انتفاضة أكتوبر 2019 مطالبها، لم تصل إلى محطة الانتصار النهائية، ويجب على جميع القوى الاجتماعية التي شاركت فيها إدراك هذه الحقيقة، وعدم الانجرار في خلق أوهام بأنها مستمرة وما زالت شعلتها متوقدة، وإن تصوير هذه الأوهام بأنها حقيقة هو في جانب منه جراء سيادة الرومانسية الثورية وهو أقرب إلى الأماني مما هو واقع على صف من الشباب، وفي جانب آخر فإن هذا التصور هو مجرد مساعي لقوى سياسية أخرى خسرت نفوذها في المعادلة السياسية كأحد نتائج الانتفاضة، وهي قوى الإسلام السياسي الشيعي ومليشياتها المدعومة من قبل نظام الجمهورية الإسلامية في ايران. مرة أخرى، تحاول هذه القوى الاستفادة من الذكرى الأولى لانتفاضة أكتوبر وتوظيفها عبر المشاركة في ساحة التحرير اليوم ورفع شعارات (المقاومة والممانعة) كي تسترد مواقعها ونفوذها وامتيازاتها التي خسرتها لصالح القوى البرجوازية المدعومة من أمريكا، من مثل جناح الكاظمي.

أن أكتوبر آخر يأتي عبر المضي بالنضال ودفعه بأفق تحرري ومساواتي من


أجل تحقيق المطالب التي هبت الجماهير وقدمت التضحيات العظيمة والجسام من أجلها.

أن الاحتجاجات الاجتماعية المستمرة في القطاعات المشاركة إليها هي الشرارات التي تفجر انتفاضة جديدة، فعلينا تنظيمها بأشكال مختلفة وربطها عبر شبكة نضالية واحدة، وتحت شعار إنهاء عمر العملية السياسية وشعار (أمان- حرية - خدمات- لا لأمريكا وإيران في العراق).

ينبغي التنظيم ثم التنظيم حول الشعار أعلاه، والمطالبة بجوهر ما سعت إليها انتفاضة أكتوبر لتحقيق الآتي:

- حل العملية السياسية فوراً وتشكيل حكومة غير قومية وغير دينية تستند إلى الإرادة المباشرة للجماهير وممثليها في تجمعاتها ومجالسها في المحلات ومراكز العمل. يتمثل برنامجها الفوري بالتالي:

-إعادة العمل بالبطاقة التموينية بحيث تغطي كل الحاجات الغذائية وغير الغذائية الأساسية اليومية للمواطن.

- دفع بدلات البطالة لكل عاطل عن العمل من الإناث والذكور لمن بلغ من العمر ١٦ عام.

- إنهاء كل أشكال العنف ضد المرأة وسن قانون فوري لحمايتها على جميع الأصعدة.

-توفير الخدمات ويكون الكهرباء والماء الصالح للشرب في سلم أولوياتها.

- حل المليشيات قاطبة تحت أي مسمى كان، وغلق جميع مقراتها.

- محاسبة قتلة المتظاهرين ومنظمي الاغتيالات ومن يقف ورائهم عبر لجان تحقيقية يشترك فيها ممثلو انتفاضة أكتوبر وساحات التظاهرات وذوي ضحايا الانتفاضة.

- تجميد الأموال المنقولة وغير المنقولة لجميع مسؤولي أحزاب السلطة


والتحقيق العلني والشفاف عن مصادر أموالهم.

إن الحزب الشيوعي العمالي العراقي، وفي الوقت الذي يدعو الجماهير والقوى التي تجد نفسها شريكة مع هذه الأهداف الالتفاف حول هذه المطالب السياسية والعملية.

عاشت ذكرى انتفاضة أكتوبر

عاشت ذكرى المضحين بدمائهم في انتفاضة أكتوبر من اجل عالم أفضل

عاش نضال جماهير العراق من اجل الحرية والمساواة والأمان

الحزب الشيوعي العمالي العراقي

نهاية أيلول 2020

بيانات