حول اوضاع العراق السياسية والحرب مع داعش

06/07/2015
حول اوضاع العراق السياسية والحرب مع داعش


تمر اكثر من سنة على سقوط الموصل بايدي داعش ولازالت الحرب التي تشنها مختلف القوى الحاكمة في العراق وكوردستان بوجهها لم تلحق الهزيمة النهائية بها. منذ اشهرعديدة وقوات الجيش الحكومية و"الحشد الشعبي" و"البيشمركة" في كوردستان تخوض الحرب ضد داعش، بدعم عسكري مباشر من ايران وامريكا والمتحالفين معها، دون ان تكون هناك بوادر للاندحار العسكري التام لداعش او ازالة مخاطرها وتهديداتها على الجماهير في العراق. لقد راحت ضحية جرائم داعش و"دولتها الاسلامية" وتفجيراتها والحرب الجارية ضدها، خلال السنة الماضية، الالاف والالاف من الافراد المدنيين والعسكريين وافراد "الحشد الشعبي" و"البيشمركة" واغلبيتهم من اوساط الطبقة العاملة والجماهير الكادحة. كما وتشردت مئات الالاف من الناس وهم يعيشون منذ اشهر في ظروف غاية في الصعوبة حيث اجبروا على ترك مدنهم وقراهم هربا من ماسي الوقوع تحت سيطرة داعش وبطشها. لقد شهد العراق على ايدي مجرمي داعش اكبر جرائم الابادة الجماعية ضد سكانه واشد جرائم القتل والاغتصاب بوجه المرأة وخاصة اليزديات اذ استعبدت اللاف منهن وحولتهن الى سبايا تباع في الاسواق.

ان استمرار داعش و"دولتها الاسلامية" في التحكم باجزاء كثيرة من العراق تهديد مرعب للمجتمع باكمله اذ وضع، ولا يزال، الحياة السياسية والاجتماعية وأمان الجماهير في العراق امام اكبر المخاطر بحيث لا يمكن للطبقة العاملة وحزبها السياسي والجماهير الكادحة والتحررين التغاضي عن سير هذه الحرب ومآلها. ان الحرب على داعش، بالاساس، هي حرب الجماهير التحررية ضد قوة تهدد المجتمع باكمله فلا يمكن فصل الحرب ضد داعش عن آفاق تحقيق الامان والحرية والرفاهية للجماهير في العراق اذ انها اجزءا مكملة لها. ان الانتصار على داعش مرهون بشن حرب سياسية وعسكرية وفكرية شاملة بوجهها والحاق الهزيمة بها على صعيد جميع تلك النواحي لانقاذ المجتمع من مخاطرها وتهديداتها. غير ان القوى الحاكمة تسد الابواب على الجماهير لشن المقاومة المسلحة المستقلة بوجه داعش وتسد الطريق امام تطورالنضال السياسي والفكري للطبقة العاملة والجماهير الكادحة في العراق وكوردستان، اذ تقمعها حالما تراها تخطو خطوات مؤثرة للتخلص من الطائفية والقومية والصراعات الجارية بين مختلف القوى المتحكمة بالاوضاع في العراق، وبالتالي تسد الطريق امام ازالة كل ما تغذي انتعاش واستمرار قوى مثل داعش. ليست هذه فحسب، بل تستخدم هذه القوى الحاكمة ظروف الحرب لتقوية اركان حكمها واركان الاستبداد البرجوازي وتوسيع ابعاد الفساد المالي والاداري كما وتشن الهجوم على معيشة وعمل العمل والكادحين بفرض سياسة التقشف مع ما يعني ذلك من ازدياد رقعة الفقروالبطالة وتدهور الخدمات الصحية وتردي الخدمات الاجتماعية والتعليم .

ادت اطالة هذه الحرب بشكلها الحالي الى اشتداد المآسي التي تعاني منها الجماهير بدرجات هائلة. تستمر هذه الحرب، على حساب وقوع الالاف من السكان ضحايا داعش المجرمين وتهديداتها المستمرة ومخاطر استيلائها على المدن، مثلما حدث لمدينة الرمادي خلال شهر أيار هذا العام، ووسط ازدياد الفقر والبطالة والمرض وتردي الخدمات، ووسط ماسي مئات الالاف من النازحين، في حين تحتكر الحكام في العراق وكوردستان جميع امكانيات المجتمع. فلم تعد حالة ترقب وانتظار الطبقة العاملة والجماهير المحرومة تعني شيئا الا اطالة النزيف الدم الجاري واشتداد وتيرة الماسي المتنوعة، الا ازدياد مخاطر استغلال ظروف الحرب من قبل القوى الحاكمة في العراق وكوردستان لتثبيت وترسيخ اركان الحكم الاستبدادي والميليشاتي لهذه القوى. فليس امام الطبقة العاملة والجماهير الكادحة في العراق وكوردستان غير التدخل العملي المباشر لوضع حد لهذه المخاطر والمآسي بمجملها وذلك بالنضال من اجل تحقيق ارادتها السياسية وتوحيد صفوف نضالها السياسي والاقتصادي والفكري في نضال طبقي شامل على صعيد العراق بوجه البرجوازية الحاكمة باكملها. ان تشكيل القوى المسلحة الجماهيرية المستقلة لدحر داعش هي شكل من اشكال هذا النضال الاجتماعي والسياسي العظيم وحق من حقوق الجماهير في الدفاع عن نفسها بوجه داعش و الارهابيين وهي تشكل مهمة انية.

لم تظهر داعش في العراق من لاشئ، اذ ان سيطرتها على اجزاء كثيرة من العراق، نتاج اوضاع سياسية محددة وتدخلات الدول الاقليمية والامبريالية العالمية المباشرة في العراق. بمعزل عن الدوافع الايديولوجية والسياسية لتكوين هذه المجموعة الارهابية واصلها المنبثق من القاعدة وايديولوجيتها وستراتيجيتها الغارقة في الرجعية، وبمعزل عن موقعها الطبقي والاجتماعي بمثابة تيار سياسي فاشي للبرجوزاية القومية العربية- الاسلامية، فان تصاعد هذه القوة الفاشية الارهابية في العراق اتى كجزء لا ينفصل عما جرت من التحولات والتغييرات والصراعات السياسية والعسكرية في العراق خلال 12 السنة الماضية وعما تلقت هذه القوة الارهابية من الدعم المالي والعسكري واللوجستي الامريكي والسعودي والقطري والتركي المباشر وعما قامت بها تركيا من التنسيق السياسي والعسكري المفضوح معها وفتح الحدود امامها على الدوام. ان مقاومة القوميين العرب والبعثيين والاسلام السياسي السني بوجه ما جرت من التغييرات السياسية في العراق، اثر حرب امريكا على العراق واسقاط النظام البعثي، وسعي هذه القوى لتتحقيق اهدافها الرجعية السياسية في حكم العراق او السيطرة على المناطق الغربية والشمالية الغربية من العراق وتحويل هذه الاهداف الى الافق السياسي السائد على الجماهير هناك، تقف وراء تبلورالارضية السياسية المناسبة في هذه المناطق لنشاط داعش العسكري وامثالها من الارهابيين في العراق.

مع سيطرة داعش على هذه المناطق تغير طابع القضية السياسية القومية - الاسلامية لهذه المنطقة اذ صبغتها داعش بصبغتها الاسلامية الارهابية واصبحت الجماهير في هذه المنطقة الضحية الاولى لهذه التطورات. انها وقعت تحت سيطرة داعش وعانت مآسي جرائمها من جهة، ومن جهة اخرى، عقدت الامال، تحت تاثير اوهامها، على الافاق القومية والاسلامية السنية السائدة في هذه المناطق للخلاص من التمييز الطائفي واعمال القمع التي تمارسها حكومة بغداد. فبوجه هذا الواقع السياسي والعسكري الجديد الذي اوجدته داعش تصدى سكان هذه المنطقة لداعش وقاوموها بطرق مختلفة وتركت اقاسما كبيرة منهم، ممن لم يتستطعوا المقاومة، مدنهم وسكناهم واصبحوا نازحين في مناطق مختلفة. ان اندحار العسكري لداعش او عدمه ، سوف لن يحدث تغييرا جوهريا في الواقع السياسي السائد في هذه المناطق، ولم يعد بالامكان التغاضي عن واقع سياسي ملموس وموجود وهو ان سيادة ونفوذ الآفاق السياسية للاسلام السياسي السني والقوميين العرب حولت معضلة الحكم في هذه المناطق الى معضلة وقضية سياسية بحاجة الى الحل. فالتخلص من داعش وغيرها من الارهابيين تستلزم من حيث الاساس انقاذ الجماهير في هذه المناطق من نفوذ الآفاق السياسية القومية والاسلامية السنية وطرح مشروع سياسي تقدمي امامها.

ان البرجوازية القومية العربية والاسلام السياسي السني التي اوجدت هذه المعضلة بالاساس، لا تريد حلها انما تريد ان تتغذى منها، وتريد الادامة بنفسها من خلالها واستغلالها لتمرير مصالحها في المشاركة في الحكم اوتحقيق اهدافها السياسية الرجعية لحكم العراق باكمله. انها تريد عزل الجماهير في هذه المناطق عن بقية العراق وتغذي الطائفية والعداء القومي والمذهبي باشد الاشكال. وبالمقابل، ان ما تواجهها الطبقة العاملة والجماهير الكادحة والتحررين من المهام المباشرة والآنية في هذه المناطق هي بالدرجة الاساس فصل مصالحها عن مصالح هذه القوى البرجوازية القومية والاسلامية السنية وسلك طريق النضال الطبقي الموحد على صعيد العراق. انها بحاجة الى تحويل هذا الافق السياسي الطبقي، وهذا الميدان السياسي الرحب، الى الهدف المنشود، للخلاص من قبضة هذه القوى وتوحيد روافد النضال من اجل قضيتها المشتركة مع بقية عمال وكادحي وتحرري العراق، قضية التحرر السياسي والاجتماعي للطبقة العاملة على صعيد العراق وانهاء النظام السياسي الطائفي والقومي السائد في البلاد. ان الحرب الجارية ضد داعش لا يمكنها كسب الانتصار ووضع حد لامثال داعش بدون تحقيق الأمن والسلام والحرية للجماهير في هذه المناطق وبدون انهاء الظلم والتمييز الطائفي بحقها ووضع بديل سياسي اخر وطريق ثالث امامها اي طريقا منفصلا عن آفاق قوى الاسلام السياسي السني والقوميين العرب وبعيدا عن القوى الاسلام السياسي الشيعي.

ان استمرار الاوضاع القائمة وسيادة القوى السياسية البرجوازية من مختلف تيارات الاسلام السياسي و القوميين على المشهد السياسي في العراق تغذي وتكمل الواحدة الاخرى. ان العراق يمر بمأزق سياسي وأجتماعي وأمني شامل اثر استمرار تحكم القوى القومية والطائفية بالمسار السياسي في العراق. ان الخروج من هذا المازق غير ممكن التحقيق بدون تقوية وتطوير النضال السياسي الشامل للطبقة العاملة والجماهير الكادحة والتحررية بوجه كل قوى الاسلام السياسي والقوميين والطائفيين وبدون تقوية وتطويرنضال الطبقة العاملة الاقتصادي والسياسي على صعيد العراق. ان المقاومة المسلحة الجماهيرية المسلحة ضد داعش جزء من هذا النضال السياسي الشامل.

الحزب الشيوعي العمالي العراقي

03-07-2015

بيانات